السيرة القسرية للمدينة الفلسطينية

السيرة القسرية للمدينة الفلسطينية

جانب من سوق بيت لحم عام 1945 (Getty)

لم تأت سيرة المدينة في فلسطين خلال القرن العشرين سيرة ناجزة، ولا سلسة وفق سياق تطور ونمو طبيعيين، بل كانت ولا تزال القسرية بوصفها آلية خارجية لم تحكم البنية الاجتماعية الفلسطينية وحسب، بل والبنية السكانية وتوزيعها. ولم تكن التغيرات التي أصابت هذه البنية نتاج ميكانيزمات داخلية، بل بفعل مؤثرات خارجية بحتة، سياسية واقتصادية بالأساس. وليس أدل على القسرية تلك، من حقيقة نجاح المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين، وتمكنه من تحطيم جل البنية الاجتماعية عام 1948 نتيجة التهجير القسري الذي مورس على الفلسطينيين، بمعنى التطهير العرقي لأكثر من 82% من مجموع السكان. وتدمير حواضر بأكملها.

بين  1858-1860 أفاد الرأسمال التجاري وملاكي الأراضي من الإصلاحات العثمانية وقوانين الطابو للأراضي

يمكن اعتبار منتصف القرن التاسع عشر نقطة مفصلية لبداية تحولات جدية في واقع الحياة الحضرية في فلسطين. وهذا الافتراض يستوجب أخذ معطيين أساسيين تلازما زمنيًا في تلك الفترة. حيث نشطت النخب البرجوازية الإصلاحية العربية في الدولة العثمانية عبر دعواتها للتغيير، مستفيدة من حالة نمو اقتصادي شملتها، مما ساق إلى تحولها إلى ثقل ذي طموح سياسي، في الوقت الذي كانت تشهد فيه مسيرة الرأسمال في أوروبا تحولات من نمط المنافسة الرأسمالية إلى الاحتكارات الإمبريالية، والذي وجد في هشاشة الوضع الداخلي للدولة العثمانية، فرصته للتوسع في آراضيها، وتصدير الرساميل والبضائع، وشهدت العديد من مدن ساحل شرق المتوسط اندماجا في الشبكات التجارية الجنوب أوروبية والإنجليزية، حيفا مثالا. كما شهدت أوضاع القوانين التجارية العثمانية بعض تغييرات انعكس أثرها على وضع الملكية، فأصدرت في الأعوام (1858-1860) سلسلة من القوانين عُرفت بالإصلاحات العثمانية، أهمها قوانين الطابو للأراضي، ما أفاد الرأسمال التجاري وملاكي الأراضي حينذاك.

كما عرفت الفترة ذاتها تحولا نحو الزراعة التخصصية في البلاد العربية، القطن في مصر، والحمضيات في فلسطين، والتمور والقمح في العراق، والحرير في سوريا، لذلك بدأت معالم تحولات تظهر على المدينة الفلسطينية، الساحلية خصوصا، نتيجة التحولات في أنماط الإنتاج في المنطقة، إذ كانت المدن الساحلية تنمو بتسارع ملحوظ، حيفا ويافا مثلا، خدمة لأغراض تصدير المنتوجات الزراعية، بينما المدن الجبلية تشهد توقفا في عجلة الزمن، نابلس مثلًا. ما جلب تحولات في أنماط المعيشة في المدن الساحلية، وحالة هجرة داخلية نحوها، وظهور طبقة مستجدة من وكلاء الشركات وملاكين الأرض المتعاقدين مع الشركات، وطبقة عاملة، وجاليات أوروبية. وما أسهم في قدح شرارة التفاعل الحضري على نطاق أوسع من السابق، مع نمط الحياة الأوروبية وثقافتها، الأمر الذي انعكس على تولد أنماط جديدة من الحياة والمعمار الحداثيان في المدن الساحلية خاصة.

بينما شهدت القدس حالة مغايرة، نتيجة الرمزية الدينية والوضع السياحي فيها. فبدأت تشهد المدنية حالة تمدد عمراني خارج أسوارها القديمة ترافق مع وصول خط سكة حديد الحجار إليها، وربطها بيافا وبالتالي باقي المدن في بلاد الشام. وعليه كان لتمدد العائلات المالكة خارج أسوار المدينة وتشييد أحياء مثل القطمون والطالبية مترافقا مع نشاط تبشيري متزايد للجاليات والبعثات الأجنبية استفاد من مناخ الإصلاحات العثمانية، وهنا بدأت مظاهر المدينة الحديثة في الظهور إلى العلن في القدس من سكة الحديد إلى خدمة البريد والتلغراف، ورصف الأرصفة، وخدمة الكهرباء، وإنشاء مجلس بلدي.. إلخ، ما يشي بحالة تحول في التركيب الطبقي للمدينة.

وما يمكن تعميمه على هذه المرحلة، بين منتصف القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى، أي ما قبل الانتداب البريطاني، أن تغيرًا أصاب المدن الفلسطينية لجهة تنامي مكانة مدن الساحل وعدد سكانها وأنماط معيشتهم، وأن تغيرات بدأت تعصف بالقدس العثمانية، أهمها التوسع العمراني خارج المدينة المسوّرة. إلا أن ما ينبغي ملاحظته بشأن هذه التغيرات، سواء في الساحل أو في الجبل، إنما نشأ بفعل آليات تدخل خارجي قسرية، وما يبدو حداثة هنا هي حداثة مفروضة تساوقت معها فئات اجتماعية محدودة سكانيًا انحصرت في أرستقراطية مدينية عائلية وفئات وسطى جديدة.

"حداثة" انتدابية

نشأ التغير على المدينة الفلسطينية بفعل آليات تدخل خارجي قسرية

برز أثر مباشر للانتداب البريطاني في فلسطين على الطبيعة الحضرية المدينية للمدن الفلسطينية، وخاصة الساحلية منها، وكذلك القدس لاعتبارات مختلفة عن الساحلية. وهذا يتضح عبر استعراض ما نشأ من ظروف وممارسات في تلك الحقبة، مثل التوسع الكبير في قطاع التعليم بفعل الإرساليات التبشيرية، المدعومة من القنصليات المختلفة في فلسطين، ألمانية وأمريكية وفرنسية وبريطانية وروسية، وكذلك توسعت الطبقة الوسطى التي وجدت ضالتها الوظيفية في جهاز الحكم الإداري البريطاني. وانعكس هذا التوسع ليشمل أنماط الحياة عبر استدخال أنماط سلوكية أوروبية لدى الطبقات الوسطى والعليا. ولا يخفى أن من الأهداف الأساسية للتوسع في التعليم كان التأسيس لأنماط قيمية وسلوكية تصب في صالح المستعمر في مآلها النهائي على صالح الثقافة والاحتياجات المحلية.

قاد هذا المتغير الاجتماعي، إلى حالة نمو شهدتها الطبقة الوسطى المدينية في القدس مثلًا، وتأثرها، مع الأرستقراطية العائلية، بالمظاهر الحداثية البرجوازية، مما أوجد أنماطًا من السلوك الاجتماعي محصورة في الأجواء البرجوازية والأرستقراطية من نوع الاختلاط بين الجنسين، التردد على المقاهي والأندية وخاصة جمعية الشبان المسيحية، وارتياد دور السينما.

كما توافرت بعض السياسات البريطانية التي أسهمت في سيرة المدينية الفلسطينية، كانت بالأساس موجهة نحو الالتزام البريطاني في المشروع الصهيوني في فلسطين، مما ترك أثره القسري على المدينة الفلسطينية، مثل تقديم التسهيلات للرأسمال الصهيوني مقابل العمل على وضع العراقيل أمام نمو القطاع الصناعى العربي، كسلوك تقليدي استعماري يرى تناقضا بين مصالحه ونمو الصناعة المحلية وبالتالي استقلالية الاقتصاد المحلي. ومن هذه المشاريع مشروع "كيشون"، كهرباء يافا وحيفا، ففي حيفا نُفذ عبر الشركة الصهيونية، شركة تطوير أراضي فلسطين، وكذلك مشاريع صيانة السكة الحديدية، والميناء الجديد في حيفا، وخط أنابيب شركة نفط العراق "تابلاين"، ومصفاة البترول، والتي نُفذت جميعها إما بتنسيق مركّز مع المؤسسات والشركات الصهيونية، أو بإحالة العطاءات لصالحها.

إقرأ/ي أيضًا: الصناعة السورية.. "ما ضل شي"

من الطبيعي أن يترافق هذا الجهد الاقتصادي مع بناء وتطوير أجهزة إدارية، محلية ومركزية، ما غيّر في تركيب المدينة الديموغرافي والطبقي عبر استجلاب اليد العاملة العربية من الأرياف نحو المدن المركزية. وشكلت هذه الهجرة "الطوعية" عاملا مساعدا للحركة الصهيونية في الاستيلاء على ملكية الأراضي في الأرياف الفلسطينية، متظللة بقوانين الانتداب البريطاني التي سهلت العملية. ولا يخفى كذلك الجهد البريطاني الذي اعتمد على ضخ الموارد لصالح تطوير الأحياء الاستعمارية الجديدة والأحياء اليهودية مقابل إغفال وتهميش الأحياء العربية حتى في مراكز المدن. أما أكثر السياسيات التي لعبت دورًا غير مباشر في إعادة صياغة شكل المدينة الفلسطينية، فهي افتتاح العديد من معسكرات الجيش وورش صيانة المركبات العسكرية، وشق الطرق الجديدة بين المدينة والمدن الأخرى والأرياف لأغراض عسكرية بالأساس. إن هذا النشاط العسكري الموجه للبنية التحتية لخدمة الاحتلال لعب دورا غير هيّن في تغيير وجه المدينة، إذ استقطب فلاحي الأرياف للعمل في تلك المرافق، ونشطت الحرف المرتبطة بها.

وكنتيجة، فقد تم إعادة صياغة المدينة من جديد بتأثير مباشر للسياسة البريطانية وتعاونها مع الحركة الصهيونية، سواء من الوجهة الديموغرافية أو التخطيطية المدينية أو الاجتماعية/ الاقتصادية. وكان من الحتمي أن تترافق هذه التحولات مع بروز مظاهر "حداثية" عدة، مثل العمل السياسي الحزبي والمؤسساتي، وتأسيس النقابات العمالية، ونمو تأثير الحزب الشيوعي بين عمال الميناء ومعسكرات الجيش، وانتشار المؤسسات الثقافية ودور العرض والمسرح، إلى أخر ذلك من المظاهر "الحداثية" المفروضة قسرًا، كسياسات هادفة، أو تداعيات موضوعية. ولكن ما ينبغي الإشارة له أن التطهير العرقي الذي وقع خلال نكبة 1948 عنى وضع حد لهذه المظاهر الحداثية بتهجير السكان أصلا من المدينة.

التطهير العرقيّ.. محو المدينة

العديد من المظاهر "الحداثية" في فلسطين مفروض قسرًا، كسياسات هادفة، أو تداعيات موضوعية

كما ظهر سابقًا كانت المدن الفلسطينية، الساحلية منها والقدس أيضاً، قد شهدت تطورا سكانيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفنيا، يمكن وصفة تجاوزًا بـ"الحداثي"، تحت تأثير السياسة البريطانية أساساً، وإلإرساليات التبشيرية والسياحة الدينية والرمزية السياسية في حالة القدس. لكن حقيقة ما جرى في عامي 1947-1948 هو التطهير العرقي لنحو ثلثي الشعب الفلسطيني بما ينسجم والمكون الجوهري الأبرز للمشروع الصهيوني، أي الإحلالية الاستعمارية. فالمشروع الصهيوني في فلسطين يقوم على استيطان الأرض، وإنكار وجود سكانها الأصليين، ما يعني بالضرورة أنه مشروع إحلالي، وتلك ألف باء فهم الطبيعة الجوهرية لأي مشروع استيطاني إحلالي، لذلك فالسمة مشتركة مثلا بين المشروع الصهيوني في فلسطين ومشاريع الرجل الأبيض التي نشطت في مرحلة الرأسمالية المركنتيلية في الأمريكيتين وأستراليا وجنوب أفريقيا، الترحيل، أي التطهير العرقي، وإن أمكن، فالإبادة الجماعية للسكان.

إقرأ/ي أيضًا: من لندن.. هنا غزة

كان من نتيجة ذلك المشروع، كارثة أصابت المدينة الفلسطينية الساحلية بالأساس، إذ أُفرغت مدن بالكامل من سكانها، عسقلان والمجدل وصفد والرملة، وهُجّر أغلب سكان مدن أخرى، حيفا ويافا واللد، بحيث يمكن القول دونما مجازفة أن وجود المدينة العربية التي كانت قائمة  قبل 1948 داخل الخط الأخضر قد انتهى، باستثناء مدينة الناصرة، والبلدة القديمة في عكا نسبيًا.

وجاء هذا التطهير قسريًا لا طوعيًا، عبر طرد وترحيل أكثر من 82% من الفلسطينيين، وتدمير ما يقارب 531 قرية وترحيل سكانها، كما تطهير 4 مدن من ساكنتها تماما، وترحيل أغلب سكان 3 مدن، وهذا لا يمكن فهمه خارج ربطه بالتطهير العرقي.

تغيرات ديمغرافية وطبقية وتهميش

كان من نتائج تدمير القرى والمدن الفلسطينية وتهجير مئات آلاف الفسطينيين أن ازدحمت المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة باللاجئين ومخيماتهم. إذ ترك هذا المتغير بصمته الديمغرافية والطبقية والاجتماعية والثقافية، وإن كانت تمثلاته أوضح بكثير في قطاع غزة، نظرًا لضيق المساحة أمام العدد الهائل من اللاجئين إليها. وكان لإلحاق الضفة الغربية بالأردن تأثيره كذلك.

بأخذ رام الله نموذجًا، فإن التهجير في العام 48 يعد نقطة التحول الأساسية، إذ أصبحت مدينة تضم سكانها مضاف إليهم من لجأ إليها، ونتيجة الكثافة السكانية المستجدة وقرب المدينة مع ما تبقى من القدس خارج الهيمنة الصهيونية آنذاك، القدس الشرقية، تحولت المدينة لتغدو المركز الحضري الرئيسي للضفة الغربية. وكان لسياسة التمييز بين الشرق أردنيين والفلسطينيين لصالح الأوائل من جهة، وتهميش الضفة الغربية اقتصاديا واجتماعيا لصالح الضفة الشرقية من جهة ثانية، أبرز ما ميز السياسة الأردنية تجاه الضفة الغربية بين 1948-1967. بالنتيجة عرفت رام الله تغيرات ديمغرافية في تركيب السكان نتيجة التطهير العرقي في باقي فلسطين، فتشكلت كأكثر المدن "حداثية" على مستوى الضفة الغربية، لتمسي مركزًا حضريًا في الضفة سيتعزز ما بعد نشوء السلطة الفلسطينية.

استعمار ما تبقى وإعادة تشكيله

السمة المشتركة بين المشروع الصهيوني في فلسطين ومشاريع الرجل الأبيض في باقي الكوكب هي التطهير العرقي، وإن أمكن، فالإبادة الجماعية للسكان

قبل التعريج على أثر الاحتلال المدمر لبعض المدن ومؤسساتها أثناء الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية عام 2002، وخلال الحروب المتكررة على قطاع غزة المحاصر، لا بد من تسجيل سريع للمتغيرات التي أصابت المدينة وتشكلها الحضري عبر سنوات الاحتلال الإسرائيلي للضفة انطلاقا من 1967.

قامت سياسة الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية على تدمير مقومات البنية الزراعية الإنتاجية، وهي الأساس الانتاجي في الضفة، مما أدى إلى "بلترة"/ تحويل الفلاحين إلى عمال قسرًا، مجموعات إضافية من السكان، البعض منها وفد إلى المدينة بعد فقدان الأرض أو عدم القدرة على الاعتماد عليها مصدرًا للمعيشة، فيما الأغلبية بقت ريفية من حيث السكن، بفعل قرب المسافة الجغرافية بين مكان العمل ومكان السكن، داخل الخط الأخضر وفي مدن الضفة، علما أن أمكنة العمل بالأساس كانت داخل الخط الأخضر. وبالتالي مجموعات إضافية أضيفت لسكان المدينة، نهارًا وليس ليلًا. وهذا يقود إلى استشفاف انعدام أية فروق جوهرية في المكونات الثقافية بين الريف والمدينة في الضفة الغربية، فالمدينة بقيت تحت تأثير مكونات ريفية، رغم التحضر المديني المتزايد، حتى في رام الله، والريف بدأت تتسلل له مقومات حضرية من تلك التي توفرت في المدينة، خاصة في المواقع القريبة من المدينة.

إقرأ/ي أيضًا: اكتشاف الدهماء

وبفعل بناء جدار الفصل العنصري وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية وانسداد آفاق العمل داخل الخط الأخضر وتمركز مؤسسات السلطة في رام الله، فقد عرفت المدينة الوسطى، رام الله والبيرة، هجرة عشرات الآلاف من السكان من شمال الضفة وجنوبها إليها. وإن تغيرات إضافية ديمغرافية قد أصابت المدينة هنا، وتغيرًا ثقافيًا أيضًا، باعتبار المناطق الشمالية والجنوبية أكثر "محافظة" وريفية من رام الله.

وكان للاجتياح الإسرائيلي تأثير كبير على المدينة الفسطينية، ويمكن أخذ نابلس نموذجا. بحيث كانت المدينة القديمة مركزا للمقاومين أثناء الاجتياح، وبقيت آخر المناطق في المدينة عصية على قوات الاحتلال. وتعد المدينة القديمة، كتشكيل معماري قديم، في "مدينة حديثة"، أنها وفرت دائمًا بيئة جغرافية مناسبة للمقاومة. فبفعل التراص السكاني والمعماري، وشبكة الأزقة المعروفة للسكان، وفرت قصبة نابلس بنية تحتية للمقاومة والاختباء وتهريب الأسلحة والمقاتلين وعقد اللقاءات السرية، وتلك ظاهرة عرفتها قصبة مدينة الجزائر في حرب الاستقلال، وأحياء مدينة القاهرة القديمة في ثورة 1919، ومقاتلي حرب عصابات المدن في السلفادور "التوباماروس"، وهو ما تكرر في قصبة نابلس كما أزقة مخيم جنين قبل إزالته من الوجود في الفترة عينها، والذي أعيد إعماره بتمويل من الهلال الأحمر الإماراتي وإشراف أمريكي، في حقبة دايتون - فياض، كي لا يعود في معماره ما يحمل من إمكانيات البيئة الحاضنة للمقاومين شيئًا. إن التدمير الذي طال معمار المدينة القديمة في نابلس، كان تطهيرًا مكانيًا وحضريًا استهدف المقاومة أساسًا، والمدينة ومعمارها تاليا، إذ لوحظت المبالغة في التدمير والتجريف والهدم.

أما في رام الله فكان الوضع مختلفًا، فلم تعرف المدينة مقاومة جدية إلا خلال اليومين الأولين للاجتياح، فيما لم تبدي تشكيلات السلطة العسكرية أية مقاومة، بل استسلمت هي وأسلحتها، ولكن الاحتلال مع ذلك كان يؤسس لمخططه إعادة تشكيل جهاز السلطة والتخلص من ياسر عرفات واعتماد غيره لقيادة السلطة، فقام بتدمير مؤسسات السلطة الوليدة، وزارات وهيئات ومبانٍ، ليصيب بالخراب معمارًا تشكل بعد 1994 لخدمة آليات عمل السلطة، وعلى الرغم من هويته الشائهة ونسقه غير الواضح إلا أنه يبقى تعبيرًا معماريًا عما حملته حقبة ما بعد اتفاقيات أوسلو من تحولات.

هكذا إذن حكمت سيرة نشأة وتطور المدينة الفلسطينية منذ مطلع القرن العشرين بسمة القسرية، ولم تكن خاضعة لميكانزمات التحولات والمتغيرات الطبيعية، بقدر ما شكلتها الأيادي الاستعمارية، وبقي المديني الحضري رهين السياسي.

إقرأ/ي للكاتب نفسه: القدس.. عاصمة المولوتوف العربي