27-نوفمبر-2022
الجمهور الياباني رافعًا أكياس بلاستيكية يستخدمها لتنظيف المدرجات

الجمهور الياباني رافعًا أكياس بلاستيكية يستخدمها لتنظيف المدرجات

لا قيمة لكرة القدم من دون مشجعين. تاريخ اللعبة لا ينفصل مطلقًا عن تواريخ مشجعيها. اللاعبون يتغيرون ويتبدلون. تتغير حيواتهم وأنشطتهم، ويخضعون لقوانين جديدة كل مرة يرى فيها سادة اللعبة أن شيئًا ما يجب أن يتغير في مسالكهم. لم يعد ثمة لاعبون لاهون مثلما كانت هي حال اللاعبين منذ عقود. لقد باتت هذه لعبة محترفين، وأصبح جميع من يمارسها ويتقنها مجبرًا على اتباع القوانين التي تسنها إدارات النوادي، وهي قوانين تطاول أكل اللاعبين وشربهم ونومهم ويقظتهم، وساعات راحتهم ونشاطهم. على نحو ما يبدو هؤلاء اللاعبون، الأثرياء جدًا جدًا، والموهوبون جدًا جدًا، أشبه بفراريج المداجن. تدخل صناعة الأجسام بكل ثقلها في تحويلهم من بشر إلى ماكينات.

تأخذنا الحماسة إلى الحد الذي نؤمن فيه، بكل جوارحنا، أن خسارة فريقنا الذي نشجعه سببّه الحظ العاثر، وأن فوزه، إن فاز، سببّه حسن الأداء وتكامله

مع ذلك، يسرنا نحن المشجعين أن نتذكر كل يوم وصف اللاعبين الألمان بالماكينات. وهذا وصف يراد به مديحًا مفرطًا. ماكينات، ولا مكان لأمزجتهم في عروضهم. عليهم أن يحققوا ما تحققه الماكينات، وكلما اقترب فريق من الفرق الكبيرة من هذا التوصيف كلما أصبح أقرب إلى الكمال.

لقب الماكينات الألمانية أطلق على المنتخب الألماني قبل عقود، بوصفه النقيض للقب راقصي السامبا والسيلساو البرازيليين. كان يراد من هذا اللقب القول إن كرة القدم ليست لعبة، بل هي صناعة واحتراف. وأن لا وقت فيها لتضييعه، ولا تحتاج لمهارات فنية لعرضها. اللعب بهذا المعنى هو ضد العرض. على اللاعبين أن يتركوا كل أمزجتهم خارج المباراة، وأن يتحولوا إلى ماكينات في الملعب.

لكن تحول اللاعبين إلى ماكينات على النحو الذي آلت إليه أحوال اللعبة، لم يغير في أطباعنا نحن المشجعين. ما زلنا نرى في مسار اللعب هندسة بديعة نختلف كل مباراة عن التي سبقتها، وما زلنا نعتقد أن بعض اللاعبين الذين نحبهم، عباقرة في الملاعب، وأقل قليلًا من آلهة. وما زالت مجريات اللعبة تأخذنا معها حيثما حلت. وبانتظار تحقيق الهدف نبقى مسمرين أمام الشاشات، وفي الملاعب، وتأخذنا الحماسة إلى الحد الذي نؤمن فيه، بكل جوارحنا، أن خسارة فريقنا الذي نشجعه سببّه الحظ العاثر، وأن فوزه، إن فاز، سببّه حسن الأداء وتكامله. والحال، هذه لعبة حظ إن خسرنا، وخطة ماكينات إن فزنا. وفي الحالين نحن من يقرر بحسب انحيازاتنا متى يكون الحظ عاثرًا ومتى يكون جيدًا.

لكن توافر الحظ وانعدامه لا ينفي أننا لا نستسيغ مشاهدة اللعبة إلا في زمن حصولها. هذه لعبة لا يصح فيها أن نشاهدها بعد زمن. ذلك أن الهدف الذي ننشد تحققه أمام كل هجمة، هو الهدف الذي دائمًا يأتي عرضًا، ولأسباب لا علاقة لها بالمهارة. كل المهارات تموت وتخبو أمام المرمى. ذلك أن هذه الركلة الأخيرة لا تستطيع أن تكون، في معظم الأحيان أكثر من ضربة حظ. وعلينا نحن المشاهدين أن نشهد على الحظ الجيد وهو يتحقق، في لحظة تحققه. سوى ذلك، وحين يفوت زمن تحققه يتحول إلى معلومة باردة. هذه اللعبةـ تريد منا أن نبقى مسمرين أمام شاشاتها، لأن انفجار الحظ لا يمكن أن يحصل ويترك أثرًا إن لم نشاهده عيانًا في لحظة حصوله.

لعبة حظ. هي كذلك، بل ربما تكون أكثر ألعاب الحظ سحرًا. مع ذلك ثمة من يعتقد، مدربون ومعلقون ورؤساء نواد وجماهير، أن الفريق الذي نشجعه هو الأقوى والأمهر. وأن فوزه مضمون ومؤكد، إن لم يعاكسه الحظ كثيرًا.