من ديوان القدس

من ديوان القدس

محمد الحواجري/ فلسطين

يقول جبرا إبراهيم جبرا في وصف القدس "إنها زمان"، راميًا إلى أنه لا يمكن لها أن تُرى بوضوحٍ في نطاقها الجغرافيّ وحسب، بل لكي تفهم يجب أن تُرى في منظورها التاريخي. ولعلّ ما يضمره جبرا من تعبير "منظور تاريخي" هو تلك المساحة التي يشتغل فيها الأدب بشكل أساسي، حيث تمتزج حياة المدينة وأقدارها بحياة أهلها وبنطاقها الإنساني العام.

شعريًا، أخذت القدس موقعًا مهمًا في القصيدة العربية المعاصرة، وكثيرًا ما كانت تتحوّل إلى رمز شعريّ يلتصق بمعنى القهر أو التطلّع إلى الحرية، بالإضافة إلى ما تحمله من معانٍ صميمية في الأساس، يمتزج فيها الروحي بالتاريخي والوطني والقومي والجمالي. إلا أن كثيرًا من الإنتاجات الشعرية التي تناولتها لم تخلُ من نبرة خطابية، وهو ما جعل الفنّ يتراجع في أحايين كثيرة لصالح تقدّم السياسة والأيديولوجي.

هل يمكن الحديث عن ديوان شعري يخصّ القدس؟ نعني ديوانًا مشتركًا كتب على مراحل زمنية مختلفة، ومن شعراء من مختلف المشارب؟ نعم يمكن، لكنه يحتاج دومًا إلى نوع من التحرير الذي يزيح سطوة الشعار جانبًا، ويكرّس الفن الذي يليق بالمدينة ومعانيها.

هنا مقتطفات شعرية لها حضور خاص في منظور القدس التاريخي.


القدس والساعة

كانت الساعةُ في القدسِ: قتيلًا، جريحًا، ودقيقةْ

كانت الساعة: طفلًا، سرق النابالمُ رجليه

ولمّا ظلّ يمشي، سرقوا حتّى طريقهْ

كانت الساعةُ صفرًا عربيًا

كانت الساعةُ ميلاد الحقيقةْ

دقّت الساعةُ.. دقّتْ

دقّت الساعةُ لكن..

كان ربُّ الشعب يُصلّي لعشيقته

ثمّ يُهديها دم الناس ورودًا شربت عطرًا وأصباغًا ولكن،

لم يشرفها تُراب في حديقةْ

كانت الساعةُ أصفارًا كبارًا

كانت الساعة ميلاد الحقيقةْ.

 

سرحان لا يُسلّمُ مفاتيح القدس

عائدون، وأصغر إخوتهم (ذو العيون الحزينة)

يتقلب في الجُبِّ،

أجمل إخوتهم.. لا يعود!

وعجوزٌ هي القُدْسُ (يشتعل الرأسُ شيبًا)

تشمُّ القميصَ فتبيضُّ أعيُنُها بالبكاء،

وتخلع الثوبَ حتى يجئ لها نبأٌ عن فتاها البعيد

أرضُ كنعانِ – إن لم تَكُنْ أنتَ فيها – مراعٍ من الشوك

يورثها الله من شاء من أمم،

فالذي يحرس الأرضَ ليس الصيارف

إن الذي يحرس الأرضَ ربُّ الجنود

آه من في غد سوف يرفع هامته

غير من طأطأوا حين أزَّ الرصاص؟

ومن سوف يخطب – في ساحة الشهداء –

سوى الجبناء؟

ومن سوف يغوي الأرامل إلا الذي سيؤول إليه خراج المدينة!؟

 

في الرد على الأحبّة

شجرُ الحور بكى حين رآني

كنتُ قد لملمتُ أشيائي،

وأعددتُ الحقائبْ

وتركتُ الدار تنعى من بناها.

ورأيت الحزن صمت الخرائبْ

يلعب الديك عليها،

ويصيح الشجر الملتَفُّ في الليل الصموتْ

يسأل الأطلال عن آثار جدّي

تحتها كلُّ شهادات الثبوتْ

نَقشوها في صخورٍ غمرتها الريحُ،

في صُلْب الترائب.

 

شامات:

عند باب القدس، ماتت جدّتي

وهي تحكي لشجيراتِ العنب

عن زمانٍ سوف يأتي

وعلى خدّيه شاماتُ الغضب.

 

بعدها:

بعدها... ذات صباح ستمرّون على

بعض قبور الراحلينْ

تقطفون الزنبق البريّ والنعمانَ، مصبوغَ الشفاه

وتُصلّون صلاة الأنبياء

وتغنّون أغاني الشهداء

وأناشيدَ وشعرًا... ﻟﻢ تَقُلْهُ الشعراء!

 

اقرأ/ي أيضًا:

ركن الورّاقين (9): مدونة القدس

عزمي بشارة: حول القدس بإيجاز شديد