هل بدأت إسرائيل بتحضير بديل للسلطة الفلسطينية؟

هل بدأت إسرائيل بتحضير بديل للسلطة الفلسطينية؟

وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ يوقع اتفاقية مع رئيس الادارة المدنية مردخاي

تبحث "إسرائيل" عن إعادة "روابط القرى" إلى الضفة الغربية بدلًا من السلطة الفلسطينية، يرشح هذا من أحاديث شخصيات إسرائيلية تناقلها الإعلام الإسرائيلي في الأشهر الأخيرة، إضافة لخطوات عملية على الأرض كانت أحدثها محاولة استغلال الانتخابات البلدية للنجاح من خلال قوائم يتواصل أعضاؤها مباشرة مع "الإدارة المدنية".

الإدارة المدنية هيئة حكم تابعة لجيش الاحتلال تتولى "إدارة شؤون" الفلسطينيين الذين يسكنون في مناطق ج، (مناطق ج خاضعة للسيادة المدنية والعسكرية الإسرائيلية بالضفة)، وهي بوصف أكثر واقعية، البوابة التي توظفها سلطات الاحتلال للتوسع الاستيطاني بالضفة.

تتزايد الآراء التي ترى أن إسرائيل تحاول استبدال السلطة الفلسطينية بهيئة تابعة لها يمكنها التعامل مع الفلسطينيين مباشرة

وقسمت "الإدارة المدنية" الضفة إلى عدة مناطق هي، منطقة الجنوب وتشمل بيت لحم والخليل، ومنطقة الوسط وتشمل رام الله وبعض مناطق القدس، ومنطقة الشمال وتشمل نابلس وجنين وقلقيلية وطولكرم.

قبل عام، قفزت "الإدارة المدنية" خطوات باتجاه التواصل مع الفلسطينيين مباشرة، عندما أنشأت صفحة باللغة العربية على موقع التواصل "فيسبوك" لرئيسها الذي يوصف بأنه منسق أعمال الحكومة في المناطق يؤاف مردخاي، وبدا النشر عليها منظمًا بشدة وممولًا كذلك.

اقرأ/ي أيضا: صفحة المنسق: مؤشر عودة الإدارة المدنية للضفة وغزة؟

وفي آخر أيام شهر آب/أغسطس، خرج وزير الجيش ليبرمان مهاجمًا الرئيس محمود عباس والسلطة بالقول: إنه "يدير نظامَ فسادٍ، ويشكل العائق الأساسي أمام تحسين الاقتصاد الفلسطيني بالضفة"، داعيًا رجال الأعمال الفلسطينيين للتخلص منه.

وحسب ما نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية حينها، فإن ليبرمان ينوي عقد لقاءات مع رجال أعمال وسياسيين فلسطينيين "من أجل ترسيخ مسار يلتف على عباس"، ويسمح لـ"إسرائيل" بمناقشة سكان الضفة مباشرة حول أوضاعهم.

خطوات عملية

وقبل أن ينسى الفلسطينيون تصريحات ليبرمان، كشفت القناة العاشرة العبرية عن لقاء في مستوطنة "إفرات" جمع وجهاء وتجارًا من مدينة الخليل بمستوطنين من مجمع "غوش عتصيون" الاستيطاني، تزامنًا مع مرور عام على الهبة الشعبية الأخيرة.

وحسب التقرير المصور الذي تحدث فيه بوضوح "الشيخ عبدالله التميمي"، فإن هدف اللقاء هو "العمل على تحقيق السلام الاقتصادي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتخلص ممن نصبوا أنفسهم قيادات على الشعب الفلسطيني"، وهو ما استنكرته عائلة التميمي وأعلنت على إثره براءتها من "الشيخ عبد الله".

إلى جانب ذلك، أعلنت "الإدارة المدنية" عن حاجتها لموظفين لتقديم خدمات استشارية بمواضيع الفلسطينيين لصالح قسم تنسيق نشاطاتها في الضفة الغربية، ضمن إعلانات لوظائف "مخابراتية".

يتمحور الإعلان أيضًا حول مراقبة المجتمع الفلسطيني من خلال وسائله الإعلامية والإلكترونية، ورصد نشاطات مقاطعة إسرائيل، ضمن المواقع والدعوات وحتى أنشطتها على الأرض، إضافة لمن أسماهم الإعلان بـ"المحرضين على العنف والكراهية ضد مواطني دولة إسرائيل".

وتشير معطيات إلى أن أكثر من 60% من التمور المباعة في السوق الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة مصدرها مستوطنات مقامة على أراضي الضفة، ويديرها تجار فلسطينيون وإسرائيليون، هذا عدا عن مصانع إنتاج لباس جنود الاحتلال الذي يملكه رجل أعمال من مدينة الخليل، إضافة لمقالع للحجارة أبرزها في بلدة الشيوخ يتشارك فيها رجال أعمال فلسطينيين وإسرائيليين.

رجال أعمال وتجار يعقدون لقاءات مع مستوطنين وشخصيات رسمية لتسهيل مصالحهم دون السلطة كوسيط

وتفيد المعطيات، بأن المقالع والكسارات المقامة في الضفة وتديرها "إسرائيل" بالتعاون مع تجار فلسطينيين؛ تنتج 10 إلى 12 مليون طن من الحجارة سنويًّا، وتنقل 94% من إنتاجها إلى الأسواق الإسرائيلية، لتوفر نحو رُبع إجمالي الاستهلاك من مواد المقالع للاقتصاد الإسرائيلي.

الانتخابات المحلية بوابة جديدة

"مرشحو بيت إيل"، هكذا وصف القيادي في حركة حماس حسين أبو كويك قبل اعتقاله شخصيات وقوائم لم يحددها، قال إنها ترشحت للانتخابات المحلية بدعم من "الإدارة المدنية"، وهو ما دار الحديث عنه عبر مواقع التواصل الاجتماعي كثيرًا قبل توقيف الانتخابات بقرار من محكمة العدل العليا لسبب غير مرتبط بهذا الجانب.

وتعرضت قائمتان في دورا وبيت أولا قضاء الخليل لهجوم شديد تخلله اتهامات بالعمالة لأعضائهما من نشطاء عبر موقع "فيسبوك"، ما دفعهما للتراجع عن الترشح للانتخابات، فيما حافظت شخصيات عديدة محسوبة على "الإدارة المدنية" أيضًا في قوائم مختلفة على ترشحها ولم تنسحب.

ورغم ذلك، لم تعلن السلطة الفلسطينية ولا أي من الأحزاب بشكل واضح عن هذه القوائم أو هؤلاء المرشحين، وظلت الانتقادات والاتهامات حبيسة بعض الصفحات العامة والحسابات الشخصية على موقع فيسبوك.

يؤكد الكاتب عبد الستار قاسم أن السلطة "تعلم جيدًا بوجود مرشحين محسوبين على الإدارة المدنية لكنها لا تستطيع فعل شيء لهم"، مضيفًا أن ذلك يعود لوجود بند في اتفاق أوسلو ينص صراحة على عدم ملاحقة العملاء والتعرض لهم بكافة الأشكال والوسائل.

اقرأ/ي أيضا: صبرا وشاتيلا.. المسؤولون عن المجزرة

فيما يرى المحافظ السابق لبيت لحم عبد الفتاح حمايل، بأن الفجوة بين القاعدة والقيادة، وغياب برنامج وطني ونضالي قادر على مواجهة الاحتلال ومخططاته أحدثا ثغرة استطاعت من خلالها الإدارة المدنية التغلغل في حياة الفلسطينيين، دون أن ينفي مسؤولية الفصائل أيضًا "لغياب دورها التثقيفي".

ونوه حمايل في حديثه لـ "الترا صوت" إلى أن دور "الإدارة المدنية" داخل الضفة وقطاع غزة كان من الواجب انتهاؤه بتوقيع اتفاق أوسلو، إلا أن رئيس حكومة الاحتلال الحالي بنيامين نتنياهو أعاد تنشيط هذا الدور وتفعيله بشكل أقوى مؤخرًا، دون أن يجد أي اعتراض أو محاولة لوقف ذلك من قبل السلطة. وأضاف: "أغلب المرتبطين بالإدارة المدنية من الجانب الفلسطيني تجار ولهم مصالحهم المباشرة مع الاحتلال، والمصلحة الشخصية هي ما تعتمد عليها بشكل أساسي جهود هذه الإدارة بالضفة".

هل الفلسطينيون غافلون؟

التركيز الكبير من "الإدارة المدنية" على التجار ورجال الأعمال، دفعنا للتوجه إلى اتحاد الغرف التجارية متسائلين عن دوره في التصدي للعلاقات الآخذة في الاتساع بين قسم من التجار والاحتلال، ليجيب رئيس الاتحاد خليل رزق بالتأكيد على رفض أي اجتماعات أو مؤتمرات مع الإدارة المدنية أو سواها من مؤسسات الاحتلال.

وقال رزق، إن هذا التعاون لا يخدم الاقتصاد الوطني وتطوره، مؤكدًا على المطالبة بإلغاء اتفاقية باريس "التي تجعل من اقتصادنا سوقًا للاحتلال وتابعًا له"، وفق قوله.

فصائليًا؛ أكدت القيادية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خالدة جرار وجود محاولات إسرائيلية جادة لـ"الاستفراد بالمواطنين بمعزل عن الجهات الرسمية"، ورأت أن التساوق مع هذه المحاولات من شأنه أن "يفكك المنظومة الأخلاقية والوطنية للفلسطينيين".

ورغم ذلك، فإن جرار أعربت عن اعتقادها بأن الفلسطينيين يدركون خطورة سياسة الاحتلال في هذا الجانب، مطالبة بتوحيد الجهود الفلسطينية في مواجهة "الإدارة المدنية".

وأكد كادر في حركة حماس (طلب عدم كشف اسمه) وجود أشخاص محسوبين على "الإدارة المدنية"، مضيفًا أن هذه سياسة قديمة جديدة تعتمدها حكومة نتنياهو بصورة أكبر من السابق لإضعاف السلطة الفلسطينية وتعزيز الانقسام الفلسطيني الداخلي".

قوائم كاملة ترشحت للانتخابات المحلية بدعم من "الإدارة المدنية" الإسرائيلية ولم تجد أغلبها من يتصدى لها

ورأى أن هذه الجهود تفضي في نهاية المطاف إلى أسرلة وتهويد كل ما هو فلسطيني، وتعزيز ضم أراضٍ فلسطينية لصالح كتل استيطانية ضخمة بالضفة، داعيًا إلى التنبه لهذه الجهات والعمل على مقاطعتها.

الناطق الرسمي باسم الحكومة الفلسطينية يوسف المحمود قال لـ"الترا صوت": "إن الحكومة تعمل عبر كل قنواتها الإقليمية والدولية على مواجهة سياسة ليبرمان ومخططات اليمين المتطرف وإدارتهم المدنية، "وسلاحنا هو الوعي الذي يمتاز به شعبنا في مواجهة كل الأشخاص الخارجين عن الصف الوطني، وفهمهم لمدى خطورة الإدارة المدنية التي تهدف إلى إنهاء الحالة النضالية لشعبنا المتمثلة بالمطالبة بإنهاء الاحتلال".

فيما رأى أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح أمين مقبول، أن خطة ليبرمان ليست جديدة، "بل تأتي امتدادًا لمحاولات الاحتلال استبدال منظمة التحرير بسبب تمسكها بالثوابت الوطنية"، مضيفًا أن روابط القرى كانت أبرز هذه المحاولات لكن الالتفاف الجماهيري أفشلها.

ويضيف مقبول لـ "الترا صوت": "ستسقط أحلام ليبرمان ويمينه المتطرف أمام صمود وجبروت شعبنا"، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن استمرار الانقسام سيشكل البوابة الأوسع لدخول "الإدارة المدنية" إلى المجتمع الفلسطيني وتحقيق غاياته.

يشار إلى أن سلطات الاحتلال دأبت في السنوات الأخيرة على تقديم تصاريح مباشرة من خلال مكاتب للارتباط الإسرائيلي مباشرة للمتقدمين لهم. إذ يقول فلسطينيون إن تصاريحهم رفضت من خلال الارتباط الفلسطيني أو تأخرت، لكنها صدرت دون معيقات من خلال مكاتب الارتباط الإسرائيلي، هذا عدا عن أشخاص تم إزالة أوامر منعهم من السفر من خلال زيارات لمكاتب "الإدارة المدنية" يتخللها تقديم "طلبات استرحام" للاحتلال.

وبعيدًا عن التوقعات المستمرة بوجود مخطط إسرائيلي قيد التنفيذ للتعامل المباشر في الشؤون الحياتية والمعيشية مع الفلسطينيين بالضفة وغزة، من تسميهم إسرائيل "سكان المناطق"، لا تزال الهيئة العامة للشؤون المدنية التابعة للسلطة تعمل بالوتيرة المعتادة مع الإدارة المدنية الإسرائيلية دون وجود مؤشرات على تجاوزها إلا في مجال منح التصاريح، وتم مؤخرًا التوقيع على اتفاقيتين واحدة لتوريد البريد من الأردن إلى مناطق السلطة، والثانية متعلقة بجدولة ديون الكهرباء المستحقة للشركة الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية، وتضمنت إعفاء السلطة من مئة مليون دولار من الديون مقابل سداد مليار شيكل بشكل فوري، والتعهد بإنشاء هيئة فلسطينية لجباية أثمان الكهرباء بدل الشركة الإسرائيلية، وكانت هذه القضية عالقة لسنوات.

اقرأ/ي أيضا

كتاب مدرسي جزائري يعترف بإسرائيل

نعرف الفرق بين أسلحة لا تعرف الفرق بيننا