30-مايو-2024
امتنعت مصر عن اتخاذ موقف حاسم من احتلال معبر رفح (رويترز)

جنود أمام معبر رفح

أسقط الاحتلال الإسرائيلي كل الخطوط الحمر حول رفح. شن عملية عسكرية داخل المدينة واحتل المعبر الوحيد الذي يربط القطاع مع مصر في انتهاك صارخ لمعاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، إذ تنص المعاهدة على "التزام الطرفين بعدم اللجوء إلى التهديد، أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للطرفين"، كما تحضر المعاهدة على إسرائيل وضع أي دبابات أو معدات ثقيلة عند الشريط الحدودي مع مصر، والمسماة بالمنطقة (د) الذي تبلغ عرضها ثلاث كيلومترات.

رغم الانتهاك الصارخ لهذه المعاهدة، فقد امتنعت مصر حتى الآن عن اتخاذ موقف حاسم وعلني حيال هذا الانتهاك.

وفي خضم هذه التطورات مر قبل يومين حدث وخبر، الأول هو الاشتباك المسلح الذي وقع بين دورية مصرية وقوة للاحتلال توغلت في رفح وأدت، حسب المصادر الرسمية المصرية، إلى استشهاد ضابط مصري، لكن الأنباء تضاربت حول ما حدث، فقد قدم الجانبان روايتان متناقضتان، لكن اللافت في الأمر هو المحاولة المصرية للتقليل من الحادث، بالقول: إنّها "شكّلت لجان تحقيقيّة للنظر في الحادث واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكراره".

الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد صرح مصدر أمني رسمي مصري مطّلع أنّ "التحقيقات تشير إلى اشتباكات بين قوات الاحتلال والمقاومة أدت إلى إطلاق النار في عدة اتجاهات".

لم تتسم المواقف الرسمية المصرية منذ إطلاق إسرائيل عدوانها على غزة بالوضوح، بل شابها الكثير من التناقض والغموض 

لكن غير المتوقع هو ما كشفت عنه مصادر إعلامية إسرائيلية عن توافق مصري إسرائيلي على إنهاء القضيّة. كما تحدث مصدر أمني رفيع مصري لهيئة "البث العامة" العبرية، قائلًا إنّه "لا أحد لديه مصلحة في تفجّر هذا الأمر إلى قضيّة أكبر، سواء على المستوى الوطني أو الشعبي". وأشار المصدر إلى أنّ "مثل هذه القضايا حدثت في الماضي، دون تصعيد كبير".

من جهتها، نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مصدر مصري، قوله إنّ "الجانبين قرّرا ترك قضيّة مقتل الجندي المصري تموت بهدوء". وكشفت الصحيفة عن أنّ الجانب المصري طلب من الصحافة "الابتعاد عن هذه القضيّة".

بالتوازي مع هذا الحدث، أعلن وزير الهجرة مارك ميلر عن عزم سلطات بلاده تقديم 5 آلاف تأشيرة لإقامة مؤقتة لفلسطينيين من قطاع غزة بموجب برنامج خاص بأقارب الكنديين. وما كان لافتًا في تصريح الوزير الكندي هو إشارته إلى دور مصر وكذلك إسرائيل في "جهود إنجاح البرنامج الرامي إلى لمّ شمل الأسر في كندا".

لن نقوم بتحليل النوايا بل نقف عند حقائق ظاهرة، هناك انتهاك صارخ لمعاهدة بين طرفين، أحد الأطراف يمتنع أن يأخذ موقف مما حدث. في حادثة استشهاد الضابط المصري هناك دفع لتطويق وإنهاء القضية واعتبار الأمر حادثًا كغيره من الحوادث التي حصلت سابقًا، بل هناك تلميح ظاهر بأن هناك احتمال أن يكون للمقاومة في غزة يدًا فيما حدث؟ إضافة لذلك التصريح الكندي عن دور مصري في مسالة نقل الفلسطينيين إلى كندا التي يمكن أن تكون خطة من خطط التهجير "الناعم" من غزة، خاصة حين أشار الوزير الكندي للدور الإسرائيلي أيضًا. ما هو هذا الدور المصري؟

لم تتسم المواقف الرسمية المصرية منذ إطلاق إسرائيل عدوانها على غزة بالوضوح، بل شابها الكثير من التناقض، مثلًا حين عبرت الخارجية المصرية عن موقفها الرافض لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة خرج علينا الرئيس عبد الفتاح السيسي بموقف يدعو للغرابة، حين قال إنّ التهجير لن يكون على حساب مصر، داعيًا لـ"نقل الفلسطينيين إلى صحراء النقب حتى تنتهي إسرائيل من تصفية المقاومة" بحسب قوله.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اعتبر تهجير الفلسطينيين إلى سيناء يعني "تحويلها إلى قاعدة للإرهاب ضد إسرائيل"، وهنا يتقاطع بشكل واضح مع الموقف الإسرائيلي الذي يصم المقاومة بالإرهاب.

في حين دعت الخارجية المصرية إلى الوقف الفوري والمستدام لإطلاق النار في قطاع غزة بلا قيد أو شرط، والوصول إلى صيغة ملزمة "لإنفاذ تسوية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني وفقًا لقرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية التي تقضي بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من حزيران/يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. دعا السيسي إلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وهو موقف إسرائيلي قديم (حاليًا هناك إجماع إسرائيلي على رفض إقامة الدولة الفلسطينية).

هذا الكم في التناقض في الخطاب داخل المؤسسة الرسمية لا يعني أن هناك خلافًا في التصور، بل هو تبادل أدوار مرتبط بطبيعة الحالة الراهنة التي تصدر فيها تلك المواقف، لأن طبيعة النظام لا تحتمل أن يكون هناك عدة أراء تجاه قضية معينة.

هذا الغموض لم يتوقف عند التصريحات المعلنة، بل تعدى ذلك إلى الصمت المثير للريبة حول ممارسات على الأرض تقوم بها شركة "هلا ترافيل" لصاحبها رجل الأعمال إبراهيم العرجاني، المعروف بارتباطه بأجهزة الأمن المصرية، والتي تبتز الفلسطينيين الراغبين بالخروج من القطاع بدفع أموال طائلة من خلال تنسيقيات أمنية تديرها الشركة.

وتربحت الشركة من أهالي القطاع الساعين إلى النجاة بأرواحهم لجمع الأموال. إذ جمعت "هلا ترافيل" على مدار 4 أشهر من الحرب على غزة ما قيمته 180 مليون دولار من 36 ألف مسافر تم التنسيق لهم، وفق تقارير أجنبية. بالإضافة لنسب مئوية يدفعها التجار الخواص وهيئات إغاثة للعرجاني للسماح بدخول الشاحنات التجارية والمحملة بالمساعدات الإنسانية إلى داخل غزة.

لا أحد يطالب بردود فعل دراماتيكية من القاهرة تجاه ما يحدث، لكن لمصر دور إقليمي مهم في الصراع مع إسرائيل، ليس لمصلحة الفلسطينيين والعرب، بل لصالح أمنها القومي.

في خضم ذلك مرة خبر ثالث، متعلق بإلقاء قوات الأمن المصرية القبض على السياسي المصري المعارض أحمد الطنطاوي، من أجل تنفيذ حكم السجن لمدة عام أيدته محكمة مصرية في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"قضية التوكيلات الشعبية"، وذلك بتهمة "تداول أوراق انتخابية"، على خلفية محاولة الطنطاوي الترشح للانتخابات الرئاسية.

ربما أصبح الأمن القومي المصري مرتبطًا بمحاولة معارض الترشح لانتخابات معروفة نتائجها مسبقًا، وربما يكون الأمر برسم التطورات القادمة للعدوان المستمر على غزة، وما ستكون تداعياته على كل المنطقة، لكن الثابت هذه ليست مصر التي في خاطري.