أركيولوجيا النكبة

أركيولوجيا النكبة

أهالي مخيم اليرموك في حصارهم

استنفرت نكبة الفلسطينيين عام 1948 معظم أقلام المفكرين العرب للكتابة عنها. وفي ذكراها 68 نعيد قراءة ما كتبه المفكر قسطنطين زريق في كتابيه "معنى النكبة" و"معنى النكبة مجددًا"، حيث أنهى كتابة الأول بعد النكبة بثلاثة أشهر، أما الثاني بعد نكسة حزيران/يونيو 1967.

اعتبر كثير من الباحثين أن كتابي قسطنطين زريق عن النكبة بمثابة وثيقتين تاريخيتين ضروريتين

تأتي ضرورة ذلك في الوقت الذي يعاني فيه فلسطينيو سوريا من نكبة جديدة، وقعت قبل حوالي أكثر من 4 سنوات في 2012، وهي أمر وأشد وطأة من نكبة فلسطين، وما يمكن اعتباره استمرارًا لنكبة 1948 وامتدادًا موضوعيًا لها، وقعت الأولى بفعل الاحتلال الصهيوني لفلسطين وتشريد شعبها، أما لثانية فهي نتيجة الحرب المدمرة التي يشنها النظام السوري على شعبه لأنه طالب بحريته وكرامته، وعلى اللاجئين الفلسطينيين السوريين بسبب وقوفهم مع قضية الشعب السوري العادلة، وبالتالي تشريدهم في كل أصقاع الأرض.

اقرأ/ي أيضًا: غزة.. الحرب قبل الحب

وقد اعتبر عدد كبير من الباحثين الكتابين بمثابة وثيقتين تاريخيتين ضروريتين لقرائة النكبة في ظل المشهد السياسي العربي الراهن، فالنكبة ليست لحظة مؤقتة عابرة –كما يظن بعض الكتاب- بل هي صيرورة تاريخية مستمرة، ولهذا لا تزال فكرة زريق صالحة لفهم معنى النكبة – أسبابها وعلاجها – حتى اللحظة الراهنة.

اعتبر زريق مصطلح النكبة ذا دلالة بلاغية عالية على تصوير المشهد الفلسطيني والعربي عام 1948، وحالة الهلع التي وقع فيها الفلسطيني نتيجة ما أصابه من انهيار مادي ومعنوي، ولهذا لابد من فهم آثار النكبة، واستخلاص العبر منها، وبالتالي ابتكار طرق إلى حل شامل في المدى البعيد.

يرى زريق أن الأسباب التي أدت الى وقوع النكبة تتمثل بما يلي: أولًا: التخلف العلمي للعرب وبعدهم عن الحضارة، الأمر الذي أدى إلى تفوق الصهيونية عليهم، فالعلم هو أساس القوة، ولهذا لا بد من تأسيس مجتمع علمي منتج يقوم على تضافر الدولة والشعب معًا، حيث تقوم الدولة بجعل ذلك الهدف أساس سياستها، وأن تهتم بالإنتاج والنمو، والتخطيط القائم على البحث العلمي، وحشد الكفاءات اللازمة له. وعلى الشعب أن يكون فاعلًا مبادرًا، ومشاركًا في الرأي والعمل. وهذا يحتاج إلى تغذية بالعقلانية والبحث عن الحقيقة بالابتعاد عن الجهل والخطأ والتشويه لمعرفة الواقع على ما هو عليه، والإفادة من التجربة، وحب العمل والقدرة عليه، والانتظام بتوفير الطاقات لتوفير الفوائد.

من الأسباب التي أدت الى وقوع النكبة: التخلف العلمي للعرب وبعدهم عن الحضارة

ثانيًا: الضعف النضالي لدى العرب بسبب انقسامهم، وضعف قدرتهم على إقامة علاقات دولية صحيحة، ووجود الخلافات بين قادتهم، وعدم رؤيتهم الصحيحة لما يهددهم من مخاطر الصهيونية وافتقارهم للقدرة على الاجتماع في الظروف الخطرة والمصيرية التي تواجههم، وغياب المشاركة الشعبية الفاعلة في ساحة النضال، وعدم تحملها المسؤولية، والاكتفاء بالنظر إلى ما يجري فقط، وهذا ما أدى إلى تقاعسها وانحطاط الروح النضالية عندها.

اقرأ/ي أيضًا: سايكس-بيكو.. حفل تشييع بعد قرن

ويمكن إسقاط ما قاله زريق على واقعنا الراهن، حيث أشار بأنه لمواجهة تداعيات النكبة، يجب العمل على تقوية إشعار المثقفين والمسؤولين والمواطنيين العاديين بالخطر الذي يتهددهم في مستقبلهم نتيجة النكبة، فضلًا عن شحذ إرادة الكفاح لديهم، ثم تهيئة الطاقات العربية وتوحيدها لخوض الحرب عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، وبذلك يشعر العدو بأنه بحالة حرب شاملة يواجهها في المنطقة. ويذهب زريق إلى أبعد من ذلك، حيث يؤكد على ضرورة الضغط من خلال ثورات على كل من يعيق ذلك، والعمل على تسليح الطبقات الشعبية وتدريبها على النضال لإعادة الاعتبار للفلسطينيين المهزومين، واستنهاض الهمم للقدرة على مساومة الدول الكبرى مقابل التضحية ببعض المصالح لمواجهة خطر الصهيونية، عن طريق خلق التوازنات.

أما فيما يتعلق بالحل المستقبلي الشامل، فهو يقوم برأيه على بناء كيان عربي قومي موحد ومتقدم، هدفه تعزيز المعرفة وتدريب العرب على العلوم الوضعية، وفصل الدين عن الدولة، والاستعانة بالتطور التكنولوجي من خلال الانفتاح بصدر واسع على حضارات الكون، واستيعاب ما حققته من قيم عقلية وروحية لبناء حضارة نوعية تخص العرب، والعمل على التغيير الجذري لكل ما هو سائد من أمور ثقافية و سياسية، وتشجيع العمل على توسيع الحريات السياسية والفكرية والاجتماعية، وإصلاح الإدارة.

وفي نهاية كتاب "النكبة مجددًا"، يستحضر زريق فصل من كتابه "المعركة الحضارية العربية"، حيث يرى أن معركة العرب الأساسية تقوم على محاربة المشكلة الأولى التي يعاني منها العرب وهي مشكلة التخلف، بمصارحة الذات ونقدها والاطلاع على حضارة الغير، والإيمان بالعقل لكشف الحقيقة، والتطلع إلى المستقبل، الأمر الذي يؤدي الى تهيئة القدرة على تنمية القدرات الطبيعية والإنتاجية والبشرية.

يحتاج العرب إلى رؤية عقلية ثورية، تتأسس على الهدوء والاستقرار لتكون قادرة على التحرر من الخطأ والخداع والنفاق

العرب، بحسب زريق، بحاجة إلى رؤية عقلية ثورية تتأسس على الهدوء والاستقرار لتكون قادرة على التحرر من الخطأ والخداع والنفاق، والإفادة من تاريخ الشعوب التي أسسست حياتها الإنسانية بذلك الفعل، فالعقل الثائر على الواقع المتردي هو ذلك الفعل الذي لايهدأ ويستقر إلا حين يعثر على الحقيقة وينعم بها.

إن أهمية معنى النكبة عند زريق تأتي من خلال معالجته الدقيقة لتردي الواقع العربي الذي أدى اليها، وما زال على حاله حتى أيامنا هذه، وقد أصبح أكثر ترديًا، بفعل الأنظمة الاستبدادية التي تسيطر على زموم الأمور منذ ذلك التاريخ، وحولت قضية فلسطين من قضية تحرير واستعادة الحقوق إلى ورقة تستخدمها كمطية لقمع شعوبها وسحقها حينما تريد أن تستعيد حريتها، ولهذا طالت النكبة وتشعبت وتحولت إلى نكبات، كما هو حال الشعب السوري، والفلسطيني السوري اليوم، لقد ركز زريق على الانحطاط العربي الناتج عن تهتك بنية المجتمعات العربية القائمة على مفاهيم وعادات متخلفة، نتجت عن بنية استبداد الأنظمة وتوغلها فيه، أدت إلى سيادة وسيطرة السلوك الانحطاطي على سلوكيات الناس، وكان السبب الأهم لوقوع النكبة، وتبعًا لذلك، لا يمكن إنهاء الاستمرار في تداعيات النكبة إلا  بإزالة مسبباتها.

اقرأ/ي أيضًا:

اعتذارفلسطيني عاجل إلى الشعب السوري

لماذا حدث ما حدث؟