ألمانيا.. مسافة أمان مع المتحرشين

ألمانيا.. مسافة أمان مع المتحرشين

الشرطة الألمانية تقبض على أحد المشتبه بهم (DW)

أثارت تصريحات ونصائح عمدة كولونيا الألمانية هنرييته ريكير، خلال مؤتمر صحفي على خلفية حوادث التحرش الجنسي والسرقة ليلة رأس السنة، حفيظة جمهور واسع من الألمان. التصريحات دعت نساء كولونيا إلى إجراءات احترازية للتعامل مع الغرباء من الوافدين الجدد، منها أن تترك المرأة مسافة يد ممدودة بينها وبين أي لاجئ كمسافة أمان، إضافة إلى الالتزام بالتجمعات النسائية، وتجنب الخروج ليلًا منفردات. ما أثار موجة من التفاعلات على المستوى الشعبي من رافض لها ومتعجب منها، على اعتبار أن الإجراءات يجب أن تتخذ بحق المعتدي، وليس بتغيير بنية وثقافة المجتمع.

دعا عمدة كولونيا نساء المدينة إلى إجراءات احترازية، منها ترك مسافة أمان مع أي لاجئ

أما المستشارة الألمانية ميركل فقد توعدت اللاجئين بالرد القاسي، ومؤخرًا خرجت مظاهرات تندد بسياسة الباب المفتوح التي اختارتها ميركل في التعامل مع مسألة اللجوء، لحد هنا يبدو الكلام عامًّا، وليس هناك ما يثير الريبة تجاه العنصر السوري الذي كان له النصيب الأكبر من حظ اللجوء إلى ألمانيا نتيجة لما يحدث من تهجير وقتل على الأراضي السورية، وربما كان الحديث بمجمله من باب الغمز بهذا الخصوص، خاصة وأن المجتمع الألماني منقسم تجاه ظاهرة فتح باب اللجوء على مصراعيه، مما نتج عنه دخول أعداد كبيرة خلال الفترة القصيرة الماضية.

تقول الروايات بأن المتحرشين -والذين تجاوز عدد الشكاوى المقدمة بحقهم من قِبل النساء السبعين- يتصفون بأن مظاهرهم توحي بأنهم من اللاجئين العرب والأفارقة الجدد، وعليه ذهب بعض الناشطين واللاجئين السوريين تجاه التبرؤ حينًا، والبرهنة أحيانًا، على أن هذه الأعمال لا يمكن أن يقوم بها السوريون الجدد في ألمانيا.

والحقيقة التي يجب الوقوف عندها هي أن السوريين القادمين إلى أوروبا عمومًا، وألمانيا على وجه الخصوص، ليسوا من فئة واحدة، فقد لجأ المثقف والعامل، وبينهم العاقل والأزعر، ولكن السمة الغالبة هي المنضبط لِما كان عليه الحال قبل اللجوء. 

ربما أدى الفهم الخاطئ لمبادئ الحرية والانفتاح في المجتمعات الأوروبية إلى شيء من التطاول والتمادي، خاصة مع التساهل في التعامل مع اللاجئين في بعض المناحي، وعليه فإنه من الإنصاف القبول بتطبيق العقوبات تجاه من يرتكب المخالفة، لا سيما إذا كانت تتعارض مع طريقة وعادات البلد المُضيف، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هكذا تصرفات قد تُجيّر لصالح الرافضين للوجود الغريب في المجتمع الألماني، وللمنافسين السياسيين لسياسة ميركل في التعامل مع الملفات وتحديدًا ملف اللجوء، حيث إن الطرف الرافض لهذه السياسة لا يفتأ يبحث عن الحجج والأدلة للإيقاع بميركل وسياستها في فخ الخطأ، وما تصريحات ميركل بالرد القاسي سوى اعتراف ضمنيٍّ بأن الخطأ وارد، وتصحيحه يحتاج الكثير من الحزم.

رغم كل الضجة في ألمانيا، لم يتم القبض إلا على ثلاثة مُشتبه بهم، ما يعني أن الأمر يخفي الكثير من التجني

وبغض النظر عن كون السوريون معنيين بشكل ما بهذه السياسة، فإنه من المهم أن يكون هناك الكثير من الدورات والمحاضرات واللقاءات مع الأجانب من الوافدين الجدد لتبيان خصوصية المجتمع الجديد، وكيفية التعامل معه من قِبل المقيمين الأقدم في البلاد، فذلك من شأنه أن يقلل من حجم المخالفات والتنبّه إلى ما من شأنه أن يكون المسمار الأخير في نعش اللجوء. 

عمليًا لم يتم القبض من قِبل البوليس على المتحرشين سوى ثلاثة موقوفين مُشتبه بهم، مما يعني أن الأمر قد يكون فيه إلى حدٍّ ما الكثير من التجني، وربما تقف وراء طرحه وتعويمه أحزاب معينة من مصلحتها أن تطرح مثل هكذا قضايا للتأثير على الرأي الألماني العام في سبيل الضغط على ميركل والتضييق على سياستها في هذا المجال. سوريًّا كنا دائمًا نحفظ ونكرر المثل القائل: "يا غريب كن أديبًا"، بينما قد يروح البعض للعمل بمقولة: "ليتني غريبٌ لأفعل ما أريد".

اقرأ/ي أيضًا:

ألمانيا ونظريات اللجوء السوري

ألمانيا تبهر السوريين.. لولا العائلة!