يسار الخيار والفقوس

يسار الخيار والفقوس

بعد مواجهات مع قوى الأمن في القاهرة في 2011 (Getty)

من ضمن أكثر تهم اليسار التقليدي تهافتًا وكثافًة، مقولة أن مشكلة الحراك الثوري العربي يفتقد "التنظيم الطليعي"، و"الزعيم"، و"الأيدولوجيا"، و"الثورة لم تنتصر"، و"الثورة لم تحكم". ثم أن أي تحليل لصراع يحدث بالفعل سواء كان ديني- مدني، سني- شيعي، حضري- ريفي، معرفي، نسوي، صراع أجيال.. أي شيء، غير تفسير التفاوت الطبقي، وتوزيع الثروة يسموه "تزييفًا للثورة" وكأن مفاتيح تأويل الحراك وتقييمه يقتصر على منهجهم فقط.

دع الربيع يشق عن نفسه التراب لينمو ويزدهر، بدلًا من الحكم عليه بالذبول

أكثر مثال مستفز لهذا اليسار المترهل، هو مقولة المغنية جوليا بطرس المذاعة يوميًا على قناة "الميادين": "اخترعوا لنا الربيع العربي ليلهونا عن قضايانا الأساسية؟!"، وماهي قضايانا الأساسية يا ستنا جوليا يا ترى.. تشويه تضحيات الشعوب العربية وتجميل صورة شبيحة خامنئي..؟!

بداية، دون الخوض في اتهام "المؤامرة الخارجية" لهزلية أدلته، يرى الكثير ممن شاركوا في الثورة فعلًا، ولم يتابعونها على "جزيرة إنجلش" من سان فرانسيسكو أو لبنان أو لندن أو رام الله، كما فعل بعض أصحابنا من اليسار العربي المتفزلك الممانع، هذا خلو الحراك من "التنظيم الطليعي" و"القائد" كان من ضمن الأسباب الأساسية التي أدت إلى حشد وانتشار وغلبة الثورة في مراحلها الأولى. شعر الناس حينما وجهت لهم الدعوة للنزول إلى الشوارع، بمسؤوليتهم المباشرة في رسم مستقبلهم ولذلك كانت النتيجة ظاهرة فريدة في قمة الثراء والأصالة والإلهام، حيث ترك الناس دون رقيب أيديولوجي أو ديني، يعبروا عن كل ما اختلج في بواطنهم من هواجس وأماني وعذابات قرون من الكبت الديكتاتوري الجاثم على نفوسهم.

حملوا ضغينة وثأر السنين أيضًا من كل من أهانهم واستغلهم، فكانوا يعرفون تمامًا من هم أعداؤهم، وكيف يصلون إليهم ليهاجموهم "النظام البوليسي العسكري، الإعلام، طبقة كبار رجال الأعمال، ثم الإسلاميين والفقهاء". ما كان عليك سوى أن تبحث في "الفيسبوك" أو "تويتر" لتعرف أين سيكون عنوان المواجهة الجديد، وفي أي ساعة التجمع. آخر شيء كانت تتمناه تلك الجماهير الثائرة الحرة الهائجة المتيقنة من فعلها الذي تخاطر من أجله كل يوم، أن يأتي "زعيم" آخر كلينين أو ماو أو الخميني، ليفسر لهم أهدافهم ويلحقهم بتنظيم ينغص عليهم نشوة إبداع وعيش لحظتهم الأسطورية.

ظهر ذلك جليًا في مهرجانات اللافتات والهتافات والرقص والأهازيج والألحان و"الهاشتاغات" والقفشات الكوميدية، التي كانت فعلًا أجمل عمل فني طبيعي غير مبتذل أراه في حياتي. لا تقولي لا أم كلثوم ولا فيروز ولا صباح فخري ولا ليدي سايجون.. "الموت ولا المذلة"، "جنة.. جنة يا وطننا"، "يا درعا حنا معك للموت"، "يسقط.. يسقط حكم العسكر"، "عيش حرية عدالة اجتماعية"، "الشعب يريد إسقاط النظام"! سأظل لآخر عمري، كالكثيرين غيري، مأخوذًا بوقع تلك اللحظات الساحرة، لأنها صادقة وغير موجهة.

تنظيم طليعي يدير دفة الجموع الجاهلة، فكرًة غير جذابة تمامًا لجيل الإنترنت والمعلومات المتداولة، الذي يريد سياسة من غير سياسيين، نشاط بدون نشطاء، ملاحم بدون أبطال، تمثيل بدون أحزاب، فن بدون فنانين، حكم بدون محكومين. الثورة تريد أن تؤسس نفوذها من أسفل لأعلى فعلًا في إعادة تموضع لمفهوم الاشتراكية الشعبية الحقيقي. قمة التعالي، والعنصرية، والإجحاف، الحكم على الثورة، بأنها ليست ثورة أو نصف ثورة، قبل أن تكتمل. دع الربيع يشق عن نفسه التراب لينمو ويزدهر، بدلًا من الحكم عليه بالذبول، وهو فقط الذي قد رميت بذرته.

هل يمكن لثورة، أي ثورة، أن تنتصر وكأنها معركة أو مباراة بين فريقين محددين حتى ولو حققت أهدافها؟

ما حصل يختلف عن مفهوم الثورة التقليدي المبرمج عليه ذهن هؤلاء، بمعنى استحواذ حزب أو طبقة على الحكم، ثم استبداد ذلك الحزب وقمعه للمختلف عنه، كما في النماذج التاريخية المرجوة. الثورة العربية، ومقلدوها في الغرب "حركة احتلوا"، اتبعت مسلك تفكيك وتطهير وكشف السلطة والمجتمع، وليس الاستحواذ عليهما. وهو الطريق الأطول والأنقى أخلاقيًا، والأكثر كلفًة للأرواح، لأن التنظيم والسلطة والغلبة المادية كانت دائمًا لقوى الثورة المضادة، سواء النظام القديم، أو الإسلاميين.

الخرافة الأخرى مقولة "نجاح الثورة". هل يمكن لثورة، أي ثورة، أن تنتصر وكأنها معركة أو مباراة بين فريقين محددين حتى ولو حققت أهدافها؟ هل هناك نهاية حقيقية لعمل فني، أم أنه يجب أن يترك ليأخذ مداه بحرية. هل يوجد فنان انتهى حقًا من عمل لوحة، قصيدة، أو معزوفة؟ وبالمثل هل يوجد ثوريون انتهوا من ثورتهم؟ كيف يطاوعك ضميرك أن تضع نهاية لهذا الكم من الجرأة والتعبير المتدفق المشقق للأرض والسماء، فتغلق عليه الكدر ثم تسوقه كأنه سلعة استهلاكية.

هذا النوع من البروباغندا، جدير بنخب الأحزاب والساسة بإعلامهم الزائف، وليس ثورة شعبية. هذا ما حاول أن يفعله النظام القديم في مصر على سبيل المثال، حين حاولوا أن يضعوا حدًا للثورة باقتراح تحويل ميدان التحرير لـ"هايد بارك"، وتوزيع البنبوني للمتظاهرين والإف 16 ترسم لهم قلوب بدخانها الملون، والمتحدث العسكري يضرب لهم تعظيم سلام، خلاص عودوا إلى بيوتكم، الثورة نجحت وقد تنحى الرئيس. لكن يبدو أن ما تطمح إليه الشعوب أكثر بكثير مما حصلوا عليه، فلماذا تنهي أو تنجح ثورتهم؟  لم ينتهوا بعد لأن، ببساطة، أعداءهم وأحلامهم لم ينتهوا بعد. 

في مسالك تطهير وتصفية النفس في التراث الصوفي الشرقي، وعند عرافي "شامان" السكان الأصليين للأمريكتين، حين تريد أن تطهر نفسك، وتفيق من ثباتك، وتقدم على معرفة حقيقتك، فأول شيء ستواجهه في طريقك هو ضعفك ومخاوفك وكوابيسك. نحن الآن نواجه أسوأ كوابيسنا بعد إرادة الصحوة الجماعية في 2011؛ استبداد عسكري، فاشية دينية، استعمار، جهل، عبودية من أجل غاية واحدة فقط، وهي تصفية وتطهير الوعي للاستفاقة من هذه العاهات، لنعكس ونشيد معالم عالمنا الذي نريد من عيش حرية عدالة اجتماعية كرامة إنسانية.

ما يحدث الآن يمشي حسب المخطط تمامًا أو "اللامخطط"، وهو، والحمد لله، عكس يوتوبيا افتعال "نجاح وحكم الثورة"، لأن شهداءنا يفضلون أن يموتوا مظلومين عن أن يعيشوا ظالمين مظفرين. معظم الثورات التي "نجحت" سطحيًا و"حكمت" في التاريخ، أسست لطبقة استبدادية، ودولة ديكتاتورية إمبريالية أخرى لم يكتب لها البقاء. فليس هو ذا المراد أن تفرض نخبة متعالية رأيها على الأغلبية، وأن تقتل وتسجن باسم الحرية والعدالة والكرامة.. يا لها من مفارقة منافقة لوكان هذا ما حدث! بل المطلوب هو وصول الأغلبية لفكرة الثورة بأنفسهم، بما اكتسب وعيهم من تجربة الميادين وجدل الفضاء الافتراضي بدمهم وكلماتهم. 

الكشف والفضح يحطم الأصنام بدلًا من أن يشيد أصنامًا جديدة ويكرس لسلطتها. كشفت الثورات العربية عن كل ما هو ليس من حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية، فأسقطت موجتها الأولى استبداد الديكتاتور ودولته البوليسية، ثم أسقطت موجتها اللاحقة العسكر خدم النظام القديم والإمبريالية، ثم أسقطت وستسقط موجاتها التالية فاشية الدين، ويتساقط الآن صنم الدولة الوطنية المصطنع. لم يستعمل الثوار صور لينين وستالين وتروتسكي التي تفض أي جمع من حولهم.

لم يستعمل الثوار صيغة البروليتاريا والبرجوازية، بل قالوا الشعب المطحون والحرامية، ووضعوا صور كبار الساسة والإعلاميين ورجال الأعمال وحولها حبل المشنقة. استطاعت الثورة العربية أن تغير الوعي الشعبي عبر التجربة الذاتية غير المبتذلة، لتمهد الطريق فيما بعد لتغيير الواقع المادي السلطوي، كمحصلة طبيعية لذلك التطور، وذلك هو التدرج النافذ لقلوب الجماهير على ما يبدو. نصر الثورة الحقيقي، كما ذكر سابقًا، هو عندما تصبح الجموع ذاتها ديمقراطية، مدنية، تعددية، حرة، اشتراكية، مقاومة للإمبريالية والصهيونية والرجعية، طالبة للوحدة عربية "على الأقل أن لم تكن وحدة أممية" من تلقاء نفسها، وليست مفروضة عليها من قبل سلطة فوقية.

مقياس نجاح الثورة الحقيقي هو مئات الآلاف من الناس العاديين، المستعدين أن يقدموا حياتهم دفاعًا عنها

يقولون لم تكن للثورات العربية أيديولوجيا، في الواقع كان هناك الكثير من الإيديولوجيات "الاشتراكية، القومية، الأناركية، الإسلامية، الليبيرالية"، ولم تغلب أي أيديولوجيا، بل ما غلب هو الأسئلة والتفكيك والتطهير، والكشف المستمر المرافق للغناء والأهازيج والموسيقي والنكت والفوضى والأطفال... الكثير من الأطفال الذين كانوا حقًا يحملون الآراء الأكثر تقدمية في طريقة الحكم، ليس لدي المجال الآن للتحدث عنها بالتفصيل، لكن كان من ضمنها تصميم حكومة افتراضية على الانترنت، يديرها جميع  أفراد الشعب، فيكون كبرلمان مكبر يمثلهم حقًا، بدون رئيس وحكومة من شحم ولحم، على طريقة حكم أوروبا القرن السادس عشر.
 
مقياس نجاح الثورة الحقيقي هو مئات الآلاف من الناس العاديين المستعدين أن يقدموا حياتهم دفاعًا عنها. في عالم تافه سطحي تديره المصالح لحمت دماء الشهداء، عالم المبادئ الممكن بعالم الواقع الفاسد لتدخل عصرًا جديدًا من الكرامة الإنسانية والشجاعة الأسطورية في الشرق والغرب. هذه الكرامة التي جعلت من أطفال سورية مروضين لدبابات النظام. لا يمكن أن يفشل هذا الجهد المبهر، فقط أم فقد، سقط النيزك والديناصورات ستنقرض مهما أظهرت من شراسة بقاء في أيامها الأخيرة. 2011 أصبحت سنة ميلادية جديدة وعلامة فارقة لقياس ما قبلها وما بعدها، وكأنها قيامتنا الثانية دونما ندري.

المجد للمجهولين وللثورة المجهولة العواقب، بدون نظريات مسبقة سوى التطهير والمواجهة المفتوحة، فإذا قعدت لحظة تفكر عقليًا ومنطقيًا وأيديولوجيًا، لما قامت الثورة ولما خاطر بحياتهم مئات الآلاف من أجل هدف نبيل، يبدو أنه مستحيل التحقق، ولكننا نقترب منه أكثر وأكثر بعزم الدفع الذاتي للجماهير، ولذلك سيتحقق كما تحقق المحال مرارًا، أثناء الأربع سنوات الماضية. في النهاية أكثر مقولة فلسفية تحضرني للرد على هؤلاء المتفزلكين، من فلول بشار وستالين، الذين أكثر شيء أزمهم نفسيًا في بداية الثورات، ليس مشاهد القتل والظلم التي يتعرض لها المتظاهرون بشكل يومي من أنظمة الاستبداد، بل أن كيف لوسائل الإعلام أن تطلق على فعل هؤلاء الأوباش البسطاء لقب "ثورة"، أغنية الرفيق سيد درويش "حط راسك بين الروس لا تقول لي لا خيار ولا فقوس".

اقرأ/ي أيضًا:

الإعلام.. جندي لصالح "إسرائيل"؟

مَن يُنظم انهيار السيسي؟