أعزّ ما تملك

أعزّ ما تملك

نيكي بوش/ أمريكا

أقرأ بنهم أخبار الحوادث دائمًا، وأرى في صياغات تلك الأخبار مادة فنية ذات دلالات اجتماعية واقتصادية ونفسية هامة لا تقل امتاعًا عن أية رواية جميلة. وكثيرًا ما يصادفني عند نشر حوادث الاغتصاب اعتماد محرر الخبر جملة طويلة متكررة هي "أوقعها المحتال في شباك هواه وفقدت هي أعز ما تملك". وفي كل مرة أجدني أتوقف طويلًا عند تلك الجملة، لأنها تحتوي على عدة مفاهيم مركبة.

لماذا عندما تصاب فتاة ما بالجنون، نقول إنها جنّت، ولا نقول إنها فقدت "أعز ما تملك"؟

فالشاب أو الرجل في علاقته تلك بالفتاة هو في معظم الحالات "محتال"، والتعبير ذاته يستثني مسؤولية الفتاة تمامًا واحتمال أن تكون هي البادئة بإغراء الرجل، بل ويستثني أن للفتاة رغبات مثل الرجل. طيب. التعبير يلجأ أيضًا من الناحية الأدبية لصورة "أوقعها في شباك هواه"، كأن الشاب صيّاد والفتاة سمكة بريئة كانت تسبح في مياة نقية من قطرات السحاب، إلى أن جاء الصياد الشرير بشبكته فاصطادها. أما الجزء الأهم فهو أن الفتاة تفقد "أعز ما تملك"، ومفهوم طبعا ما هو "الأعز".

اقرأ/ي أيضًا: "الجنس الموظف" يبحث عن عمل

ولا شك أن استمرار ذلك التعبير في الوجود والتأثير يعني أن المفاهيم التي يتضمنها التعبير مازالت قائمة بدرجة أو بأخرى.

وأجدني أتساءل: لو أن هذه الفتاة كانت تمتلك مثلًا مليون دولار، أو قطعة أرض ضخمة، أو مصنعًا، فهل كان التعبير "فقدت أعز ما تملك" سيشير للمستمع إلى الشيء المتعارف عليه ذاته؟ أم أن التعبير سيدفع المستمع للتساؤل عما إن كان أحد قد سرق الفتاة؟ أو استولى على أرضها؟ أو حرق مصنعها؟ ولماذا عندما تصاب فتاة ما بالجنون، نقول إنها جنّت، ولا نقول إنها فقدت "أعز ما تملك"؟ ولماذا عندما تصبح امرأة ما قاسية بلا رحمة، لا نقول إنها "فقدت أعز ما تملك"، أي قدرتها على الحب والحنان؟ لماذا لا يكون القلب أو العقل هو أعز ما يملك الإنسان؟ لماذا يظل "الأعز" هو فقط ذلك المتعارف عليه الذي أصبح قابلًا بعملة جراحية بسيطة في عيادة تقبع في الدور الأرضي بإحدى الضواحي العشوائية لإعادته كما كان عزيزًا مكرمًا؟

التعابير المستخدمة، والتعابير التي تختفي، تعكس بدرجة كبيرة حالة التطور الفكري، واستمرار أنماط القيم القديمة من عدمه. والمثل القائل بأن العين لا تعلو على الحاجب، هو إنتاج مجتمع إقطاعي، استقرت فيه قيم السادة والعبيد، ولكن ذلك التعبير يختفي تقريبًا مع شيوع القيم الرأسمالية التي تجعل الحاجب يعلو إن توفرت له المهارة والقدرة على الاحتيال، بينما كان ذلك مستحيلًا في مجتمع تشكِّل فيه ملكية الأرض المستقرة عماد الحياة. المشكلة أن حكاية "فقدت أعز ما تملك" تنتقل بتأثيرها إلى الفتاة نفسها.

أنطون تشيخوف، الكاتب الروسي العظيم، كان له رأي خاص بتطور المرأة، ينطلق من ضرورة تربيتها بصورة مختلفة، وقد صاغ رأيه هذا في قصة له بعنوان "أرديانا"، على لسان إحدى الشخصيات: "ينبغي أن تتربّى الفتيات ويدرسن مع الفتيان. ينبغي أن يكون هؤلاء وأولاء معًا دائمًا. ينبغي تربية المرأة بطريقة تستطيع معها، كالرجل، أن تدرك خطأها وإلا فسوف تعتقد أنها على حق دائمًا. قل للفتاة منذ الطفولة إن الرجل قبل كل شيء ليس فارسًا ولا خطيبًا، بل قريبها المتساوي معها في كل شيء. علّمها أن تفكر وتعمم منطقيا، ولا تقل لها إن وزن دماغها أقل من دماغ الرجل ومن ثم ليس في قدرتها أن تهتم بالعلوم والفنون والشؤون الثقافية. ينبغي أيضًا تنحية التذرع بفيزيولوجيتها وبحملها وولادتها، نظرا لأن المرأة أولا لا تلد كل شهر، وثانيًا ليس كل النساء يلدن، وثالثًا فإن المرة القروية العادية تعمل في الحقل حتى عشية ولادة طفلها. كما ينبغي أن تكون هناك مساواة تامة في الحقوق في الحياة، فإذا كان الرجل يقدم الكرسي للسيدة أو يناولها منديلها الذي سقط، فلتعامله هي الأخرى بالطريقة نفسها".

تشيخوف: ينبغي تربية المرأة بطريقة تستطيع معها، كالرجل، أن تدرك خطأها وإلا فسوف تعتقد أنها على حق دائمًا

كتب تشيخوف كلماته هذه عام 1895 وانقضى عليها قرن وربع القرن تقريبًا، ومازلنا نكتب "وفقدت الفتاة أعز ما تملك"! وهذا يعني أننا لم نبرح بعد المربع الأول، مازلنا نقوم بتربية البنات بشكل غير صحيح، ومازالت مدارسنا تفصل الأولاد عن البنات، ومن الطبيعي حينئذ أن تتحول الفتاة إلى كائن غريب، تحمي –مثل لاعب الكرة عند التصدي لكرة مصوبة- نقطة واحدة محددة.

اقرأ/ي أيضًا: الجنس أولًا في مصر.. بشهادة مواقع المواعدة

الفرق بين الفتاة واللاعب أن اللاعب يحمي بيديه نقطة واحدة، للحظة واحدة، وسرعان ما يعود لنشاطه، أما الفتاة فتجد نفسها منهمكة طوال الوقت منحنية على حماية أعز شيء، في الشارع والبيت والعمل، فلا يتبقى لها وقت للدفاع عن عقلها أو شعورها، أو شيء آخر تعتز به كشهادة علمية، أو قيمة نفسية إنسانية، أو اختراع علمي، أو كفاح برلماني، أو حتى مشروع لمحو أمية أطفال الحيّ الذي تعيش فيه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجسد والعمارة.. سجن الأنثى واستلاب الحرية

الجسد الشرقي في منفاه الثاني