إلياس مرقص في حواراته.. المفكّر الذي رأى

إلياس مرقص في حواراته.. المفكّر الذي رأى

المفكر إلياس مرقص (1927 - 1991)

يقدّم "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" لطبعة كتاب "إلياس مرقص: حوارات غير منشورة" بالعبارات الآتية: "هذا كتاب طال انتظاره، ويعدّ صدوره حدثًا ثقافيًّا مهمًّا، وخصوصًا بالنسبة إلى من عاصروا حقبة التألق الفكريِّ والثقافيِّ والأدبيِّ في البلاد العربية". ثم يضيف موضحًا بعض التفاصيل: "كان طلال نعمة قد أجرى حوارًا طويلًا معه قبل عشرين سنةً، وبقيَ ذلك الحوار حبيس الأدراج طوال هذه المدة. وقد رغب المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في أن يخرج هذا الحوار على الناس لأهميته أولًا، وعرفانًا للقيمة الفكريّة لصاحبه ثانيًا، فعهد إلى محرري المركز بإعداده للنشر، وها هو اليوم يُنشر بعنوان: "الياس مرقص: حوارات غير منشورة" (383 صفحةً من القطع الكبير)، بتقديمٍ من صقر أبو فخر. وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يعيدنا إلى أجواء السجالات الفكريَّة والسياسية العاصفة التي شهدتها المنطقة العربية في حقبة التحولات الكبرى بين السَّنتين 1955 و1975، وكانت قضايا الوحدة العربية، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، وتحرير فلسطين، والتقدم والنهضة، وغيرها، هي القضايا العربية المصيرية آنذاك".

عن الشيوعية

يبدأ إلياس مرقص منذ الصفحات الأولى من الكتاب بنقد الشيوعية وبعض حركاتِها العالمية التي هي من الأساس بعيدة، ظاهريًا وباطنيًا، عن الشيوعية وأفكارها الأصيلة كما يؤكّد مرقص طيلة حديثه، مُعتبرًا أنّها توسّلت التحريف والانحراف عن المبادئ الشيوعية لخدمة مصالح وأجندات شخصية. وهذا النقد بطبيعة الحال يطالُ الحزب الشيوعي السوريّ الذي وقعت خلافات حادّة بين قيادته ومرقص الذي لا ينفكّ يشيرُ، بشكلٍ صريح أو موارب، إلى أنّ عددًا كبيرًا من قيادات الحزب كانوا على دراية ضعيفة ومتواضعة، ولربّما جاهلين أيضًا، بالشيوعية وأفكارها. وأنّ الانخراط في الشيوعية واعتناقها كان قائمًا عند هؤلاء على فكرة أنّ الاتحاد السوفييتي كان، كما رأوهُ آنذاك، الدولة الأقوى عالميًا. وهي الفكرة التي يعارضها المفكّر السوريّ مُعتبرًا أنّ الاشتراكية لا تتحقَّق من خلال القوّة.

يصف إلياس مرقص "فن الواقعية الاشتراكية" بأنّه فنّ تافه كونه ساعد في تبرير أكاذيب متعدّدة

الانحراف عن الشيوعية وأفكارها ومبادئها عند بعض الحركات الشيوعية في عددٍ من الدول بدأت، بحسب إلياس مرقص، حين تحوّلت الثورة الاشتراكية من ثورةٍ مكوّنةٍ من عددٍ من الروافد، كنضال العمال ضدّ الرأسمالية، والوقوف ضدّ الاحتكارات الكبرى، والمسألة الديمقراطية ضدّ الفاشية وغيرها من المواضيع والقضايا، إلى ثورةٍ أُخضعت روافدها هذه وقلّصت لتكون ملائمةً للمرحلة الجديدة، وغير خارجة عنها، أي مرحلة البروليتاريا ونظام السوفييت التي يصفها إلياس مرقص بأنّها أدخلت دول أوروبّا الشرقية آنذاك في عملية "بَلْتَرة"، و"سَفيتة"، و"سَلتنة". هذه العملية كانت عصب إلغاء الوجود وتنوّع الوجود وإجهاض للحركة التقدّمية في تلك الدول التي أخذت تتحوّل إلى نماذج مُشابهة للنموذج السوفييتي، أو نموذج ستالين تحديدًا.

اقرأ/ي أيضًا: الفلسفة والتاريخ: العروي يتأمَّل نفسه

عملية كهذه تُلغي التنوّع وتهدف إلى النسخ والتكرار كجزء من المُحافظة على الأنظمة أو المبادئ القائمة، لاقت تجاهلًا كبيرًا عند أعداد كبيرة من الشيوعيين، والعرب تحديدًا، من جهة. وتأييدًا عند البعض من جهةٍ أخرى. هذا التأييد والتجاهل اللذان يخدمان هدفًا واحدًا، يأتيان كنتيجة طبيعية لفقد الحركة الشيوعية العالمية الموالية للسوفييت للصدق، وصدقها مع ذاتها أوّلًا. ولجوئها السريع إلى التخوين والعمالة للقضاء على أيّ رأي مُخالف لما تراه. واتّخاذ القرارات والمواقف بناءً على مواقف القادة، أي "ريتويت" لا أكثر أو أقل.

إلياس مرقص: حوارات غير منشورة

هذه الفئة من الشيوعيين، ولا سيما في الحزب الشيوعي السوريّ، لجأت بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي الذي نقد ستالين وحقبته، وخرج بمقولة "عبادة الفرد" التي تصفُ هذه الحقبة الدامية، ودعا إلى مراجعة تاريخ هذه الحقبة وتاريخ الحركة الشيوعية بأكملها ونقدها نقدًا ذاتيًا؛ لجأت إلى تسليط الضوء على فكرة تنوّع طرائق الانتقال إلى الاشتراكية والطريق البرلمانية الاشتراكية بهدف طمس وصرف النظر عمّا خرج به المؤتمر العشرين، وتحديدًا فكرة عبادة الفرد التي ما لبثت أن انتشرت في الحزب الشيوعي السوري أيضًا، والذي يؤكّد إلياس مرقص أنّه كان حزبًا دون إستراتيجية، ولا يقبل قادته بوضع اشتراكية أساسًا، ما جعلهُ حزبًا متقلّبًا في مواقفه وتحالفاته السياسية، يعيش نوعًا رهيبًا من الاستبداد، أخذ يتوسّع إبّان الوحدة بين مصر وسوريا.

حديث صاحب "نقد العقلانية العربية" عن الحركة الشيوعية وأخطائها، لا سيما في الاتحاد السوفييتي باعتباره عصب الحركة ومرجعها الأوّل، يطول في صفحات الكتاب. ومن بين هذه الأخطاء التي يقف عندها طويلًا، إلى جانب مقولة الطبقة الواحدة التي تُفيد بأنّ حزبًا واحدًا يجب أن يقودها، وبالتالي تبرير حكم الحزب الواحد، وأيضًا الإصلاح الزراعي، وموقف الماركسية من الدولة وغيرها؛ هناك مقولة "فن الواقعية الاشتراكية" التي يصفهُ مرقص بأنّه فنّ تافه كونه ساعد في تبرير أكاذيب متعدّدة. ووجود مدرسة الواقعية الاشتراكية في روسيا آنذاك، بمفردها، كان نفيًا صريحًا للثقافة الأصيلة، وإلغاءً مباشرًا لها. وهذه المدرسة تعتبر أنّ من يكتب عن الفلّاحين والعمال بصورة يظهرون فيها اشتراكيون يعيشون حياة رغيدة، هو واقعي. أمّا الذي يصوّر بؤس هؤلاء الفلاحين والعمّال في الدولة السوفياتية، فهو غير واقعي إطلاقًا.

ما يخلص إلياس مرقص إلى قوله بهذا الشأن إنّ الحركة الشيوعية العالمية، ولا سيما المنحازة إلى الشيوعية الستالينية، كانت تستطيع تفادي الانحدار والانحطاط إن راجعت بعض مرتكزاتها الفكرية، وأقامت نقدًا ذاتيًا لتاريخها، وانحرفت عن الستالينية، وانفتحت على الآخرين أيضًا. بمعنى آخر، أن تُعيد إلى الشيوعية ارتباطها الإنساني، وارتباطها بالثقافة الإنسانية أيضًا. ويستند إلياس مرقص في حديثه هذا إلى الحزب الشيوعيّ الإيطالي الذي تحوّل إلى الاشتراكية الديمقراطية، والذي بات نموذجًا بما ذُكر سابقًا.

القومية العربية والوحدة والنهضة

المسألة القومية العربية المرتبطة عادةً بوحدة الأمّة العربية حصّة أيضًا في هذا الحوار. مراجعةً ونقدًا. لا سيما الوحدة بين مصر وسوريا التي نالت الحصّة الأكبر من حديث إلياس مرقص، بوصفها مرتبطةً، ومن جهاتٍ مختلفة، بقضية الشيوعية والحزب الشيوعي السوريّ. والمسألة القومية عند مرقص هي ليست المسألة التي تنفي الأقطار ووجودها، وتروّج لمقولة أنّ الكيانات العربية هي كيانات مصطنعة لا وجود لها قبلًا. إلياس مرقص يؤيد مقولة وجود شعوب أمّة عربية، أي أنّه يؤكّد وجود أمّة عربية، ولكنّها أمّة مكوّنة من شعوب وليس شعبًا واحدًا. وبالتالي، إنّ الوحدة العربية لو حدثت، فإنّها ستحدث على أساس وحدة الكيانات العربية، لا نفيها وإلغائها. وفي سياق الحديث عن الوحدة، يستعيد صاحب "الماركسية في عصرنا" حقبة الوحدة بين مصر وسوريا، ما سبقها وما تلاها أيضًا. وأبرز ما يستعيده هو التناقض الذي ساد مواقف الأحزاب السورية دون استثناء إزاء هذه الوحدة، وتقلّبات مواقفها بين التأييد والرفض والمعارضة. فالبعث كان تارةً إلى جانب عبد الناصر، وتارةً أخرى يقف ضدّه. والأمر ينطبق على أحزاب أخرى، وشخصيات سياسية بارزة، مثل أكرم الحوراني الذي شهدت مواقفه تناقضًا فاضحًا.

يرى إلياس مرقص أن تطوّر العلاقات بين الأقطار العربية سيخلق نوعًا من الاندماج بين شقّي اللغة العربية، وبالتالي قد يخلق بدورهِ لغة الأمّة

مواقف هذه الأحزاب، حين كانت تميل إلى معارضة الوحدة وجمال عبد الناصر، كانت أقرب إلى المواقف التخريبية أو الانتقامية إن جاز التعبير. فمرقص يذكر أنّ قضية فلسطين وتحريرها التي أثارها البعثيين وبعض الشيوعيين، كان الهدف منها ضرب عبد الناصر مباشرةً. ويحمّل هنا هذه المزايدة في قضية فلسطين وعليها وإثارتها، الخراب الذي حلّ علينا، وتخريب الموقف من الكيان الإسرائيليّ في قضية فلسطين، وفشل السير نحو التحوّل الديمقراطي، وغيرها من الكوارث التي حلّت بنا آنذاك، والمستمرّة حتّى الآن. وبالتالي، كان الهدف الأوّل من هذه المزايدة هو ضرب الأطراف ببعضها البعض.

اقرأ/ي أيضًا: جورج طرابيشي.. حفريات الفكر العربي

ما يلفت الانتباه في هذا الحوار هو موقف إلياس مرقص من اللغة العربية التي تُعتبر لغةً للأمّة العربية وفقًا للنظرية القومية. فهو يرى أنّ اللغة العربية هي لغة أدبية وأخرى شعبية. ومن هنا يصير اكتمال اللغة العربية القومية باعتبارها لغة واحدة للأمّة مرهونًا، لا باعتبار اللغة الأدبية هي اللغة الرسمية، وإزالة العامّيات. وإنّما بالتقارب وتطوّر العلاقات بين الأقطار العربية، الأمر الذي سيخلق نوعًا من الاندماج بين شقّي اللغة العربية، وبالتالي قد يخلق هذا الاندماج بدورهِ لغة الأمّة.

الديمقراطية والثورة

الديمقراطية عند مرقص ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يُسمّيه دولة الحق والقانون. وإعلان هذه الدولة التي تضمنُ الحقوق المدنية للإنسان، هو الطريق الأكثر نجاحًا لتحقيق التحوّل الديمقراطي. وغياب هاتين الصفتين عن الدولة الديمقراطية الحديثة، كالديمقراطية السورية في العهد البرجوازي، يُفشل هذا التحوّل، أو يجعلهُ دون معنى إطلاقًا.

فلسفيًا، يُعرّف مرقص الديمقراطية بأنّها تصوّر العالم، وتعدُّد الرؤية وتعدد النظريات أيضًا. وهذا الأمر يفرض بطبيعة الحال أن تكون المجتمعات الديمقراطية الحديثة والمعاصرة، بغضّ النظر ما إذا كانت اشتراكية أو رأسمالية أو غير ذلك، مجتمعات مكوّنة من أحزاب وتيّارات متعدّدة. وهنا يشيرُ صاحب كتاب "الماركسية والمسألة القومية" إلى ضرورة وجود حزب ديني ولكن ديمقراطي، وقومي عربي ولكن ديمقراطي، وسوري قومي، وليبرالي... إلخ، شرط أن تكون كلّها ديمقراطية. ويُضيف مرقص في هذا السياق بأنّ الديمقراطية، اجتماعيًا وطبقيًا، هي حركة عمال وفلاحين وصغار كسبة، أي أكثرية الناس. وهنا يشير إلى نقطة مهمّة حول جنوح البعض لاعتبار أنّ الديمقراطية هي الجماهير، وهو أمر يراه مرقص غير صحيح البتّة. فإقامة حكم الجماهير لا يقود إلى لجلب طغاة جدد، لأنّ هذا الحكم يُساعد على إبراز شخص أو فئة تجسّد الجماهير، وتحكم باسم الشعب المجتمع السياسي كلّه.

ترتبط مفردة "ديمقراطية" عادةً بمفردة "ثورة" باعتبار أنّ الأخيرة باتت طريقًا وحيدًا لتحقيق الديمقراطية

ترتبط مفردة "ديمقراطية" عادةً بمفردة "ثورة" باعتبار أنّ الأخيرة باتت طريقًا وحيدًا لتحقيق الديمقراطية. والثورة عند إلياس مرقص تعني انقلابًا كبيرًا يكون جذريًا أوّلًا، وشاملًا ثانيًا. وهذه المفردة ارتبطت بفتراتٍ زمنية بفكرة الإصلاح، بينما انفكّت عنها لاحقًا، وباتت الثورة التي لا تقود إلى التغيير وتكتفي بالإصلاح، ليست ثورة. أمّا مفردة "الانقلاب" التي كانت جزءًا من تعريف الثورة سابقًا، تحوّلت إلى وصف لانقلابات العسكرية وما يجري داخل القصور الرئاسية. وفي هذا السياق، يُشير إلياس مرقص إلى أنّ الثورة عنده اثنتان؛ ثورة بمعنى تحوّل، أي الثورة التي تنقل المجتمع من حالٍ إلى حال، أو من واقع إلى آخر. وثورة بمعنى الانتفاضة البشرية الشعبية، أي ثورة يُطالب محرِّكوها بالعدالة أو التغيير أو الاستيلاء على السلطة.

مطارحات فكرية

يتّجه طلال نعمة بعد أن كوّن السيرة الذاتية والفكرية لإلياس مرقص عند القارئ، إلى الفكر والمعرفة في النصف الآخر من الكتاب، والمعنون بـ "مطارحات فكرية". وهنا يعرّف مرقص الـ "إبستيمولوجيا"، فيقول إنّها "ليست دراسة الطرائق العلمية، إنّما الدراسة النقدية لمبادئ وفرضيات ونتائج العلوم وفرضياتها ونتائجها، لتحديد أصلها المنطقي، لا السيكولوجي، وقيمتها الموضوعية" (ص209). وإلى جانب الإبستيمولوجيا، يُعرف مرقص عددًا من المفردات، كالوضعي والميتافيزيق وغيرها.

اقرأ/ي أيضًا: هل خلاص الثقافة العربية في انتعاش الهوامش؟

أمّا أبرز ما جاء في النصف الثاني من الكتاب، فيمكن القول إنّه الحديث عن الله كمسألة، وكمسألة فلسفية جاءت كنتيجة طبيعية من الأفكار التي أوحى بها الله إلى الفكر الإنسانيّ. وهذه الأفكار نفسها هي التي أوجدت معضلة صفات الله. ومرقص في هذا السياق يعتبر أنّ الدين، أي دين كان، ينهض على معتقدات شعبية تُشكّل أساسًا ورافعةً له. وهذه المعتقدات، إلى جانب التراث والتقاليد، هي من حملت إلى البشر فكرة الله الذي تتحدّث المذاهب الدينية عن حضورٍ مباشر لهُ في الوعي البشري. وهنا يُشير صاحب كتاب "في الأمّة والمسألة القومية"، إلى الخطأ الذي يقع فيه الكثير من الناس حينما يضعون الله في خانة الوجود، وبالتالي ينزاحون، دون شعور منهم ربّما، إلى المادّة، ما يعني أنّ الله ووجوده تحوَّلا إلى شقيقيّ المادّة، بينما في الأساس يجب أن يكون شقيق الروح، لأنّ الله ليس مادّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأصالة الفلسفية الإسلامية.. أشكلة النقل والترجمة

"دعونا نتفلسفْ".. كيف سار عظماء الفكر عكس التيار