06-أبريل-2018

أبدع أحمد خالد توفيق في ترسيخ عادية أبطاله

حين قرر ثربانتس أن يسخر من قصص الفرسان، داوى جراحه التي خرج بها من معركة لابانتو، وسخر يده للسخرية من البطل المغوار الذي يهزم الأشرار ويغمد سيفه في صدورهم ويعلن انتصاره الأبدي في المعركة. فأخرج للعالم رجلاً يرميه الخلق بالبيض والطماطم الفاسدة، ويخسر أسنانه في معركة عبثية مع مجموعة من قطاع الطرق، ويخترع في خياله حبيبته روسنانت ويهرع لإنقاذها بعين عمشاء. يرافقه في رحلته العبثية سانشو بانثا المساعد الكسول الذي له من اسمه نصيب عظيم فكلمة باثنا في الإسبانية تعني "الكرش" بكسر الكاف وهي في العربية الفصحى البطن الكبير المتدلي، حتى أن الدون كيشوت كما يسمونه في الفرنسية الرشيقة أو الكيخوتة كما يسمونه في الإسبانية الواضحة قال له ذات مرة "يا سانشو الفارق بيني وبينك أنني آكل لأعيش أما أنت فتعيش لتأكل".

أدرك أحمد خالد توفيق أن الشهرة فخ  كبير، وأن الجمهور ناقد ذكي، فلم يصخب صخب السياسيين، بل استطاع أن يتقن التواضع

خلق الدكتور أحمد خالد توفيق عالمًا خاصًا في مجلداته "ما وراء الطبيعة". عالمٌ يهرع إليه الصغار بمفرادت مختلفة لا تقلل من شأنهم،  تختطف اهتمامهم وتسافر بهم إلى عوالم بعيدة، في مواجهة الواقع. عالم خيالي يحوي الرعب تارةً ومعلومات عن أماكن نائية تارة أخرى. عالم لا يستخف بعقولهم. يجعل البطل كهلًا مدخنًا عصبي المزاج، صعب المراس، يأخذ قرارات خاطئة، ومدخن شره.

اقرأ/ي أيضًا: أفونسو كروش.. لقاءات شخصية مع أبطال "الجريمة والعقاب" و"فهرنهايت 451"

أبطال قصصه كانوا أناسًا عاديين، لا يمتلكون قدرات خارقة، ولا يهزمون الشر دائمًا، أبطاله في العادة يمشون الطريق على أرجلهم ولا تحدث لهم المعجزات، بل هم مبتلون بسوء الحظ أحيانًا، وفي نهاية الأمر،  قدم أحمد خالد توفيق لبطله الأثير الدكتور رفعت إسماعيل نهاية حياته في الجزء الثاني من قصة "أسطورة الأساطير" ليرسم أحد الشباب كاريكاتيرا يجمع الكاتب ببطله الراحل في السماء بين الغيوم، بعد وفاة كليهما.

في سلسته سافاري على سبيل المثال، نجده قد رسم من خلال مذكرات الدكتور علاء عبد العظيم تفاصيل دقيقة عن الحياة في أفريقيا، حياة كاملة تحيط بها أجواء الأمراض الغريبة والسحرة والعلماء المخابيل والمشعوذين. إذا كنت ممن قرأوا له في سن المراهقة هذه المجموعة، فإنك قد تعلمت أن نفسك سينقطع حتى تصل إلى النهاية. مذكرات الدكتور علاء عبد العظيم، تقدم لك هذه المرة طبيبًا شابًا، ذا صحة جيدة ومحاولات للبحث عن الذات في القارة السمراء. السلسلة ظلت تصدر ثمانية عشر عامًا على التوالي، 2000 - 2018.

كما أن له عددًا كبيرًا من مقالات الرأي التي استطاع من خلالها التعليق على كل حدث في مصر بفنية ومهارة عالية، وخفة ظل جعلت منه "عرابًا" يعيد اكتشاف معاني الأشياء وتقديمها للجمهور.

اقرأ/ي أيضًا: كارل أوفه كناوسغارد: الأدب المعاصر لا يستحق كل هذا الاحتفاء!

أدرك أحمد خالد توفيق أن الشهرة فخ  كبير، وأن الجمهور ناقد ذكي، فلم يصخب صخب السياسيين، بل استطاع أن يمارس التواضع مع مريديه في الوقت الذي تعالى فيه آخرون واقعين بسذاجة  فريسة غضة في فخ الشهرة.

أحمد خالد توفيق يستفز جوقة النظام.. ميتًا

وبعيدًا عن الجيل الذي أحبه من أجل كتاباته، فلم يمارس الرجل الطنطنة السياسية، ولكنه أيضًا لم يسقط في فخ "التطبيل" السياسي. فكان بدايةً ضد التطبيع مع إسرائيل في عصر "التهافت" على التطبيع بين قطاع من نخب السلطة عربيًا، ولعله لم يعبر عن هذا بلغة عميقة تبحث في البديهيات فتعيد تقديمها للوعي المجادل، بل بلغة بسيطة تناسب الشباب الذين يخاطبهم ويقدمها ببساطة من سيرته الذاتية عبر مقال له بعنوان "فليتألموا" جاء فيه: "لو تصالح كل العرب مع إسرائيل فلن أكون أنا ضمن القائمة بالتأكيد، لأنني ألعنهم وألعن الأرض التي يمشون عليها، وأكره منظرهم ولون علمهم ولغتهم. أنا من جيل أوشك أن ينقرض، تعلم أن يكره إسرائيل بحق. أطفال بحر البقر الذين ماتوا بالقنابل كانوا فى سني وقتها بالضبط، و كان يمكن أن أكون أنا لو فضلت الطائرات محافظة الغربية على الشرقية".

أما ما جعل مشاهد جنازته حزينة إلى الحد الذي أبكى متابعيها على السوشيال ميديا، هو أن الرجل قرر ألا يشبه أقرانه من الكتاب الذين سقطوا من أعين الشباب حين وافقوا على كل ما ارتكب من جرائم في مصر باسم الاستقرار ودعوى محاربة الإرهاب. انسحب الرجل وهو يرى الرموز التي تمسك بها الشباب يتساقطون يومًا بعد آخر مسببين لهم خيبات متتالية جعلتهم يغرقون في اليأس والكآبة.

لعل تصريحه الواضح عن مذبحة رابعة، كما كانت شهادته واضحة  في مقالته أحد الشعانين الدامي في نيسان/أبريل  2017، حين حدث تفجير في أحد أهم كنائس مدينة طنطا. كانت تعبر عن حزن مدينته والإهمال الأمني الذي أودى بحياة المدنيين حتى قال بمرارة "في أحد الشعانين الدامي، يكتشف المصريون للمرة الألف أنهم ضحوا بالحرية والاقتصاد والتعليم والصحة وأفلسوا تقريبًا، أملاً في بعض الأمن، لكنهم لم ينالوا أي شيء.  فقط قيل لهم إن هذه الضربات رد يائس من الإرهابيين على نجاحات الأمن المتواصلة".

أحمد خالد توفيق:  لو تصالح كل العرب مع إسرائيل فلن أكون أنا ضمن القائمة بالتأكيد

في السنوات الأخيرة من حياته عانى أحمد خالد توفيق من قلبه بشكل عزله أكثر عن الأضواء، وجعل سفره للقاهرة من طنطا أمرًا استثنائيًا بسبب سوء حالته الصحية، فظل منغمسًا في حياته كأب وطبيب وربما ككاتب متصومع.

وفي عزائه، جندت أجهزة الدولة الرسمية أذرعها الإعلامية كي تشجب تجمع الشباب وحزنهم على رحيله، بداية من المذيع عمرو أديب الذي تباهى بعدم معرفته لشخصه، متسائلًا: أين كان هؤلاء الشباب في الانتخابات؟ وحتى مدير تحرير إحدى المجلات الموالية الذي كتب على صفحته يؤكد أن الرجل فخ، وأنه لم يكن يعرف "مواقفه" وأنه "حذف" الملف الذي أعده عنه في عدد المجلة. أما الواقع فهو أن الفقيد اجتمع حوله مريدوه فأشبعوه حبًا ووفاءً، دون اعتبارات لما تقوله شاشات يعرفون جيدًا أنها لم تعد تخصهم.

 
 

 

اقرأ/ي أيضًا:

نيرودا وماركيز.. قصة دردشة معلنة

رواية "أنشودة المقهى الحزين".. مستضعفو الحب الوحشي