البكالوريا كإنجازٍ يُعادل علم الصواريخ

البكالوريا كإنجازٍ يُعادل علم الصواريخ

أيمن بعلبكي/ لبنان

خرج أبو النواجح إلى شرفة المنزل ليُشهر رشاشه الكلاشينكوف، ذي الأخمص، الذي اعتنى به جيدًا بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية. مسك حفنة من الرصاص كان قد اشتراها بعد الحرب الأهلية تحسبًا لأي هجومٍ مضاد قد يُشعل حربًا أخرى. 

أصبح أبو النواجح جاهزًا بعتاده ليُرعب المنطقة بأكملها بصوت الرصاص المرشوش في سقف السماء ويصرخ عاليًا: "ابني نجح في البكالوريا! ابني صار كبيرًا". لكن لا تمر على نخاعه فكرة، أن مع نجاح ابنه في أسخف شهادةٍ أكاديمية في العالم واحتفائه به بالرشاش الروسي، قد يُصاب أحد الأساتذة الذين قضوا أيام الأسبوع كاملةً على مدّة سنة وهم يُحضرون هذا التلميذ الناجح للحصول على الشهادة الثانوية. قد يضحك البعض ويحزن البعض الأخر إن تحول هذا المثل إلى واقعًا. لكن المعروف أيضًا في بيروت أن مع كل حفلة من الإطلاق النار الابتهاجي العشوائي يُصاب شخص على الأقل بجروح، ومعظم الوقت تُسجل حالات وفيات بالرصاص الطائش. 

حين نجحت في الحصول على شهادة البكالوريا الثانوية، وصلت إلى منزل أهلي لأروي عليهم النتيجة. لم أتمكن من إكمال فرحتي بالرواية. أقول لأمي ولأبي: "يا ماما، يا بابا، أنا نجحت بكالوريا"، وسرعان ما يكون الردّ: "شو؟ أنا لا أسمعك". صوت الرصاص كان قد ملأ بيروت في هذا اليوم احتفالًا بجميع الحمير الأكاديميين مثلي. فأنا لم أنجح بمعدل جيد أو جيد جدًا أو ممتاز. كان نتيجتي 10 على 20 بدون فواصل أو إضافات أو علامات استلحاق. 

عشرات الآلاف من الناجحين بالصدفة مثلي كان أولياء أمرهم يفرغون كل ما تملكوا من ذخيرة رشاشات في الهواء ليرتفع إبنهم أو إبنتهم إلى الحياة الحقيقية من الدرس الحقيقي والمصاعب الحقيقية. ولكن حالتي كانت انتظار الرصاص أن يهدأ ليسمع أهلي صوتي قائلًا: "ستبدأ الحياة الجامعية قريبًا، هل سنحتفل بالحمدلله على سلامة رؤوسنا من الرصاص الطائش؟". 

غطى وطغى أبو النواجح على فرحتي في النجاح في البكالوريا. وقضى على احتفالاتنا العائلية البسيطة بالخروج إلى أحد المطاعم للاحتفال بالصبي الناجح في العائلة. كان كل همنا أن ينتهي إطلاق النار. كان همنا الأكبر أن لا يُصاب أحد بأي مكروه. كان همي أن لا يقوم أبو النواجح بإصابة ابنه الناجح بالرصاص الطائش. كان همي أيضًا أن يكون أبو النواجح إنسانًا ذا حظٍ أفضل في الحياة، وأن يكون سبب فرحته الكبرى أكبر من شهادة البكالوريا. لكنه حزين وكلنا حزينون حين نبحث عن أي شيء لكي نحتفل.

اقرأ/ي أيضًا:

نجوم مثقوبة

مسلسل "الندم".. ولكن ما سبب "الأزمة"؟