السخرية.. مُتنفّس الخائفين وسلاح المقهورين

السخرية.. مُتنفّس الخائفين وسلاح المقهورين

جيكامو كارديلي/ إيطاليا

من يصنع الفكرة الساخرة؟ وكيف تصبح مع استمرار التداول أقصر وأكثر تكثيفًا وذكاء، هل السخرية أخطر من النقد؟ لماذا يستثيرنا الضحك أكثر عندما يتعلق الموضوع بالمسكوت عنه، خاصة حينما يتعلق بالثالوث المحرّم: الدين والجنس والسياسة؟ هل لأنها خلق حر يستوعب كل المكبوت ويختصره بابتسامة التواطؤ؟

السخرية خطر يهدد المقدس ورموزه وممثليه، بالدرجة ذاتها الذي يهدد فيها الأنظمة الديكتاتورية التي تدعي العلمانية

لماذا تُقلِق السخرية بكل تجلياتها (المجلات الساخرة والنكتة السياسية والكاريكاتير) العدوين اللدودين: الأنظمة الشمولية وأولئك المدعين بأنهم وارثو الله على الأرض على حد سواء؟ العداوة الكاذبة طبعًا لأن الحقيقة أنهما وجها عملة واحدة تجمعهما مصالح متبادلة وأهداف مشتركة، على ما يبدو. 

السخرية خطر يهدد المقدس ورموزه وممثليه بالدرجة ذاتها الذي يهدد فيها الأنظمة الديكتاتورية التي تدعي العلمانية، ومن المفارقات المضحكة اتفاق هذين النقيضين على محاربة السخرية لكونها تنطوي على تهديد مضاعف يتعلق بالدرجة الأولى بذكائها في التقاط الخلل، كما يتعلق بالدرجة الثانية في إيجازها وسهولة تناقلها مما يجعلها عصية على الملاحقة والاعتقال. وهي بهذا كله تهدد المقدّس بخطر انتقاص هيبته ومن ثم تحويله إلى موضوع قابل للتفكيك والنقد وبالتالي التشكيك، كما تهدد الأنظمة الديكتاتورية بانتقاص هيبتها وانتقادها وتعريتها، لأن هيبة هذه الأنظمة تكمن في رفع سلطتها إلى مرتبة المقدّس المنزّه عن النقد، هذه السلطة التي ستتصدع حتمًا أمام أي تشكيك، كونها تحكُم الشعوب بقوتها العسكرية لا بالقانون. 

عادة تُخلق فكرة النكتة المتناقَلة شفاها تحت سلطة الممنوع والمحرّم، وتتناقلها الذاكرة الشفوية ويضيف إليها كل ناقل من روحه فتُصقل بالتداول، وذلك عندما تحمل مرة صوت الناقل الحالي ومرة أصوات الناقلين السابقين، ومرات أخرى عندما يحمّلها المنقول إليه من أفكاره وزاوية تلقيه، وهذه الأصداء المحمولة بعدد المتناقِلين هي ما تمنحها ميزتها، مثلها مثل الأساطير التي حُمِّلتْ الكثير من رغبات المقهورين وأحلامهم بأبطال استثنائيين خارقين يستطيعون قهر الظلم بالقدرات التي حمَّلها لهم الضمير الجمعي الناقم على عجزه عن رد المظالم. 

ولكي يقتنع هذا الضمير الجمعي بالقوى الخارقة للبطل كان عليه أن يجد مبررات مقنعة، فكان الحل باختلاق سلالة إلهية للأب أو الأم أو باختلاق حدث استثنائي جعل هذا البطل عصيًا على الهزيمة. ومن هنا مثلًا كان آخيل في الميثولوجيا الإغريقية بطلًا لا يُقهر، لأن أمه غطّسته في نهر الـ"ستيكس"، ولذلك كله لم تقبل الذاكرة الجمعية بأن ترى في آخيل إنسانًا عاديًا شجاعًا ومقدامًا مات بطعنات الطرواديين، بل ترى أنه قد قُتل لأن سهمًا أصاب كاحله الذي لم تغمره مياه نهر الخلود الـ"ستيكس".

مهما بلغت الآلة من الذكاء والتفوق والسرعة، إلا أنها لن تستطيع ابتكار مفارقة ساخرة

تجدر الإشارة إلى أن اختراع نكتة ما، يحتاج إلى عقل بشري ذكي لأن الآلة مهما بلغت من الذكاء والسرعة والتفوق على عقل الإنسان في الحسابات والفيزياء والهندسة، إلا أنها لن تستطيع ابتكار مفارقة ساخرة، يجتمع فيها التوهج والتكثيف والكشف الذي يلزم أن يؤدي بالضرورة إلى قدح فتيل المحفز العصبي للابتسامة عند المتلقي. ولذلك ربما تكون أهم ميزة للإنسان أنه حيوان ساخر أكثر من أنه حيوان ناطق.

إن مقدار الانتقاد الذي تختزنه نكتة ساخرة أو كاريكاتير لاذع قادر على اختصار تقارير كاملة وإحصاءات شاملة عن حجم المخزون العام من الكبت الذي ينسكب على شكل أيقونة ساخرة قد تكون بحجم فأر صغير لا يُعبأ له، ولكن الفأر بقي ينخر في سد عدن العظيم حتى انهارت مملكة بلقيس. 

هناك الكثير مما يقال عن السخرية في ظل الأنظمة القمعية، الدينية منها والسياسية، سواء منها السخرية التي أرهصت لثورات العالم العربي، أو تلك التي تهكمت على مآلات تلك الثورات وإحباطات الحالمين الطوباويين. السخرية أمر رائع: رائع بالمعنيين اللذين تحملهما هذه الكلمة: رائع بمعنى مخيف، ورائع بمعنى جميل، السخرية مُتنفّس الخائفين وسلاح المقهورين، السخرية إبداع. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

اعرف شخصيتك من لحيتك

متلازمة البوق السورية