الترجمة والأدب.. ممارسة تأويلية وإبداعية

الترجمة والأدب.. ممارسة تأويلية وإبداعية

أوديسيوس يُجهز على خاطبي زوجته بينيلوبي (Getty)

يكاد العالم الذي نعيشه اليوم مشكّلًا على ما هو عليه بفضل الترجمة والمترجمين، هؤلاء الذين باتوا "أعيننا على أوقات وأماكن أخرى. يبثون فينا الشجاعة لمغادرة شواطئنا الأدبية والتفكير في طرق أخرى للعيش وطرق أخرى للتفكير"، كما يقول هذا المقال المترجم عن صحيفة الغارديان البريطانية.


دائمًا ما تكون الترجمة تأويلًا: إنها فعلٌ إبداعي، والمفارقة أن يتطلب أيضًا إخلاصًا شديدًا للنص الأصلي. يجب أن نشيد بمترجمينا لأجل هذا الفعل الإبداعي الحذر، ومن أجل هذه الخيانات المخلصة. (وكما يقول المثل "أن نترجم يعني أن نخون"، وهو في ذاته ترجمة للمثل الإيطالي traduttore traditore، التي تترجم حرفيًا إلى: المترجم خائن).

تُرجمت إلى الإنجليزية 60 ترجمة رائدة على أقل تقدير لملحمة "الأوديسة" التي كتبها هوميروس

المترجمون هم أعيننا على أوقات وأماكن أخرى. يبثون فينا الشجاعة لمغادرة شواطئنا الأدبية والتفكير في طرق أخرى للعيش وطرق أخرى للتفكير. يزرعون بيننا طرقًا أخرى للتعبير وأشكالًا أخرى للإفصاح. يمكن للأدب الذي تقدمه بقعةٌ من بقاع الأرض، أو ذلك الذي يُقدم بإحدى اللغات، أن يعاد قولبته إذا واجه نصوصًا من بقاع أخرى. لم تكن "الإنياذة"، وهي أكثر أشعار الرومان تطابقًا مع الحضارة الرومانية، ستنجو وتحظى بهذا الانتشار إلا بفضل "الإلياذة" و"الأوديسة" الإغريقيتين. كانت السونيتات قالبًا شعريًا نشأ في جنوب أوروبا قبل أن يدخله توماس وايت إلى إنجلترا عبر ترجمته لـلشاعر الإيطالي فرانشيسكو بتراركا.

اقرأ/ي أيضًا: دنيس جونسون ديفز وذكرياته في الترجمة

توجد في الإنجليزية 60 ترجمة رائدة على أقل تقدير لملحمة "الأوديسة" التي كتبها هوميروس، وقد تُرجمت كلها عن طريق مترجمين رجال. والآن لدينا أول نسخة منشورة لامرأة، وهي إيملي ويلسون، أستاذة الأدب الكلاسيكي بجامعة بنسلفانيا. (تشكل هذه في حد ذاتها حالة شاذة: فقد نُشرت ترجمة آن داسييه الفرنسية في عام 1708. وفي الإيطالية، كانت أكثر ترجمات ملاحم هوميروس قراءة، والمألوفة لدى أجيال من طلاب المدارس حتى وقت قريب، هي ترجمة روزا كالزيشي أونيسيتي التي فارقت الحياة في 2011).

لا شك أن الترجمات تجلب معها وجهات نظر وانحيازات مبدعيها، وتقدم ويلسون نسخة تكشط بها الطبقات التي تراكمت عبر قرون من القراءة الذكورية للقصيدة. إليكم مثالًا: في الفصل الرابع من القصيدة ينطلق تيليماكوس بن أوديسيوس في رحلة البحث عن أية أخبار عن أبيه الغائب منذ مدة طويلة. يصل إلى إسبارطة، حيث يلتقي هيلين التي عادت إلى بيتها الزوجي بعد حرب طروادة. تذكر هيلين بداية الصراع قائلة: "جاء الآخيون إلى طروادة لأجلي أنا المسكينة (dog-eyed) وأشعلوا الحرب الشعواء". لكن ما هي قوة هذه الكلمة المثيرة للفضول kunopis والتي ترجمتها إيملي ويلسون إلى "dog-eyed"؟ نجد أن ترجمتها في المعجم القياسي تعني "فاقدة لكل احترام، ومنعدمة للحياء". في ترجمته لهذه الفقرة في القرن السابع عشر، استخدم جورج شابمان كلمة "impudency" أي "مشين، وصفيق". وبحلول القرن العشرين، ترجمها صامويل باتلر "my most shameless self"، التي تعني "أقل الناس حياءً وشرفًا". (كان قد طرح من قبل وجهة نظر تقضي بأن المؤلف الحقيقي لـ"الأوديسة" امرأة بسبب تعاطف القصيدة مع شخصياتها النسائية وعدم قدرتها على وصف القوارب بدقة).

تكمن متعة قراءة هوميروس في الاتساع والمرونة التي تتسم بها مادته، وفي حقيقة أنها قاومت على الدوام القراءات الأحادية

وفي تسعينيات القرن الماضي، اختار روبرت فاغلس ترجمتها بالعبارة "shameless whore that I am"، التي تعني "لأجلي أنا الساقطة منعدمة الحياء". فيما ترى ويلسون الترجمة من وجهة نظرها على هذا النحو: "They made my face the cause that hounded them"، والتي تعني  "لقد اتخذوا من وجهي سببًا يطاردهم".

اقرأ/ي أيضًا: لطيفة الزيات تروي قصة بدايات حركة الترجمة في مصر

قلبت إيملي ويلسون، وهي باحثة بارزة في الأدب الإغريقي، المعنى السائد في تأويل هذا البيت الشعري رأسًا على عقب. وهذا أمر جيد، مثلما كان الأمر جيدًا قبل 30 عامًا عندما اجتاح مارتن بيرنال مؤلف "أثينا السوداء" المجال البحثي بأطروحته المثيرة لحمية البعض عن الأصول الأفريقية للثقافة الإغريقية، التي كان لها الفضل - على الرغم من الجدل المثار حول إدعاءاته - في دفع الباحثين للاعتراف بحدود قراءة العالم القديم من منظور الرجل الأوروبي الأبيض.

تكمن متعة قراءة هوميروس في الاتساع والمرونة التي تتسم بها مادته، وفي حقيقة أنها قاومت على الدوام القراءات الأحادية. لهذا يجب علينا الترحيب بأي بنوع جديد من الإرشاد الذي يقودنا عبر صوره الطبيعية البرية، وعبر بحاره الداكنة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الترجمة في اللغة الكرديَّة: محاولة ردم الهوّة المعرفيَّة في زمننا الرّاهن

أحمد شافعي: ما كنتُ لأحتمل هذا العالم لولا الترجمة!