16-مايو-2024
حكاية غينجي

توصف حكاية غينجي بأنها النسخة اليابانية من ألف ليلة وليلة (الترا صوت)

لأن القراءة ترحالٌ، والكتبُ أسفارٌ وقارات، فلتكن زاوية "مكتبة العالم" من "ألترا صوت" رحلةٌ في هذه الأقاليم، حيث نقف في كل أسبوع مع كتاب يمثّل ثقافة/حضارة ما.  


تُوصف "حكاية غينجي" بأنها أول رواية يابانية، بينما يقول آخرون إنها أول رواية طويلة في تاريخ البشرية. لكن المتفق عليه أنها العمل الأدبي الأهم في اليابان، وأساس الأدب الياباني الكلاسيكي الذي تحضر فيه بصور مختلفة.

الحكاية من تأليف امرأة أرستقراطية تُدعى موراساكي شيكيبو كتبتها عام 1000، في عهد أسرة هييآن ما بين 740 – 1192، أي قبل ألف عام. ويرى كثيرون، من اليابانيين والمهتمين بالأدب الياباني، أنها قدّمت فيها عملًا سرديًا باهرًا ذهب البعض إلى حد وصفه بالنسخة اليابانية من "ألف ليلة وليلة"، إذ تتضمن الحكاية الكثير من الأحداث الفاتنة التي تدور في إطار غرائبي مدهش.

وعلى العكس من الملاحم الكبرى في التاريخ، فإن موضوع "حكاية غينجي" هو الحب والعلاقات الرومانسية لا البطولة. ويعود ذلك إلى أن الفضاء الذي تدور فيه أحداث الحكاية هو البلاط الإمبراطوري، حيث شارع في عهد أسرة هييآن جنس أدبي ابتكرته النساء يُدعى "مونوغاتاري"، ويُعنى بتصوير ما يحدث في أروقة البلاط، بسادته وخدمه وزوّاره، بأسلوب سردي يراوح بين الرواية والشعر والنثر. ومن ربما اكتسبت الحكاية صفة ملحمة.

تُوصف الرواية بأنها العمل الأدبي الأهم في تاريخ اليابان، والنسخة اليابانية من "ألف ليلة وليلة"

تقع "حكاية غينجي" في 54 فصلًا موزعًا على أكثر من 1000 صفحة، وتتضمن الكثير من الشخصيات الرئيسية والثانوية والعابرة. أما بطلها، فهو "غينجي"، الذي تحمل اسمه، وهو أمير أُبعد من البلاط وأصبح رجلًا من العامة وقع في غرام امرأة أرستقراطية لن تكون الوحيدة في حياته، إذ يخوض الكثير من المغامرات الغرامية الأخرى مع نساء كُثر.

وعبر هذه الحكاية، تسلط شيكيبو الضوء على طبيعة الحياة في البلاد الإمبراطوري الذي يُعد مسرحًا للمكائد والدسائس، الطموحات والخيبات، ومتناقضات أخرى كثيرة تتجسد في حياة شخصيات الحكاية. كما تستعرض، على الهامش، عادات وتقاليد المجتمع الياباني في تلك الحقبة، وخاصةً الحياة الجنسية سواء عبر البطل نفسه الذي تُقدّمه الحكاية بوصفه "عاشقًا مثاليًا"، أو من خلال الشخصيات الأخرى التي صاغت شيكيبو حكاياتها.

واللافت أن هناك العديد من النقاد والمؤرخين الذين درسوا الحكاية يعتقدون بأن موراساكي شيكيبو، هو اسم الشخصية الرئيسية الثانية في الحكاية، ليس اسم كاتبتها الحقيقية.

أحد هؤلاء الكاتب والناقد الألماني مارتن بوشنر، الذي قال في كتابه "العالم المكتوب: تأثير القصص في تشكيل البشر والتاريخ والحضارات" (2017) إننا: "لا نعرف على وجه التأكيد ما الاسم الحقيقي للمؤلفة التي أُلصق بها اسم بطلتها العظيمة موراساكي، تلك الوصيفة المجهولة التي خلقت عالمًا أدبيًا من الحواجز والمراوح والقصائد ليس كمثل أي نص مكتوب سبقه".

ورأى بوشنر أن شيكيبو فتحت: "لقراءتها في فصول روايتها بابًا لم يعرفه القرّاء من قبل، يفضي إلى أفكار شخصياتها ورغباتهم، وطبيعة حياتهم المحصورة بإتيكيت البلاط الصارم وأدواره المصنفة حسب الجنس"، وأضاف قائلًا: "ولكن رغم القيود المفروضة على هذه الشخصيات فإنها طلّت تنضج وتزداد تعقيدًا، فصلًا بعد فصل، وهذا ما سرّ قراءها من أفراد البلاط. وما إن أتمت موراساكي شيكيبو حكاية غينجي حتى كانت الرواية سردًا معقدًا، عميقة المعنى بلغة البيان".

ويلاحظ بوشنر أنه: "رغم أن العمّل معرّف بأنه "حكاية" فإنه سرعان ما تشعّب خارج نطاق الحكاية، وتحوّل إلى سرد دقيق الملاحظة للحياة في البلاط الإمبراطوري في عهد هييآن". ولأنها كانت تعي: "المخاطر والجرأة التي يتطلبها تصوير خفايا البلاط الياباني (...) فقد حدّدت زمن روايتها بأنه قبل مئة عام من عصرها".

وبسبب "حكاية غينجي"، فإننا اليوم: "نعلم عن الحياة في البلاط الإمبراطوري في عهد هييآن في القرون الوسطى أكثر مما نعرف عن أي مكان آخر في الحقبة نفسها على وجه الأرض".

وإذا كان الأدب: "مثل السحر في قدرته على كشف الحجاب عن عقول الآخرين، ومنهم أولئك الذين عاشوا قبل قرون بعيدة"، فإن هذه القدرة: "تضاعفت كثيرًا بين يدي موراساكي مقارنةً بالأعمال التي تسبقها، فهي تسمح لقرائها أن يتأملوا تفكير شخصياتها كما لم يفعل أحد من قبلها، وأن يروا عوالمهم المختلفة من خلال أعينهم"، بحسب مارتن بوشنر.

وأشار الناقد الألماني في كتابه إلى أن نجاح الرواية مردّه، من بين عوامل عديدة، إلى اختلافها عن المصدرين الرئيسيين للثقافة اليابانية: "وهي السوترات البوذية والكلاسيكيات الكونفوشية (...) وقد تنبّه الكونفوشيون والبوذيون أن لونًا أدبيًا قويًا ظهر على الساحة. ولم يمض وقت طويل حتى أصدر الكونفوشيون تحذيرات من هذه الرواية، ووصف البوذيون مؤلفتها بأنها تتعذب في الجحيم بسبب آثامها، ولكن حكاية غينجي آبت إلا أن تستمر في شعبيتها رغم الانتقاص والإساءة".

صدرت الطبعة العربية من "حكاية غينجي" سنة 2011 عن "هيئة أبو ظبي للتراث والثقافة" بعنوان "حكاية جينجي"، ترجمة حسين كامل يوسف، الذي قال في تقديمه لها إنها: "الرواية الأولى بالمعنى الصحيح في الأدب العالمي"، ولفت أيضًا إلى أن أعمال مؤلفتها تُعد: "في الأدب والثقافة اليابانيين في مصاف الملاحم الهوميروسية، وأعمال شكسبير، ورائعة بروست "البحث عن الزمن المفقود" في بلاد أخرى".