21-ديسمبر-2023
جانب من الدمار الذي خلّفه القصف على مدينة خان يونس

يعرف الرصاص طريقه جيدًا نحو الفلسطيني، فلماذا لم يقتلني؟ (Getty)

لم تعد الأيام كسابق عهدها في غزّة. كلّ شيءٍ اختلف، الوجوه، الأيادي، ألوان الملابس، الحركة، وحتى المشي. كنّا نمشي في غزّة خائفين، اليوم نركض رعبًا ولا نلتفت خلفنا حتّى لا تتذكّرنا رصاصة وتقول: "آه.. نسيته".

حتّى طريقة الموت اختلفت؛ في السّابق، كان يموت فرد من كلِّ عائلة، واليوم ينجو فرد واحد فقط من كلِّ ألف عائلة. كنّا نرتجف من البرد وفي بعض الأحيانِ من الخوف. أما اليوم، نرتجف من الجوع والعطش والبرد والقتل والنزوح والبكاء والصّراخ والركض.. الركض.. الركض!

المشهد الأوّل: نزوح 1

نزحنا إلى مزرعة خاصّة "شاليه" في منطقة الزوايدة ما بعد وادي غزّة، وهي مدينة صغيرة ساحليّة أمام البحر المتوسِّط. في البدءِ كنّا أربع عائلات، ما يقارب الثلاثين شخصًا مع الأطفال. رمَيْنا أغراضنا وانطلقنا في رحلة التّيه نبحث عن محال تجاريّة للتزوّد بالأكل والشّرب وملابس الشّتاء، وأيضًا كنّا نبحثُ ونتقصّى أخبار النّاجين من القصف والإعدام، كأنّ حياتهم جزء من لقمةِ الحياة.

كأنّنا نركضُ بين الصفا والمروة ليس سعيًا وراء الماء، وإنّما طلبًا من الله أن يوقِفَ سيل الدّموع!

أمّا الأرض، فقد رحّبت بقولها: أهلًا بعودةِ الفلاحين، وبدأنا خطوةً خطوة نعود نحو الزّيتون أكثر والفلاحة أكثر. سمعنا صوت الأشجارِ تضحك، والأرض من تحتنا ترقص فرحًا، شعرنا باهتزازات الأرض، لا أعرف هل هي سعادة أرض، أم اهتزازات الضّربات الصاروخية علينا! مضى شهرٌ ولم أسمع ضحكات الشّجر.. آسف أريد حطبًا.

المشهد الثاني: الشهيد الأوّل ومن ثمّ توقّفنا عن العدّ!

تلقّينا بعد أسبوعين من النزوح خبر استشهاد أحد أحفاد النازحين، صراخ وبكاء ورثاء. وبعد يومين، تلقّينا خبر استشهاد شابّين اثنين في منطقة وسط غزّة وشمالها، العائلة نفسها التي فقدت حفيدها. كانت الأصوات متعبة، والعيون منتفخة، والبكاء لا ينقطع.

الشّهيدة الرابعة والخامسة هنّ أخوات لأحد النازحين، وعمّات بناتِه الثلاثة، وكان العويل أعلى وأرهب؛ نهدأ تارّة؛ يُلغي هدوءنا صاروخ أو خبر استشهاد أو أسر، أو صراخ طفلٍ يبحثُ عن طعام. بعد أسبوع تقريبًا، تلقّينا خبر استشهاد والد إحدى الأمّهات النازحات، لم تتحمّل عندما عرفت أنّ والدها ما زال تحت الأنقاض وسقطت مغشيًّا عليها.

في ذات اليوم، تلقّينا خبر استشهاد أخ وابنه لأمٍ ثانية نازحة، وهو خال لأربعة شبّان معنا، قرر جنديٌ أن يقنِصهم في شارع النّصر، فقتل الأب أوّلًا، وتركه ينزف حتّى جاء ابنه ليسعفه، فأطلق النّار على الولد. وصَلنا الخبر فازداد البكاء والصراخ والنّحيب، توزّعنا بين بعضِنا يواسي الجميع الجميع.

ولم يمضِ أسبوع حتى تلقّى أحد النازحين "وحده" خبر استشهاد ابنه الوحيد رفقة طليقته، وهو نفسه الذي فقد أختيه الاثنتين، فبكى كثيرًا ثم أنطقه الله: أنا مش أحسن منكم، وهمّ رخاص على اليهود، وغاليين عليّ والله، بس مش غاليين على الله، ومش خسارة في ربهم، لله ما أخذ ولله ما أعطى، إنتو ولادي، الله يحميكم".

وهكذا شهيدًا.. شهيدًا إلى أن توقّفنا عن العدّ! كأنّنا نركضُ بين الصفا والمروة ليس سعيًا وراء الماء، وإنّما طلبًا من الله أن يوقف سيل الدّموع!

المشهد الثالث: النزوح 2

انضمّ لنا في رحلة النزوح الثانية أربع عائلات، يتجاوز عددهم ثلاثين فردًا، فأصبحنا في منزلٍ لا تتجاوز مساحته 200 متر، مكوَّن من غرفتين، وحمامين، وصالون بمطبخ، وبيت درج وسطح المنزل. وبما أنها مزرعة، ولكل مزرعة مخزن، فقد حوّلنا هذا المخزن إلى غرفة!

أعدنا توزيع أنفسنا، طلبت كل عائلة وأنسبائها أن تأخذ مكانًا خاصًّا بها، ليس للراحةِ وحسب، بل تحسبًا في حالة استهداف المزرعة، فيُمكن للمسعفين التعرّف علينا جميعًا وبسهولة! الغرفة الأولى فيها عشرة أفراد، والثانية عشرة، وبيت الدّرج حوّلناه إلى غرفة، وفيها أيضًا أحد عشر فردًا، المخزن حوّلناه إلى غرفة وفيهِ تقريبًا اثنا عشر فردًا.

أمّا الصالون، فقد تحوّل إلى مبيتٍ ليليّ للرجال، ننام قرابة ثلاثة عشر رجلًا. أمّا السّيارات الخاصّة بنا، وعددها ثلاثة، فقد تحوّلت إلى غرفٍ للنوم، ينام في كلِّ سيارة اثنان.

تحوّلت المزرعة إلى قاعة كبيرة للموت؛ ازداد عدد النازحين فيها، وازدادت معهم فرص البكاء والصراخ على المفقودين وممن سيستشهدون قريبًا.

المشهد الرّابع: كيف نستيقظ أحياءً؟

لربّما غدا هذا السّؤال الأكثر صعوبةً في الإجابة، حتّى أقول في مخيّلتي: الصاروخ أخطأنا هذه الليلة، خمسة وسبعين يومًا ولم نُقتَل، هنالك خطأ استعماري، وقدرة إلهيّة!

لم يمضِ يوم علينا إلّا وكانت كل ليلة أصعب من ذي قبل، كما ذكرتُ سابقًا، نحن والبحر جيران، الشطّ يبعُد عنّي قرابة الخمسين مترًا، ومنطقة الزوايدة معروفة بكونِها منطقة أثريّة، منطقة عاليّة جدًا وفيها مقبرة رومانية قديمة عمرها يتجاوز الألفي عام.

هكذا إذن وجدنا أنفسنا نازحين بجوار مقبرة. يحاول الاحتلال منذ اليوم الأوّل لنزوحنا إلى يومِنا هذا أن يسيطر على هذه "الهضبة"، فهي تكشف أربعة مدن "استراتيجيّة" للاحتلال، النصيرات من الجهة الشرقية، مدينة غزّة من الجهة الشماليّة، ومدينتي دير البلح وخانيونس من الجهة الجنوبيّة، وبالتّالي يحاول الاحتلال كل ليلة أن يقوم بعمليّة "إنزال بحري" واجتياح المنطقة.

الصاروخ أخطأنا هذه الليلة، خمسة وسبعين يومًا ولم نُقتَل، هنالك خطأ استعماري، وقدرة إلهيّة!

المفارقة أنّ القوّة الخاصّة التي اقتحمت مخيم النصيرات وقتلت الأسير الإسرائيلي منذ أسبوعين، ترجّلت من البحر، وعبرت بسيارة إسعاف من الشارع المجاور للمزرعة. الإنزال البحري يصاحبه قصفٌ مدفعيّ وجوّيّ وبحريّ، يقف المقاومون الشباب متاريس في مواجهة هذا الإنزال، ونحس بأنّ هذه الليلة هي الأخيرة في أعمارِنا.

منذ يومين، أطلق الاحتلال طائرات "كواد كابتر"، وهي طائرات صغيرة مُعبّأة بالرصاص تقوم بعمليّة إطلاق نار وتمشيط للشوارع، وهي تحِل محلّ الجنود الراجلة؛ توجّهت هذه الطائرات الصغيرة نحونا وأطلقت أكثر من أربعين رصاصة على المزرعة، ولا أعلم كيف نجونا منها، لكن ما أعرفه جيّدًا أنّ الرصاص يعرفُ طريقه إلى الفلسطيني، فلماذا لم يقتلني؟ اسألوا المُحتَلّ، أعتقد أنّه سيُحاكم عن هذا الخطأ، وأعتقد أنه هو الجندي نفسه الذي رمى صاروخًا باتّجاهنا، لكنّه أخطأنا وتوجّه نحو السّماء وانفجر، أعتقد أنّ الحديد سئِم من كونِه يُسبّ بقتلنا، فصار يتجاوزنا على اعتبار أنه: كفى، لقد أخذت كفايتي منهم!

المشهد الخامس: تساؤلات

الصاروخ الذي لم يُبكِنا، من قتل؟

من خلق فكرة الإعدام بالبكاء؟

الأصوات التي تصرخ تحت الأنقاض، هل يسمعها الميّت؟

كيف كان الموت قبل القصف؟

هل سمعت عن فلسطينيٍّ مات وحده؟

لماذا واو العطف تحبّنا بالموت؟

الأب يستشهد حافيًا، الأم حاضنة طفلها، الطفلُ يُشير بإصبعه نحو السّماء؛ هل الصاروخ صديقٌ خياليّ للطّفل؟

كل هذا الدخان، ولم يظهر جنّ التمنّي؟ أريده أن يأخذ الأطفال بعيدًا!

من صاحب فكرة العرب؟ ولماذا استثنانا؟

أشلاء.. أشلاء.. أشلاء، هل من مفرد؟

على ماذا يصرخ الإنسان خارج غزّة؟ وعلى من؟

هل يخاف الذي يعيش خارج غزّة؟ كيف يخاف؟

الحي في المقبرة، هل هو الوحيد الميّت؟

بعد كلّ هذا القتل، لِمَن الهدنة الإنسانيّة؟

إنسانية؟

أي إنسان؟