3  سيناريوهات جزائرية معلّقة بين الشارع و

3 سيناريوهات جزائرية معلّقة بين الشارع و"الدولة العميقة"

تحيل المعطيات حول الحراك الشعبي الجزائري إلى احتمال وجود صراع بين أجنحة السلطة (Picture Alliance)

خروج مئات آلاف المحتجين في ولايات الجزائر، مطالبين الرئيس بوتفليقة الذي ستنتهي ولايته، بالعدول عن الترشّح لعهدة خامسة؛ يطرح من قبل مراقبين عدة تساؤلات، انطلاقًا من أن هذه المسيرات المطالبة بتراجعه عن الترشح، ربما توحي بوجود صراع ما داخل أجنحة السلطة التقليدية للجزائر.

تطرح المعطيات حول الحراك الشعبي في الجزائر، تساؤلات حول ما إذا كان هناك صراع ما داخل أجنحة السلطة التقليدية في الجزائر

وفي الوقت الذي كانت بعض أصوات السلطة، تحذّر من مغبّة الخروج إلى الشارع، وتلوّح بالانزلاق الأمني والفوضى وعودة الإرهاب؛ شهدت مسيرة الجمعة الماضية ما اعتبره البعض تسهيلات كبيرة من طرف قوّات الأمن التي تجنّبت -على غير عادتها- غلق الطرقات أو نصب الحواجز الأمنية وتفرقة المحتجين واستعمال الغاز المسيلة للدموع، بل إنه في بعض الولايات شهدت المسيرات الاحتجاجية حالةً أقرب من التناغم بين المحتجين ورجال الشرطة.

اقرأ/ي أيضًا: جمعة الغضب في الجزائر.. شارع موحد أمام ارتباك النظام

يُذكر أنه في 2014، حين خرجت محتجون لتنظيم وقفة احتجاجية بشارع أودان بالعاصمة ضدّ ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة رابعة؛ أُغلقت كل المنافذ المؤدّية للشارع، وحضرت الشرطة بأعداد تفوق عدد المحتجين بأضعاف، بالزي الرسمي والمدني، واستعملت القوة في اعتقال أكبر عدد منهم ومزّقت شعاراتهم، وأغلقت قناتي "الأطلس" و"الوطن" بسبب تغطية الاحتجاجات وانتقاد الرئيس، ومنعت الإشهار العمومي عن الجرائد التي أبدت موقفها المناوئ للعهدة الرابعة ودفعت بها نحو الإفلاس.

تمرّد الإعلام الرسمي

في بداية خروج المسيرات الاحتجاجية بالشارع الجزائري، تغاضت وسائل الإعلام عن تغطية الحراك الشعبي الرافض لترشح بوتفليقة لعهدة خامس، وفضل التعتيم عليها، غير أن مواقف وسائل الإعلام تغيرت بعد ذلك إلى التغطية المكثفة، ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأنه ربما تلقى أوامر مباشرة من أحد الأجنحة الفاعلة داخل السلطة.

حتى إن الإعلام الرسمي في الجزائر، انقسم بدوره وفق ما يقتضيه الصراع حول ترشّح بوتفليقة من عدمه إلى اتجاهين: إذ كتبت وكالة الأنباء الجزائرية -في سابقة أولى منذ تولي الرئيس بوتفليقة الحكم- عن الاحتجاجات المطالبة بتنحيه من السلطة، ونشرت الشعارات التي رفعها متظاهرون، بينما فضّلت بقية وسائل الإعلام العمومي التزام الصمت.

وما أثار الانتباه أكثر، أن صحافيي التلفزيون الرسمي والإذاعة، نظّموا احتجاجات داخل مقرّات مؤسساتهم للمطالبة بالمهنية في تغطية الأحداث وحرّية التعبير، وعدم التعتيم عن المسيرات أو الانحياز لمرشّح السلطة ورفعوا شعارات تطالب الرئيس بوتفليقة بتراجعه عن الترشّح، وهو أمر حدث لأوّل مرّة في تاريخ الجزائر المستقلة.

هذه الأحداث، أوحت لعدد من المتابعين بوجود صراح بين جناحين داخل السلطة، كل واحد بينهما يريد فرض مرشّحه على الشعب، أحدهما يتمسك ببقاء الرئيس، والآخر يبحث عن شرعية له في مسيرات الشعب أو ربّما يسهّل عليه مهمة التظاهر ضدّ الرئيس، و"يفرض" على وسائل إعلامية عمومية وخاصة تغطية الأحداث.

وفي هذا السياق، قال الصحافي أبو طالب شبوب عبر صفحته على فيسبوك، إن "بوتفليقة انتهى عمليًا"، متسائلًا عن سيناريو الخروج من هذه الأزمة، ومشيرًا إلى أن السلطة "سيتم تقسيمها بين الجيش والقوى الأجنبية والمصالح الاستخباراتية في الجزائر"، وهو ما يوحي به الصراع القائم اليوم، كما يقول، مضيفًا: "لا تفسير عقلاني لما يحدث الآن، فالمقدّمات تعاكس النتائج، بل يبدو أن هناك سيولة عامة في وضع البلد وأن هناك طرفًا يعفّن الوضع عمدًا".

3 سيناريوهات معلّقة

وفي هذا السياق، واستنادًا إلى الحراك الشعبي في الشارع الجزائري، ودلالاته في منظومة الحكم، تُطرح ثلاث سيناريوهات محتملة في الرئاسيات القادمة، وإن كانت تظل معلقة على ما قد يُفاجئ به الحراك الشعبي:

  • السيناريو الأوّل:

 يتمثل السيناريو الأول المحتمل في وصول طرفي الصراع في السلطة إلى توافق حول المرشّح القادم، بعد معركة "كسر العظام" هذه، والذي حتمًا سيستعمل فيها أحد أطراف الصراع مسيرات الشعب ووسائل الإعلام العمومي والخاص، استعراضًا لعضلاته بما يكفي ليقنع جناح الرئيس بأحقيته في اقتسام السلطة. وإذا تحقّق هذا السيناريو فستختفي المسيرات الشعبية أو سيتمّ قمعها وتعتيمها وتعود المياه إلى مجاريها.

  • السيناريو الثاني: 

فيما يتثمل السيناريو الثاني المحتمل في انتصار جناح النظام المعارض لبقاء بوتفليقة بشرعية الشارع، وإجباره على عدم الترشّح. وعلى الأرجح أن هذا النظام سيعيد إنتاج نفسه من خلال اقتراح مرشّح من داخل النظام، بعد إبعاد الرئيس بوتفليقة الذي تراجعت شعبيته في الشارع الجزائري كثيرًا. 

ولعل هذا الأمر الأخير، هو ما أراد أن يثبته في الشارع، من خلال السماح بمسيرات شعبية تدعوه لعدم الترشّح، والسماح أيضًا لوسائل إعلامية من القطاعين العمومي والخاص بتغطية الحدث.

  • السيناريو الثالث: 

يتمثل هذا السيناريو المحتمل في وقوف جناح السلطة المعارض لاستمرارية بوتفليقة في صف المسيرات الشعبية، والضغط على الرئيس الذي ستنتهي ولايته بالتراجع عن الترشّح، ومرافقة مسيرات الشعب إلى غاية اختيار مرشّحه.

احتجاجات 1988 في الجزائر
وفقًا لضباط في المخابرات الجزائرية لم تكن احتجاجات 1988 عفوية بل نتيجة لصراح أجنحة داخل السلطة

ويُرجّح في هذه الحالة، أن المرشح الرئاسي الذي سوف يأتي به الحراك الشعبي، سيتعرض لإفشال مسيرته الرئاسية من أطراف ما تسمى بـ"الدولة العميقة"، وهو سيناريو ليس جديدًا على الجزائريين.

ففي الخامس من تشرين الأول/أكتوبر سنة 1988، شهدت الشوارع الجزائرية خروج آلاف الجزائريين في كل ولايات البلاد، فيما سُمي آنذاك بـ"الربيع الجزائري" و"انتفاضة الجزائريين"، حيث ثار المتظاهرون على وضعهم الاجتماعي في عهدة الرئيس الشادلي بن جديد. 

وانتهى الأمر بتعديل الدستور ودخول الجزائر عصر التعددية السياسية والإعلامية، قبل أن يتحول الأمر إلى "حرب أهلية" فيما بعد. لكن هذه الأحداث بحسب ضباط في أجهزة المخابرات الجزائرية، لم تكن عفوية ولكن جاءت نتيجة صراع أجنحة داخل السلطة.

يتحدث العقيد سمراوي، أحد ضباط المخابرات الجزائريين في كتابه "وقائع سنوات الدم"، عن انتفاضة 1988، ويصفها بأنها "حدث مفتعل لإسقاط الرئيس آنذاك".

وجاء في كتابه: "شهدت البلاد تمردًا شعبيًا غير مسبوق، راميًا مئات الآلاف من الشبان في شوارع وطرقات كبريات مدن الوطن، مهاجمين كل رموز النظام، وكان القمع شرسًا، فبعد إعلان حالة الطوارئ لم يتردد الجيش تحت قيادة الجنرال خالد نزار في إطلاق النار على الحشود، موقعًا أكثر من 500 قتيل، وملقيًا القبض على الآلاف من المتظاهرين الذين كانوا يعذبون بصفة تلقائية". 

ويضيف: "وبالفعل سرعان ما عرفنا بأن تلك المظاهرات كانت نتيجة تدبير مخطط من أصحاب القرار التابعين لزمرة العربي بلخير. لقد نظموا عن قصد، عملية نقص بعض المواد والسلع ذات الاستهلاك الواسع في السوق ليُشعلوا فتيل الفتنة". وبحسب العقيد سمراوي فإن الهدف الأساسي لهذه المجموعة "كان تحقيق نوع من الانفتاح السياسي المراقب، الذي يخدم شهيتهم في الفوز بالسلطة والثورة".

وتتمثل أوجه الشبه بين الرئيس بوتفليقة والرئيس الشادلي بن جديد، في أن كلاهما كانا في مرحلة ضعف، فالرئيس بوتفليقة غائب تمامًا عن الساحة السياسية منذ 2012، بسبب إصابته بجلطة دماغية، ولا يخاطب شعبه إلا من خلال الرسائل والبرقيات. 

أما الشادلي بن جديد فيقول عنه العقيد سمراوي: "كان وضع الشاذلي بن جديد وقتها في غاية الضعف من جراء فضيحة رشوة تورّط فيها ابنه توفيق (والمعروفة بقضية موحوش)، ونظرًا لرغبته في الحصول على عهدة ثالثة فإنه لم يكن أمامه سوى التغطية على الدسائس التي كان يدبّرها مرشده العربي بلخير".

لعبة المساومات.. فرنسا على الخط

من جهة أخرى تستمرّ وسائل الضغط من طرف أجنحة الصراع في السلطة، بأدواتٍ لا تدع مجالًا للشك بأنها أتت من طرفها، مثل ظهور تسريب صوتي بين الوزير عبد المالك سلال والذي هو أيضًا مدير حملة الرئيس، وعلي حداد، رجل الأعمال رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، ممثل الطبقة الأوليغارشية. وتضمن هذا التسريب تهديدات بإطلاق النار ضدّ المتظاهرين المطالبين بتراجع الرئيس عن ترشحّه لعهدة خامسة. 

ويبدو أن الهدف من هذا التسريب الذي نشرته أجهزة من داخل السلطة، هو زيادة التوتّر بين الشعب ومحيط الرئيس الحالي، أو ربّما يدخل في إطار أدوات المساومة التي يستعملها جناح في السلطة ضدّ آخر.

عبد العزيز بوتفليقة
يبدو ن بوتفليقة لم يعد الخيار الأفضل لبعض أجنحة السلطة الجزائرية

المساومة لم تكن داخلية فقط، فحتى فرنسا أيضًا دخلت على الخط في لعبة المساومات والضغط على النظام لفرض مرشّح يخدم مصالحها فيما بعد، سواءً كان بوتفليقة بإجباره على تقديم بعض التنازلات الاقتصادية والسياسية لصالحها، أو كان أي مرشّح غيره مستعد للقيام بالدور نفسه.

وكشف الأرشيف الفرنسي للموقع الإخباري "لونوفيل أوبسرفاتور"، في 26 شباط/فبراير المنصرم، وثائق سرّية وتقارير لأجهزة المخابرات السرية، تصف الرئيس بوتفليقة بأنه "شخصية لا ضمير لها" و"مكيافيلي فاسد" و"رجل كل المؤامرات"، ويقدّمه على أنه مهندس الإنقلاب ضدّ الرئيس أحمد بن بلة في حزيران/يونيو 1965. فيما يبقى توجّه فرنسا نحو مرشّح معين، محصورًا في دائرة من يدفع أكثر.

هنا، يعلّق الصحافي احميدة عياشي، صاحب جريدة "الجزائر نيوز" الممنوعة من الصدور على صفحته بفيسبوك قائلًا: "كشف الفرنسيون عن بعض الأرشيف المتعلق ببوتفليقة ليكشفوا مناوراته في الحكم وتورّطه في الفساد، لكن الفرنسيبن ظلوا صامتين عن ذلك طيلة سنوات وقاموا بحمايته وتشجيعه على مواصلة العهدة الرابعة..الفريق المافيوي يحظى إلى اليوم بالحماية الفرنسية. أملاكهم وثرواتهم جزء كبير منها في فرنسا".

في حين ستستمر معركة المساومات السياسية حتى الانتخابات الرئاسية الجزائرية، ستبقى كل الاحتمالات معلقة على ما سيؤول إليه الحراك الشعبي

إذن فعلى ما يبدو فمعركة المساومات مازالت مستمرة، إلى غاية الرئاسيات المقبلة المزمع إجراؤها في 18 نيسان/أبريل المقبل، ويبدو أن القوى الأجنبية ستكون لها كلمتها أيضًا في هذا الصراع، غير أن كل الاحتمالات تبقى معلقة على ما سيؤول إليه الحراك الشعبي في الشارع الجزائري.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إخوان وشيوعيو الجزائر ينسحبون من "انتخابات بوتفليقة"

كيف تفاعل الجزائريون مع تحرك جميلة بوحيرد ضد بوتفليقة؟