خالد البيه/ السودان

لست أدري هل يجوز لي أن أستعمل الخيال في مقال سياسي، أم لا يجوز؟ غير أنني سأستعمل حقي في الوقاحة، وأحكي عن متعة عشتها، بأن تخيّلت الشعوب العربية خرجت في مظاهرات حاشدة، مثل تلك التي قامت بها شعوب تونس ومصر وسوريا واليمن، في مطلع الربيع العربي، قبل أن يكشف عن مخالب الخيبة، وكان شعار تلك المظاهرات: "الشعب يريد إسقاط الشعب"، بعد أن أدركت حجم مسؤوليتها في الخرابات الواقعة التي تعوّدت على أن تنسب أسبابها للأنظمة فقط.

بعد نصف قرن من الاستقلالات الوطنية، لايزال العربي عاجزًا عن الترشح بعيدًا عن دائرة قبيلته

اجتمعت جامعة الدول العربية، على غير عادتها فورًا، ولم يغب عن الاجتماع إلا ممثل الدولة الإسلامية، وقيل إنهم سمحوا له بالحضور استثنائيًا، بالنظر إلى طبيعة الموضوع الاستثنائي، وهو دراسة الإجراءات التي يجب على الأنظمة اتخاذها، للحيلولة دون أن تسقط الشعوب العربية نفسها، لأن تلك الأنظمة، بما في ذلك الدولة الإسلامية/داعش، لن تجد شعوبًا رائعة مثلها، فهي لا تطالب بحقها في الانتخاب، وإن فعلت، فهي لا تمنح أصواتها للكفاءة والنزاهة، وإن فعلت، فهي لا تحمي خياراتها من تعسّفات الفلول.

هل يحق للمواطن العربي، على الأقل، ذاك الذي أحياه ربه، فبات ممكنًا له أن ينتخب، الاحتجاج على وضعٍ مريضٍ معين، قبل أن يصل إلى مرحلة يشعر فيها، وهو يقذف بورقته في الصندوق، بأنه ينتخب مشروعًا يتعلق بشعب ودولة، لا بشخص يتعلق بقبيلته؟ كثيرًا ما أصحو على مظاهرات لمواطنين جزائريين، يحتجون فيها على غياب/تغييب حقوق لهم، من طرف المجالس المشرفة على تسيير شؤونهم، وأسأل: لماذا لا يحتجون على أنفسهم أولًا؟ أليسوا هم الذين انتخبوها؟

بعد نصف قرن من الاستقلالات الوطنية، لايزال العربي عاجزًا عن الترشح بعيدًا عن دائرة قبيلته، لأنه سيُعامل على أنه أجنبي، في دائرة أخرى، وستمنح الأصوات لابن القبيلة الذي كان آخر منصب شغله رعيَ خراف العائلة، ولا تمنح له هو المدجج بالشهادات والخبرات والكفاءات، في مقابل تمكن عربٍ، بعد خمس سنوات فقط من الهجرة، إلى "أوروبا والدول المتقدمة"، بتعبير عادل إمام في فيلم "الإرهاب والكباب"، من رئاسة بلديات، وعضوية برلمانات وحكومات.

إن القرارات الصادرة عن البرلمان، تأخذ شرعيتها من الأصوات الممنوحة لمشرعي تلك القرارات، وإن حدث أن كانت نسبة المقاطعة في الانتخابات البرلمانية هزيلة، مثلما حدث في الجزائر عام 2012 وفي مصر قبل أيام، فعلى المقاطعين أن يتحملوا هامشًا من المسؤولية، في حالة صدور قرارات فاسدة عن هذا البرلمان، مثلما هو الحال مع قانون المالية 2016 في الجزائر، لأنهم مارسوا أسوأ أنواع المقاطعة: ترك المضمارِ، للثعلب والحمارِ.

المثقف العربي، من حيث المبدأ، يجب أن يقف إلى صف المعارضة، لأن مقامه الطبيعي هو "مقام لا"

ذلك أن هناك وعيًا معينًا، ينبغي أن يتوفر في المقاطعة، حتى تكون فاعلة، تمامًا مثل وجود وعي ينبغي أن يتوفر في فعل الانتخاب، حتى يكون مثمرًا. بالمناسبة: يكفي أن نراجع معنى الفعل "انتخب" في القاموس العربي، لندرك أننا لا ننتخب، حين يتاح لنا أن ننتخب، بل نزكي فقط من هو معيّن أصلًا، فالفعل "انتخب" في العربية يعني الانتقاء على أساس الجودة.

هنا أبادر إلى القول إن المثقف العربي، من حيث المبدأ، يجب أن يقف إلى صف المعارضة، لأن مقامه الطبيعي هو "مقام لا"، لكن هل هذه هي المعارضة الجديرة بالوقوف إلى صفها؟ إنها تمارس الإقصاء داخلها، تمامًا كما يحصل داخل الأنظمة، وتنخرها أنانيات الظهور، أكثر مما تنخر الأنظمة. حتى في المشهد الفلسطيني، حيث يُفترض أن ترك الأنانيات والمصالح الضيقة فرض عين على كل فصيل، بالنظر إلى طبيعة الهدف وطبيعة الاحتلال.

لقد لاحظت أن الأطراف الليبية التي اجتمعت، قبل أيام، للإعلان عن مبادئ الوفاق الوطني الجديد، أصرت كلها على التحدث أمام الكاميرات، عوضًا عن تكليف وجه معين للقيام بذلك، ما دمنا نتحدث عن الوفاق، وكذلك فعلت المعارضة الجزائرية، قبل شهور، خلال إعلانها عن ميلاد "تنسيقية الانتقال الديمقراطي". فما الحل حين يعمّ الفسادُ النظامَ والنخبَ والشعبَ والمعارضة؟

اقرأ/ي أيضًا:

كي لا نُخدع بنصرٍ آخر

رفعت الأسد.. سرايا الموت