24-أبريل-2023
سودانيون يتظاهرون بالخرطوم ضد التطبيع مع الاحتلال

في تعقيب له حول أحداث السودان الأخيرة، كتب الشاعر تميم البرغوثي على صفحته الشخصية في الفيسبوك "واحد مطبّع يُقاتل واحد مطبّع"، اقتصر الشاعر في تعقيبه على جسامة الأحداث التي تجري في السودان بهذه العبارة المقتضبة، التي تُوضُح بأنّه يُحاكِم كلّ ما يحدث في العالم العربي جاعلًا من فلسطين وقضيتها وجهته وبوصلته الأساسية.

تَفاعل العديد من النشطاء السودانيين مع تعقيب الشاعر آخذين عليه هذه النظرة المجترأة النرجسية التي لم تتفاعل مع الحدث السوداني كما يجب، بل ظهرَت كما أنّها تنفي عنه كلّ أهمية لصالح فلسطين والقضية الفلسطينية، وكأنّ السودان دولة غير موجودة، وليس لها همومها وقضاياها، وكأنّ الشعب السوداني هو شعب غير موجود وليس من حقّه المطالبة بالحريّة والتحرّر بعيدًا عن حكم المستبدين والعسكر.

عدالة القضية الفلسطينية قد تنقلب في بعض الأحيان لتُصبح شكلًا من أشكال الظلم الواضح والصريح، عندما تُعمي أصحابها عن الاعتراف بعدالة قضايا غيرهم من الشعوب في العالم العربي

فكّرتُ وأنا أتابع تعقيبات النشطاء السودانيون على منشور الشاعر البرغوثي بمقطع شِعري لشاعر آخر هو محمود درويش يقول فيه "ما حاجاتنا للنرجس، ما دمنا فلسطينيين؟"، فدرويش يقرّ في مقطعه السابق بأنّ معاناة الفلسطينيين الاستثنائية تحت الاحتلال تُولّد عندهم شكلًا من أشكال النرجسية المُستَحقّة.

يؤكّد المقطع السابق بأنّه يُمكن فهم سبب نرجسية الإنسان الفلسطيني انطلاقًا من حقيقة أنّ الاحتلال الإسرائيلي يمثّل القدر الاستثنائي والظرف الاستثنائي الذي يُعايشه ويعيش تحت وطأته منذ 74 عامًا، فنرجسيته وتماديه في تقدير نفسه عند المطالبة بزواله هي نرجسية عادلة وغير متطلبة، تريد الحياة الطبيعية العادلة التي تشترك فيها كلّ شعوب العالم وهو وحده المستثنى منها.

قلتُ في نفسي بأنّني أفهم نرجسية الفلسطينيين التي تعتبر فلسطين والقضية الفلسطينية هي البوصلة، أفهمها لأنّها نرجسية عادلة لا تَحلم سوى بحياة عادلة وطبيعية لهم بَعيدًا عن مشنقة الاحتلال وممارساته العنصرية والقمعية التي تخنقهم وتُحاصرهم في كلّ وقتٍ وحين.

لكنّني ورغم إقراري بأنّه يحقّ للفلسطينيين أنّ يكونوا نرجسيين لأنّهم أصحاب مظلمة وقضية استثنائية، أرى أنّ عدالة مَظلمتهم وقضيتهم قد تنقلب في بعض الأحيان لتُصبح شكلًا من أشكال الظلم الواضح والصريح، وذلك عندما تُعمي عدالتها أصحابها عن الاعتراف بعدالة قضايا غيرهم من الشعوب في العالم العربي، أو عندما يستخدم أصحابها عدالتها لتبرير وقوع الظلم والقمع على غيرهم، مرتكزين على مظلمتهم وحدها، وكأنّها بداية المظالم وخاتمتها.

وفي الحقيقة، فلم أفهم يومًا كيفَ يُمكن لصاحب مَظلمة وقضية عادلة كالقضية الفلسطينية أن يُوالي طاغية كبشار الأسد فيقف ضدّ ثورة شعبٍ كامل، تحت دعاوى أنّ هذا الطاغية ينضوي تحت محور المقاومة والممانعة، ولم أقتنع يومًا بادعاءات بعض المنضويين تحت هذا المحور من أنّ "طريق القدس يمرّ بالقلمون والزبداني والسويداء والحسكة" في سوريا، تلك العبارة التي قيلت لتشير إلى وجوب التدخّل العسكري لقمع الثورة السورية في تلك المناطق وتثبيت أركان النظام فيها.

ما أفهمه في عبارة "فلسطين هي البوصلة" هي أنّ فلسطين هي بوصلة كلّ الشعوب العربية الِأخرى في المطالبة بالحرية والتحرّر، وأنّ نضالات شَعبِها وانتفاضاتهم ضدّ الاحتلال تقع أمام أعين الشعوب العربية كنموذج وموضوع استلهام للثورة على الاستبداد والفساد، وما أوقنه أنّ طريق القدس لا يُمكن أن يُوجَد سوى بوجود بلاد عربية حرة ومتحرّرة من كلّ نظام قمعي استبدادي مطبّع مع الاحتلال.