"مذكرات كافر مغربي".. صورة من حياة الملحدين واللادينيين في المغرب

يزيد عدد الملحدين في المغرب عن 320 ألفًا (مواقع التواصل الاجتماعي)

خالقًا الضجة بين أروقة صالون الدار البيضاء الدولي للنشر والكتاب، أثار نص "مذكرات كافر مغربي" لهشام نوستيك، العديد من ردود الفعل المتباينة ما بين الإشادة والهجوم. وإجمالًا، فقد حقق الكتاب مبيعات كبيرة منذ صدوره.

أحدث كتاب "مذكرات كافر مغربي" ضجة كبير في المغرب بسبب أنه يناقش كيف تحول شاب مغربي إلى الإلحاد مدفوعًا بظروف معيشية

يحكي الكتاب من 170 صفحة متوسط الحجم، بلغة دارجة مغربية، وقائع يقول إنها حقيقية، ليوميات شاب فقير يتيم الأبوين، يسرد قصة انتقاله من الإيمان إلى الإلحاد، وكل ما شاب ذلك الانتقال مع ما عاشه صاحب المذكرات، ليصل إلى تلك النقطة، أي كتابة تلك المذكرات.

اقرأ/ي أيضًا: إسلام السوق.. إلحاد السوق

اختار هشام نوستيك، صاحب الكتاب، لسيرته الذاتية أن تكون في غلاف منمق بزخارف إسلامية، في إيحاء منه لتجسيد التناقض بين المعهود وهو الهوية البصرية الخاصة بكتب الدين، يُلبسها كتابًا يمثل موقفًا من الدين.

في تدوينة له على فيسبوك، وصف الكاتب المغربي سعيد نشيد، مضمون الكتاب بأنه "كلام مغرب القعر، من القعر وبلغة القعر، صورتنا كلنا مؤمنين وكافرين، أمام الكفر الحقيقي؛ الجوع والفقر".

بيد أنه، ولتكن ما تكون قراءتنا للكتاب ونشره، يبقى متن كهذا في فرادته مسلطًا الضوء على هامش اعتاد أن يعيش في الظل، جزعًا من سلطة المجتمع، من سلطة التقليد والحداثة في نصها التشريعي، يختبئ ملاحدة المغرب ولادينيّوه خلف ستار التقية، الستار الذي نحاول رفعه كاشفين عمّا تحته من خبايا حياتهم الاجتماعية، بين الوضع الحقوقي والقانوني.

"هكذا صرت ملحدًا"

لا يقف نوستيك في مذكراته عند محاولة رسم الخط الزمني لتحوله الاعتقادي، بالسردية التقليدية، التي عادة ما تبدأ بتفكيك الدين ونقده، وصولًا إلى اللادين أو الإلحاد بالكلية؛ وإنما يتعدى ذلك إلى قولبة التجربة في شكل ملحمي، ينقلها عبر عوالم عدة، من المغرب إلى ألمانيا إلى الجهاد في البوسنة إبان حرب البلقان، والتي يفر منها عائدًا إلى ألمانيا، بعد أن اكتشف بعثة التناقضات التي يثيرها فعل الاعتقاد: "لماذا كل هذه المعاناة إذا كان رب رحيم؟". وينتقل بعده إلى نكران وجود الإله.

"يشترك مع صاحب المذكرات كثير من ملحدي المغرب، فيما يخص علل اعتقادهم"، هكذا يحكي لنا أمين (اسم مستعار)، كيف تحول من عضو في جماعة العدل والإحسان الإسلامية، إلى عدم الاعتقاد في وجود خالق. قائلًا: "كانوا يقولون لنا بأن الملائكة كانت تحفنا ونحن في جلسات الذكر، كنا صغارًا حينها وكنا نصدق. بعد ذلك عرف العالم تطورات عديدة، فصارت تأخذني التساؤلات: لما كل هذا الظلم؟ ولما يعرف عالمنا العربي كل هذه المتاعب الدموية والحروب؟ ألسنا نحن عباد الله؟ لماذا يحدث لنا كل هذا؟". 

يصل أمين إلى إجابات أسئلته ملخصة في اعتقاده بـ"نحن مقذوفون في الوجود وحدنا لنتصارع"، على حد قوله. أمّا مريم (اسم مستعار) تصنف نفسها "لا دينية" كونها تعتقد أن "الإله أعظم من أن يقيدنا بطقوس محددة لعبادته، ولا شروط تفرق بين البشر، نساء ورجال". وبالنسبة لها، فـ"العلم تطور بشكل لم تعد معه السرديات الدينية ذات منطقية، وأن الخالق أعظم من أن يؤثر فيه جسد امرأة عار بلا نقاب".

وهناك ياسين، الذي يصنف نفسه مناقضًا للجانبين، فهو لا ملحد ولا لاديني، وإنما "غير مهتم". فحسب ياسين، "الصراعات التي يقوم عليها الواقع مادية محضة، ليست دينية، وبالتالي فالاهتمام بالنقد لا على أساس ديني، بل من منطلق مادي".

من هنا فالدين بالنسبة لياسين "حدث تاريخي عارض، مثل نوع من التنظيم الاجتماعي، كان من الضروري وجوده، لكن كأي مفهوم تاريخي فهو يزاح دائمًا إلى هامش الواقع مع تقدم التاريخ". بالتالي فهو لا شأن له في المعتقد الديني، بل يوجه نقده لعمقه المادي، معيبًا على موجة ما أسماه "الإلحاد الجديد"، الذي "يغفل في نظره الصراع المادي الذي يجمع تحت جوره المؤمن والملحد، والمتدينين بكل الديانات"، على حد تعبيره. بل إنه يرى أن الإلحاد "يحمل نوعًا من العنصرية، علاوة على طابعه الصبياني" كما قال لـ"ألترا صوت".

كيف يعيش ملحد أو لا ديني مغربي؟

طرح "ألترا صوت" السؤال على من قابلهم: كيف تعيشون وسط مجتمع متدين؟ وكانت الإجابات شبه متقاربة. 

لا يزال يعيش أمين مع أسرته الصغيرة المتدينة. "يعتقد والدي في الإسلام جدًا، ويمثل له الجواب والحل لكل معضلات الحياة"، مضيفًا: "أحيانًا كثيرة أضطر لإقامة الطقوس الإسلامية من صوم وصلاة، فأنا لا زلت طالبًا جامعيًا، وليس لي استقلال مادي. وفي المقابل، لا أستطيع خسارة عائلتي لأنني أحبهم". 

أما بالنسبة لمريم، فتقول إنها خاضت صراعًا مريرًا لتحقيق استقلالها، كلفها قطيعة مع أسرتها، بدأ بخلعها للحجاب، وصولًا إلى التوقف عن الممارسات الدينية، ما كان مؤسسًا للقطيعة التي انتهت بفراقهم.

لكن ياسين على عكسهما، غير معني بالنقاشات الدينية "كي لا أجرح معتقد الآخر"، كما يقول. ولدى ياسين على كل حال، موقف معارض لما أسماه "موجة الإلحاد الجديدة"، التي يقول إنها "تطمح لهذا الشأن، لأنها غير مؤسسة على نقد مادي للواقع ووعي بصراعه الطبقي، فهي هنا تخدم مصالح المستغلين للإنسان".

بين الرفض الاجتماعي والتجريم القانوني

وفقًا للإحصائيات المتوفرة، فإن 7% على الأقل من المغاربة يصنفون أنفسهم لادينيين، وثمة ما يزيد من 320 ألفًا يعتبرون أنفسهم ملحدين، في بلد يزيد عدد سكانه على 34 مليون نسمة.

ينص الدستور المغربي على أن البلاد مملكة إسلامية. وهذه الصيغة في شكلها التشريعي المؤطر، تحدد طبيعة قانون البلاد، الذي ينهل تشريعاته من الشريعة والفقه الإسلامي، حسب المذهب المالكي الرسمي.

لكن على الرغم من ذلك، لا وجود لنص قانوني صريح يجرم تغيير الدين في المغرب، وفي المقابل وضع المُشرع المغربي نصوصًا لفرض الممارسة الدينية، وعدم خرقها علانية، هكذا نجد الفصل 222 من القانون الجنائي، الذي يجرم الإفطار العلني في يوم رمضان لمن عرف إسلامه، مجازيًا خارقه بالسجن من شهر إلى ستة أشهر، وغرامة مالية من 12 إلى 120 درهمًا.

الإلحاد في المغرب
نحو 7% من المغاربة يصنفون أنفسهم لا دينيين

وهناك كذلك الفصل 61 الذي يجرم السُّكر علنًا، ويعاقب بالسجن من شهر إلى ستة أشهر لكل من "ضبط في حالة سكر بين في الأزقة أو الطرق أو المقاهي أو الكباريهات أو في أماكن أخرى عمومية أو يغشاها العموم"، كما يقول النص القانوني، إضافة على غرامة مالية من 150 إلى 500 درهم.

باتت هذه القوانين تثير كثيرًا من اللغط في مغرب السنوات الأخيرة، والاحتجاج من قبل مختلف الفاعلين الحقوقيين في البلاد، باعتبارها تعارض المواثيق الدولية التي تلتزم بها المملكة دستوريًا.

ومن جهة أخرى يبرر المشرع وجودها، كونها حماية للمخالف، للمفطر أو السكران، من بطش العامة الذين لا يقبلون هذه المظاهر أن توجد في محيطهم اليومي.

على هذا يعلق جواد الحميدي، الناشط الحقوقي المغربي ورئيس منظمة الأقليات الدينية غير معترف بها في المغرب، في حديث له مع "ألترا صوت"، قائلًا إنه "لا يوجد قانون يجرم تغيير الدين، ولكن توجد قوانين تحرم غير المسلمين من الحقوق، مثل حق تأسيس الجمعيات (الفصل الثالث من قانون تأسيس الجمعيات)، والحرمان من ممارسة أنشطة دينية، كانتقاد الدين أو التبشير (قانون زعزعة مؤمن)، وغيرها".

ويصف الحميدي أوضاع حالات عاينها من عموم جهات المغرب بنشاطه في المنظمة، قائلًا: "قدموا لي شكاوى تتعلق بالطرد من العمل بسبب أمور دينية. لاحقًا اكتشفت أن ما يعترض سبيل هذه الفئة، بعد الاعتقالات بموجب الفصل 222، هو الطرد من العمل".

لا يوجد قانون صريح في المغرب يجرم تغيير الدين، ولكن توجد قوانين تحرم غير المسلمين أو الملحدين واللا دينيين من الحقوق

ويضيف: "وفي فاس عاينّا حالة شابة، كانت تعالج آنذاك بالمستشفى الجامعي، بعد أن حاولت الانتحار كرد فعل على ضغوطات وعنف أسرتها لرفضها الصلاة. إذن هناك ضغوطات عائلية واجتماعية". خاتمًا حديثه بقوله: "هنا تكتمل الصورة، أن هؤلاء الملحدين أو اللا دينيين، بين سندان القانون ومطرقة العائلة والمجتمع. إنهم ضحايا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الملحدون العرب.. إلحاد كيديّ؟!

المغرب.. كل شيء ساخن على جبهة الحريات