السجن ودكتاتوريات القرن العشرين.. شهادات من العالم

السجن ودكتاتوريات القرن العشرين.. شهادات من العالم

رسم لـ إيفا بي/ بريطانيا

سجناء من العالم ترتطم صرخات آلامهم الشجية بأذنيك وأنت تقلب صفحات كتّاب عن السجن والحرية. سجناء من الشرق ومن الغرب، من العرق الأسود والأصفر والملون، ومن العرق الأبيض أيضًا. نساء ورجال في بلاد على مدى الخارطة الدولية يتحكم بأرواحهم ورقابهم دكتاتوريون من العالم لأنهم يحملون قضية أو فكرة يدافعون عنهم بالورقة والقلم. مقالات وأشعار ورسائل شكوى أدرجت في أنطولوجيا بعنوان "كتّاب تحت الحصار.. أصوات الحرية حول العالم"، صدر عام 2007 بإشراف "نادي القلم الدولي"، الذي يُعنى بإخلاء سبيل السجناء السياسيين والكتّاب حول العالم.

العنف وخنق الحريات والرقابة على المطبوعات والكتابة لا تدع للمواطن نافذة إلا المنفى واللجوء إلى الآخر

شهادات تخترق عتمة السجون. كلماتهم المغموسة برائحة البول والدم والرصاص تنغرز في جلدك وأنت تقرأ عن سيرتهم وفزع الشهادة على طلقات الإعدام التي تتم على مرآهم وتحصد رفاقًا لهم في الزنزانة. تتوحد أصوات الناجين منهم فوق صفحات هذه الأنطولوجيا، فتشعر بالمرارة حين تدرك أن الحرية التي قضى وتعذب من أجلها الكثيرون، لم تصل إلى أي عتبة من عتبات الشرق العربي- المفترض أنه على موعد مع الخلاص.

اقرأ/ي أيضًا: 8 أعمال روائية من أدب السجون العربي

في هذه الأنطولوجيا الصادرة بالإنجليزية والتي تضمنت شهادات لعدد من الكتاب والشعراء والنشطاء السياسيين العرب، نقرأ سيرة السجين في مواجهة الموت والتعذيب والاغتصاب، نذكر منهم: الشاعر السوري فرج بيرقدار، الشاعر السعودي علي الدميني، الناشطة السياسية التونسية سهام صدر الدين. بالإضافة الى مشاركات أسماء من العالم نذكر: إيران، تركيا، بنغلاديش، الصين، كوبا، نيجيريا، فيتنام وغيرها. خُصص ريع الكتاب لصالح "القلم الدولي" لدعم نشاط المؤسسة التي تواصل رسالتها في تحرير صوت الإنسان من نير الدكتاتوريات التي تواظب على خنق الصوت الحر والإنساني

في هذا الكتاب يعذبك صوت "آسيا" وهي تغتصب في سجون تركيا، ويقشعر جلدك هلعًا وأنت تقرأ سيرة كاتب وشاعر هو علي بهرامي من إيران في سجن "ايفين" في إيران، وبعد جولات بين المحققين والزنازين يطلبون منه أن يأكل "صحن الشوربة" بملعقة زميله الذي أعدم للتو وترك الصحن حارًا.

العنف وخنق الحريات والرقابة على المطبوعات والكتابة لا تدع للمواطن نافذة إلا المنفى واللجوء إلى الآخر، والحياة الممكنة في أي رقعة من العالم. لذا لم يعد غريبًا على أحد أن يرى في الإعلام ويقرأ في الصحف عن سيرة اللاجئين من كل بقاع الشرق الأوسط في هذه الآونة الأخيرة من القرن 21. ولم يعد غريبا أن يتبادل الأفراد همسًا وسرًا سيرة جوازات السفر المزورة والمستعارة بقصد الوصول إلى أي من البلاد الأوروبية، طلبًا للحماية والحرية والعيش اللائق. اللاجئ مواطن يسكنه الرعب من الماضي والقلق من الحاضر، فيتعلم كيف يحيك أو يسرد قصته الحقيقية او المتخيلة كي يفوز بورقة إقامة دائمة أو مؤقتة في بلد اللجوء ورغم هذا التوافد الهائل للاجئين في كل مكان قلما نقرأ سيرة أدبية بالعربية عن معاناة حاملي جواز السفر المزور وطريقة التحقيق معهم حين يتقدمون لجوء في بلد آخر. الخوف لا يغادر قلب المواطن حين يتجاوز حدود السجن. السجن سيرة لا تنتهي عند الحدود والحصول على ترحيب في البلد الجديد.

اللاجئ مواطن يسكنه الرعب من الماضي والقلق من الحاضر، فيتعلم كيف يحيك أو يسرد قصته الحقيقية او المتخيلة كي يفوز بورقة إقامة دائمة أو مؤقتة

تطالعك مثل هذه السيرة في مسرحية لكاتب من كونغو تقدم لطلب اللجوء في الولايات المتحدة، في مسرحية بعنوان "صرخات الجُدجُد" وكان لهذه المنظمة يد في تنظيم حملة مساندة لهذا الكاتب الذي قدم الى بريطانيا ولمنع إعادته إلى بلده-كونغو. في هذه المسرحية يصور لنا الكاتب جان-لويس نتادي بعضًا من جوانب التحقيق مع طالب اللجوء. حين يسأله المحقق عن حيازته على جواز سفر مزور يقول: حين تشتعل النار في بيتك والباب مقفل، هل تهرب من النافذة طلبًا للنجاة أم تموت هناك لأن الباب مقفل؟

اقرأ/ي أيضًا: الزنزانة بين خيال الكاتب وذاكرة المعتقل

ويعرف اللاجئ أن الأبواب كلها ليست مفتوحة أمامه، ويبقى جرحه مفتوحًا على المدى وكثيرًا ما يعجز عن التعبير عن هذه التجربة أمام المحقق، وأمام الآخر في البلد المضيف، لأنه فقد إحدى أهم ركائز التعبير عن الفكرة والرأي وهي اللغة. اللغة الأولى، الرحم والحاضنة.

قلت لرجل سوري التقيته منذ أشهر في تورنتو: مبارك لك مبارك لك لقد تم قبولك لاجئًا في كندا. فكان رده: لا أدري إذا كانت التهنئة واجبة، لأن ثمن الحصول على هذا اللجوء، كان باهظا على الصعيد الشخصي. كان ثمنه حياة أبي الذي قتل أمامي... صمت قليلًا ثم أضاف: ما يزال رأس أبي يسبح في بركة دم تسجنني وبيننا كل هذه البحار والمحيطات.

نورد ترجمة لبعض الفقرات من مسرحية بعنوان "صرخات الجدجد" لـ جان -لويس نتادي، كاتب من الكونغو، لما فيها من تقاطع مع رحلات الألم التي يعيشها السوريون وغيرهم في بلاد اللجوء وهربًا من الحرب والقتل والمآسي التي لا تغتفر.


مقدمة المسرحية صرخات الجُدجُد

رجل: أنت متهم بالحيازة على جواز سفر مزوّر للقدوم إلى المملكة المتحدة.

يوان: إذا كنت في بيت يحترق، هل تكسر نافذة كي تخرج من البيت، أم تموت في البيت لأن الباب مغلق؟

رجل: لقد وُجِه إليك سؤال، سيد يوان. هل كان لديك حق في استخدام جواز السفر الذي استخدمته؟

يوان: لا، لأنه كان لناس ذي أهمية. نعم، لأنه كان عليّ أن أنجو بنفسي من الخطر والموت. إذا سألتك أن تختار ما بين جواز السفر والحياة، أيهما ستختار؟

رجل: أنت متهم بارتكاب العنف. ماذا تقول في ذلك؟

يوان: وما هو هذا العنف الذي قيل إنني ارتكبته؟ نعم أنا رفضت أن أرجع إلى بلدي حيث سأكون تحت خطر الموت. ولكن صدقني ان استجوابك يشبه الحرامي الذي يصيح "حرامي"

(يترك المحاكمة ويتجه مباشرة نحو الجمهور)

اسمي يوان. أنا هنا في إنجلترا، لوحدي. يريدون أن يعيدوني إلى مكان سأقتل فيه. زوجتي هناك في البلد مع ستة أطفال تجري إهانتهم بشكل متواصل من قبل الشرطة التي تصر على أن تعرف طريقًا للوصول إلي. أنا مرتعب مما قد يجري لزوجتي. قد يغتصبونها. قد يقتلونها. العائلة تتنقل من قرية إلى قرية للنجاة من الخطر. إنهم الآن في منطقة لا يمكن للشرطة الوصول إليها. هناك حرب أهلية ولا يوجد اتصالات هاتفية.

يعني، أنهم ما يزالون في خطر وحاليًا لا اتصال بيننا. فقط في الأحلام.

تظهر زوجته له في الحلم.

سوسو: نحدق في البيت الذي بنيناه سويًا، خائفون من الموت الذي قد يفاجئنا إذا بقينا.

يوان: نعم حبيبتي، إنها سياسة الأسد. حين يكون الأسد ملكًا، لا يجوز لحيوانات أخرى أن تستلقي إلى جواره.

سوسو: القرى، المحلات، المناطق بأسرها، نهبت من قبل السلطات المخدوعة بالذهب الأسود.

يوان: الأطفال ما بين سن 10-12 تم تسليحهم إلى الحد الأقصى.

سوسو: سياسة الأسد.

يوان: هذا الجشع سوف يدمر أفريقيا. القوي لا يتقاسم ثروة البلاد مع الآخرين إطلاقًا.

سوسو: هذا الجشع على المحك الآن. نأكل بترول، نشرب بترول، نلبس نترول، نرقص بترول. إنه البترول، هيا هيا.

يوان: بلدنا مُعتقل. نمل ضخم اجتاح الأقضية، وحتى الشوارع الضيقة في أمتنا. لذلك يجب أن ننسحب كي نعاود التقدم من جديد.

سوسو: قريبًا أو بعيدًا سوف نرى بعضنا، لذلك هذا الدمع مستحق. من الأفضل أن تطلب حماية ملكة بريطانيا التي تعرف قليلًا عن حقيقة السياسة الأفريقية، والتي تعرف أكثر عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصص "من الشبّاك".. ما لا تقوله عربة الترحيلات

دفاتر الملح.. الاعتقال السياسي كما ترويه النساء