25-أكتوبر-2022
 أحمد بارودي

لوحة لـ أحمد بارودي/ ليبيا

ثمّة علاقةٌ جدليّة خفيّة أو معلنة بين الشّاعر الناشئ وأسلافه الموتى من الشعراء. والمعنيّ بالأسلاف هو ذلك الكمّ الهائل من الشّعراء القدامى على اختلاف البلدان واللغات والمشارب والاتجاهات.

تبدأ تلك العلاقة على أساس الإعجاب الكبير الذي قد يصلُ حدّ القداسة. يترافق ذلك مع صعوبة في الفصل بين قدرة الشاعر الأسطورة على صنع جمال أخّاذ، وهشاشة الذّوق الفني بل وضعفه لشاعر ناشئ لم يختبر بعد أضرار القراءة ولم يقع بفخاخها.

تاريخُ الشّعر مليء بالمحبة والتعلّم والاقتباس والتّناص والاستناد. لكنّه مليء أيضًا بالصّراع وسحب البساط والتجاوز، على أن التجاوز ليس العبور إنّما صنع نتاج إبداعيّ مواز وملائم للعصر للمعاش

تاريخُ الشّعر مليء بالمحبة والتعلّم والاقتباس والتّناص والاستناد. لكنّه مليء أيضًا بالصّراع وسحب البساط والتجاوز، على أن التجاوز ليس العبور إنّما صنع نتاج إبداعيّ مواز وملائم للعصر للمعاش.

بالعودة للحبّ الأول فإنّ المتنبي نال حصّة الأسد منذ بدء اهتمامي بالشّعر كتابةً واطلاعًا. إذ استحوذ هذا الشاعر على حياتي حدّ اعتقادي أنّه قال كلّ شيء، وأنّ ما كتبه الشّعراء ممّن سبقوه وما كُتبَ بعده هو محض هوامش على شعره. يخلو ذلك الرأي من قسمة نقدية وإنّما هو الحبّ الأوّل الذي أعود نحوه مرّة تلوَ الأخرى حتّى الآن بفترات متقطّعة وبإعجابٍ أشدّ عقلانيّة.

لا يُمكن نكران بطولة المتنبي وقوّته وسطوته كشاعرٍ استمتع بخلود فريد في الإبداع العالمي واستطاع أن يصارع شعراء جيله ويغلبهم. لكنّ رهانه كان مع الشّعراء الفحول أي الأسلاف، التغلّب على حبّه الأول ونسيانه وتجاوزه ولعلّ تلك الرّوح أو الطّاقة هي الّتي دفعته ليقول: "ما نال أهل الجاهلية كلّهم/ شعري، ولا سمعت بسحري بابل". يرى المتنبّي أنّه استطاع أن يقهر أسلافه، يهزمهم دون أن يسفكَ دم أحد منهم إذ يُعيد المتنبّي تلك الطّاقة الّتي بزّهم بها لقوى خفيّة وربّما إلهيّة، بدلالة الفعل الماضي "نال" فلو استخدم الفعل "قال" لكانت القصّة محض جهد وتسابق مرهون بالخسارة والغلبة النسبية، ويوضح البيت التّالي ذلك أيضًا وهو بيته الشهير: "وإذا أتتك مذمتي من ناقص/ فهي الشهادة لي بأني كاملُ". يحاجج المتنبّي بطريقة فيها دهاء وحيلة مؤكدًا أنّ التشكيك بنيله ومنجه مصدره العجز، عجز النّاقص عن الوصول لما وصل إليه هو. وبعد فإنّ النقد السلبي لنتاجه وسلوكه هو شهادة تفوّق وانتصار.

دعنا من المتنبي الذي قد لا تجوز مقارنته بغيره، ولنأخذ أبو العلاء المعرّي. نراه بعد ردحٍ من الزّمن موضحًا صراعه مع أسلافه هو الآخر فيقرر وفق قصيدته الشّهيرة:"وإني وإن كنتُ الأخير زمانه/ لآتٍ بما لم يستطعه الأوائلُ".

بنبرته الحكمية والأكثر هدوءًا وأرفع قيمة، يعلنُ المعري بأنّ مجيئه آخر الزّمان لا يمنعه من تجاوز الفحول الّذين أحبّهم منذ الصّغر. إذ يبدو المعيار بالنّسبة له هو الإتيان بما عجزوا عنه. بمن في ذلك طبعًا المتنبي شاعرهُ الأكثر لمعانًا في مدوّنة الشّعر العربي، العريق الصّراع مع الفحول، وأيضًا مع الأشباح.

حديثًا، تم التعبير عن هذا الصراع بالتخلص من الأثر، وتحوّل الأسلاف إلى كمّ هائل من شعراء الأمم المتباعدة. فالشّاعر العربيّ المعاصر لم يعد معنيًّا بتجاوز شعراء جيله السّابق إذ لم يعد هؤلاء مصدره الشّعريّ الأثير. فالمصادر الشعرية الآن أشدّ تنوعًا والأسلاف لا حصر لهم، ثمّ أنّ التجاوز لم تعد فكرة جذّابة إذ إنّ صناعة أثر على الطريق لا تتطلّب محوَ الآثار الأخرى. إضافة إلى أنّ الشّعر "تخلّى" وبتعبير أصدق "أزيحَ" عن دوره الرياديّ في النّسيج الاجتماعي والثقافي التحرّري لشعب ما أو لأمّة.

تغدو الطريقة المثلى لتجاوز الأسلاف مركونة على مواجهتهم ومصارعتهم. فمن هذا الذي يمكنه الشّعور بالزهو عقب كسب جولة مع شعراء موتى!

من هنا، تغدو الطريقة المثلى لتجاوز الأسلاف مركونة على مواجهتهم ومصارعتهم. فمن هذا الذي يمكنه الشّعور بالزهو عقب كسب جولة مع شعراء موتى! باختصار إنّ قراءة الشعر خرجت وتخرجُ اليوم من حيز التقديس ليغدو التعامل على أساس المقابلة بين قارئ وشاعر لا بين شاعر ناشئ بشري وبطل أسطوريّ مخضرم.

ثمّة قولٌ مأثور في القبائل اليهودية ينفعُ في هذه العجالة: "لا تلعب مع الأشباح لئلّا تكون واحدًا منهم".

في حلبة الشّعر الضّخمة، ذلك الإرث الذي لا نملك غيره الآن، سبيلًا وتراثًا في أمّتنا العربيّة. نحن في معركة اللّعب مع الظلال. ظلال فحسب وكلّ تلك المسيرة من أجل جوهر الشّعر والحكمة التي ينبغي أن يتحلّى بها كلّ شاعر كعزاءٍ في العيش.