أرض يوسف شاهين.. أين ذهب الرجّالة؟

أرض يوسف شاهين.. أين ذهب الرجّالة؟

من الفيلم

عندما قذف به إخوته في البئر، وأنقذه بعض المارة وباعوه لعزيز مصر، كتبت الترتيبات السماوية أن يتولّى يوسف، بعد المرور بعدة أحداث، أمر الزراعة والتموين في مصر القديمة. أراد الله أن يحتاج إخوته، الذين قذفوا به في البئر، إلى الغذاء، فجاؤوا إلى مصر وسألوا يوسف أن يعطيهم. وأعطاهم يوسف الطعام، وزادهم.

تتميز ملحمة الأرض السينمائية التي قدّمها يوسف شاهين بواقعية صادقة

إذا كان هناك رابط يجمع قصة سيدنا يوسف وقصة "الأرض" للكاتب المصري عبد الرحمن الشرقاوي، فهو اشتراكهما في اطلاعنا على لمحات التسلط الممقوت والممجوج من أناس كارهين للحياة لا يودّون للإنسان أن يعيش وكأن الدنيا قد خلت إلا منهم. "الأرض" تحوّلت إلى السينما على يد يوسف شاهين، الذي تحل ذكرى رحيله العاشرة هذا الأسبوع، وهي مناسبة للتذكير بأهمية ذلك الفيلم وإلحاحه الراهن في ظل الأوضاع القائمة.

اقرأ/ي أيضًا: سينما مصر.. سينما يوليو: سيرة البدايات

تتميز ملحمة الأرض التي قدّمها يوسف شاهين بواقعية صادقة، يمكنها إطلاق العنان لخيالات المشاهدين في تصوّر كمّ كبير من اللحظات والدقائق استغرقها شاهين لرصد ومراقبة حركة الناس والكائنات في إحدى قرى ريف مصر، من أجل الوصول في فيلمه بنتيجة مقطَّرة لجملة هذه المشاهدات. أي متفرج سيرى بطل الأرض، محمد أبو سويلم (بأداء خالد من محمود المليجي)، مسحولًا على خطوط أرضه المزروعة بالقطن، مجرورًا على التربة المشقوقة بالعطش، بجذورها الجافة، والتي ظلّ أبو سويلم يحاول التشبث بها، دون فائدة، فلا يقبض إلا على الشوك وتنزف من جسده الدماء.. أي متفرج، مهما كانت جنسيته وجنسه وطبائعه، لا يستطيع نسيان هذا المشهد. لماذا؟ لأنه عالمي بطبيعته، يمكنه مخاطبة والتأثير في ناظره، بغض النظر عن خلفياته الثقافية، مثله في ذلك مثل مشهد فؤادة (شادية) في نهاية فيلم "شيء من الخوف" (1969، حسين كمال) الذي تفتح فيه هويس الماء، فتزغرد النساء ويفرح الرجال، ابتهاجًا بسريان المياة في الأرض العطشى. إنها الحياة التي أعطاها الله لعباده، أو الطبيعية لأبنائها، وحاول بعضهم أن يخفيها أو يمنعها عن الناس. الماء يتدفق متسربًا إلى الشقوق، مُقبّلًا كل جذر ناشف، حافرًا طريقه إلى باطن الأرض لكي يرويها. وفعل المليجي ما فعله الماء بالأرض: حفرها بأظافره، ورواها بدمه مستضرخًا الأرض الأم، دامغًا أعداء الحياة بالظلم.

اعتمد "الأرض" أساسًا على رؤية كاتب النص الروائي، عبد الرحمن الشرقاوي (وُلد عام 1921 في إحدى قرى محافظة المنوفية)، الذي وصلته في طفولته مأساة الفلاحين في دنشواي (قرية أخرى تابعة لمحافظة المنوفية)، الذين ماتوا شنقًا أمام أطفالهم من أجل حمامة كان أحد أعداء الحياة قد اصطادها. عرف الشرقاوي ما يجمع بين المحتل والمغتصب والإقطاعي، فجميعهم يريدون قتل الحمام والناس والأرض. لذلك، ففيلم "الأرض" ليس فيلمًا عاريًا يحكي قصة الاستعمار الظالم وأهل القرية الذين يقاومون الظلم، إنما هو ملحمة سينمائية استطاع بها يوسف شاهين أن يسجّل فترة من أهم فترات النضال الوطني لا يمكن نسيانها، وأن يقدّم مرافعة سينمائية عن قيمة التكاتف الأهلي وأهمية العمل المشترك في سبيل الدفاع عن كرامة الفرد وحق مجتمعه في الوجود.

والمتأمل الجيد للفيلم يلاحظ عدة ملاحظات مهمة لها مدلولها الفني والسياسي تستحق العودة إليها:

أولا، تلك اللقطات السريعة المبهرة التي تسجّل لحظات الحبّ العفيف بين عبد الهادي ووصيفة (عزت العلايلي ونجوى إبراهيم)، مستفيدة بمثالية من فضاءات المدى الريفي وإمكانات الانطلاق والانعتاق من الواقع القاسي عبر الإيمان والحفاظ على هذا الحب.

ثاانيًا، لقطات تعبّر عن الرغبة الحقيقية في التصدّي للظلم، تتجلّى فيها لعبة الظلال والإضاءة لإضفاء معانٍ رمزية على الشخصيات ودواخلها.

ثالثًا، لقطات سريعة تظهر جانب الشرّ المدسوس داخل المجتمع من خلال علواني (صلاح السعدني) الذي لا يهمه إلا إشباع شهواته، وأيضًا تلك المرأة المبتذلة التي تصنع لونًا من الواقعية تجعل للنضال الوطني واقعية ملموسة، وتُظهر أن مقاومته الخراب الداخلي أهم من تعاون الفساد الخارجي. وتلك المشاهد التي أظهرها المخرج ومزج فيها الحياة العامة والخاصة، سواء لقطات الحب أو لقطات الفُحش، جعلت للفيلم مصداقية فنية أبعدته عن عوالم الرومانسية وتهويمات الفناتازيات الريفية. إنه فيلم سياسي من الدرجة الأولى، ولكن طريقة التناول أولت العناية لجعل المشاهد يقترب إنسانيًا من شخصيات الفيلم، من أجل فهم أعمق لقضيته. والقضية، هنا، هي المياه، ولا أحد يشعر بأهمية المياه إلا فلاحو الأرض الزراعية، ومنع الماء عن الأرض معناه الموت أو الإعدام للزرع، وأيضًا للبشر.

بالعودة إلى تاريخ مصر، وخاصة التاريخ الفرعوني القديم، نلاحظ أن النيل وحّد مصر، كما وحّد الإله والحاكم والنظام. وليس النيل فحسب، بل هو نظام الريّ الذي اعتمد على نهر واحد ليصبّ في فروعه المتشعبة، كل فرع يسقي أو يروي مساحة من الأرض وهذا النظام لا يمكن استقامة ونجاحه إلا بحكومة مركزية وسلطة تعي احتياجات الناس، وتقوم بتوزيع الماء ونسب الريّ على كافة الأقاليم والأراضي والسدود والترع والقنوات نظام مستقر يجمع الناس على وحدة متماسكة تعتمد أساسًا على ما كان يطلق عليه المصريون القدماء "العدل المطلق"، فلا محاباة لأحد ولا تفضيل لمنطقة على أخرى. إن الملك، وهو ربّ هذا الوطن، لا يُسمّى فرعونًا إلا إذا حكم بتعاليم "ماعت" إلهة الحق والعدل والنظام، وإذا حاد عنها، فقدْ فقدَ سلطته واختلّ حكمه، وأول ما يختلّ نظام الريّ، وبالتالي الزراعة، ومن ثمّ يجوع الناس، وتظهر المجاعة. حدثت المجاعات عدة مرات خلال التاريخ الطويل للفترة الفرعونية، وفي هذه الحالة عندما تسقط تعاليم ماعت ولا يحكم بها الفرعون، فغن صفة الإلوهية تزول منه وأيضًا تزول عنه صفة الحاكم، ويسرع الناس إلى خلعه والثورة عليه.

كل هذا معناه أن الريّ ونظامه يعدّ أمرًا مهمًا وجوديًا في المجتمع المصري الزراعي، ومَن يريد هدم المجتمع أو التسلّط عليه يعبث بهذا النظام. وهكذا، فعل الاستعمار وأعوانه من الداخل، في التسلّط على مقادير المياه، وتوفّرت المياه لأناس وحُرم منها آخرون. والزرع لا يعرف المحاباة. إما الماء أو الموت.

تدور أحداث فيلم "الأرض" من خلال تلك الفلسفة التي أوردناها، في إحدى القرى المصرية خلال عام 1933، يبلغ العمدة الفلاحين أن حصة ري أراضيهم قد صارت مناصفة بينهم وبين محمود بك الإقطاعي، غير أن الفلاحين يثورون على هذه التعليمات، وعلى رأسهم محمد أبو سويلم، ويقترح محمد أفندي تقديم عريضة إلى الحكومة، ويسافر إلى القاهرة لمقابلة محمود بك لتقديمها إلى الحكومة. تتفاقم الأمور عندما يقترح محمود بك إنشاء طريق يربط بين قصره والشارع الرئيسي مما يستلزم انتزاع جزء من أراضي الفلاحين لشقّ الطريق، فيثور الفلاحون دفاعًا عن أرضهم بقيادة محمد أبو سويلم.

يقال ظلمًا عن أفلام يوسف شاهين إنها غير مفهومة وغير مقبولة جماهيريًا وأنه مخرج "خواجة"

وقد تعامل يوسف شاهين مع الأحداث في تسلسل رائع أفاد المشاهد وأثرى القضية، بل إن المخرج لم ينس مطلقًا روح الفكاهة عند الشعب المصري فأضاء الفيلم بالكثير من المواقف الضاحكة التي ربطت المتفرج بحيث عندما جاءت لحظة الدراما إلى الذروة، كان المتفرج في ضحك مع الفلاح البسيط الذي كل أمله أن يأكل العيش من البندر (المدينة)، يضحك مع شقيقه الذي تصوّر أنه ربما يقابل جلالة الملك المعظّم ليقدم له التحية، ويعقد الأهالي أملًا واسعًا على مندوبها الأفندي المتعلم الذي يجيد قراءة الصحف ويعرف أحوال الدنيا خارج القرية. ولكن يأتي الشيخ المُعمّم من عاصمة البلاد، ويدهش من حال قريته التي لم تتغيّر بها الأحوال، ويذكّرهم بأجدادهم الذين ناضلوا ولم يستسلموا. ثم هناك الفلاح الفصيح، محمد أبو سويلم، الذي عرف بخبرته خبايا السياسة وخبر نضال المقاومة، فيقف وسط أهله يحثّهم ويستنهضهم للثورة على الظلم.

اقرأ/ي أيضًا: سينما مصر.. سينما يوليو: مسار وتجارب

وهنا يجب التنبيه إلى فطنة وذكاء يوسف شاهين، الذي وظّف النصّ الروائي سينمائيًا توظيفًا جيدًا وكان على قدر كبير من التوفيق عندما اختار أبطال فيلمه، الذين عبّروا ليس فقط بالأداء التمثيلي ولكن بمشاعر صادقة أضفت على الفيلم مسحة وطنية وكونية، جعلته أبعد من زمنه وأكبر من مجموع مكوناته.

يقال عمومًا على أفلام يوسف شاهين إنها أفلام غير مفهومة وغير مقبولة جماهيريًا وأنه مخرج "خواجة"، عينُه على مهرجانات العالم، وهذا ظلم يجب محوه من الذاكرة، لأن يوسف شاهين مخرج صاحب قضية، إن جاز التعبير، فهو ليس راويًا للأحداث ولا جامعًا لمواقف درامية، وإنما هو سينمائي له هدف ورسالة، طالما آمن بهما، فسيظهر ذلك على أعماله، لذلك يجب إعادة مشاهدة أفلامه مرة أخرى، ليس تكريمًا ولا استعادة، بل من أجل فهم أفضل.

اقرأ/ي أيضًا:

فلسطين والسينما المصرية.. حضور نادر

السينما المصرية.. شريط يروي حكاية قرن