التحفظ الذي يعني الغموض في الجزائر

التحفظ الذي يعني الغموض في الجزائر

جزائريات يتظاهرن ضد الاستعمار الفرنسي 1943 (Getty)

بحلول شهر رمضان، تنتعش المسلسلات الدرامية في القنوات الحكومية والخاصة، فمؤسسات الإنتاج في الجزائر قلما تنتج لغير رمضان، ومن نتائج المقارنة بين المسلسلات الجزائرية، وتلك القادمة من الفضاءات العربية والتركية والأمريكو لاتينية في إطار الدبلجة؛ أن كاتب السيناريو الجزائري، بمباركة المخرج والمنتج، يضع أسماء لشخوصه من غير ألقاب، بحجة تجنب الإسقاطات السيئة في الواقع، والتي من شأنها أن تتسبب في مشاكل معينة.

تكاد الجزائر تكون أكثر المستعمرات الفرنسية برودة في المطالبة بأرشيفها من طرف فرنسا

عكس المسلسلات المستوردة التي تلقّب شخوصها، أحيانًا بألقاب لها امتداد في الواقع المعاش، مثل "أوغلو" في تركيا و"السريحي" في الخليج العربي و"العطارنة" في الأردن، علمًا أن حملة هذه الألقاب في هذه المسلسلات، قد يمثلون أدوارًا شريرة يُستحى منها في الواقع.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لا أكون داعشيًّا؟

نزعة التحفظ على تلقيب الشخوص المتخيلين في الأعمال الفنية الجزائرية، تجاوزت المسلسلات والأفلام، إلى الرواية والقصة القصيرة، إذ من النادر أن نجد شخصية في عمل سردي تحمل لقبًا يمكن أن يكون له وجود في النسيج الاجتماعي العام. ولئن كان مبررًا حدوث ذلك في عمل فني أو أدبي تخيلي، فهل هو مبرر في عمل تاريخي يسرد وقائعَ حدثت فعلًا؟

إن اطلاعًا بسيطًا على المذكرات التي أطلقها ثوريون وسياسيون جزائريون عاشوا في مرحلتي الاحتلال والاستقلال، يقودنا إلى إدراك أن نسبة كبيرة منهم كانت تتجنب ذكر الأشخاص والفاعلين بألقابهم، بكل ما يترتب عن ذلك من تشويه للحقيقة التاريخية، وتشويش على الباحث والقارئ، وتضخيم للذات الكاتبة، بجعلها محور الأحداث والأحاديث، على حساب بقية الشركاء في الفضاء والعطاء، بما يجعل إصدار هذا النوع من المذكرات فرصة للتمييع عوض التوضيح والبلبلة في تناول التاريخ عوض الرصانة فيه.

يحدث هذا كله، في ظل تعتيم صارخ على الأرشيف الثوري والسياسي، بل إن الجزائر تكاد تكون أكثر المستعمرات الفرنسية برودة في المطالبة بأرشيفها من طرف فرنسا، وأقلها استعمالًا لجملة الأوراق التي تشكل ضغوطًا مؤدية إلى الحصول على ما يتعلق بها من آلاف الأطنان في الخزائن الفرنسية.

يحدث كل ذلك بحجة "لا ترفعوا غطاء البئر"، فقد تطلع منه رائحة كريهة تتسبب في تفكيك النسيج العام للجزائريين، وهي حجة نبيلة من حيث المبدأ، لكن هل ساهمت هذه السياسة/المقاربة في تعزيز هذا النسيج العام؟ هل منعت رموز ثورة التحرير من التنابز بالألقاب وتبادل التهم بالخيانات الغليظة، على مسمع ومرأى الجيل الجديد الذي تلقى في المدارس كونَهم "ملائكة مقدسين"؟ الحاصل أن الجزائريين مارسوا التعتيم على أنفسهم وعلى بعضهم، من غير أن يصيروا نسيجًا واحدًا، أو يسترجعوا أرشيفهم ليكتبوا اختلافاتهم على ضوء حقائق التاريخ، وظلوا بهذا أسرى سياسة الغموض التي تتفوق في إضرارها على سياسة الوضوح.

اقرأ/ي أيضًا:

الإرهاب الفلسطيني في العراق!

نكسة حزيران.. بدء حكم الطغاة وهزيمة الإنسان