ما معنى أن تكون جزائريًا؟

ما معنى أن تكون جزائريًا؟

أمازيغ الجزائر (Getty)

بنى أكتافيو باث كتابه "متاهة العزلة"، في مقاربة ملامح الهوية المكسيكية، من زمن الأزتيك، ووصولًا إلى زمن الكبيوتر، على هذا السؤال: ما معنى أن تكون مكسيكيًا؟ وخلص إلى القول إن حذف أي زمن من هذه الأزمنة المتعددة، هو هدم لشطر من الشخصية المكسيكية العامة.

تطرح السلطة في الجزائر مشروع دسترة اللغة الأمازيغية، لا بدافع التعاطي مع سؤال الهوية، بل خدمة لمصالحها 

أعترف أنني لم أقرأ الكتاب، بادئ الأمر، بنية الاستعانة به على إيجاد إجابة على سؤال: ما معنى أن تكون جزائريًا، لكنني وجدت نفسي أطرحه عفويًا، ما أن أنهيت الكتاب، وقد هيمن علي وجعان. الأول بسبب أن المنظومة الوطنية بكل أطيافها، الحاكمة منها وغير الحاكمة، لم تفكر في هذا السؤالَ بعمق، بعيدًا عن منطق التوفيق والتلفيق، منذ فجر الاستقلال الوطني عام 1962، ولم تستمع إلى جملة من المشاريع الجادة في هذا الإطار، بل إنها بادرت إلى تخوين أصحابها، وإخراجهم من "جنة الوطنية"، مما ضيّع على الجزائريين فرصًا ذهبية، للفصل في سؤال الهوية، والتفرغ لسؤال التنمية، والثاني بسبب أنه بعد أربعة وخمسين عامًا من الاستقلال عن فرنسا، ها هي السلطة السياسية تطرح مشروع دسترة اللغة الأمازيغية، لا بدافع التعاطي الحضاري مع سؤال الهوية، بل بدافع سياسي ضيق، يخدم مصالحها في مرحلة ضيقة.

لا شك في أن هذه الخطوة كانت مطلب نخبة واسعة من الجزائريين، منذ نصف قرن من الزمن، ووقعت في هذا الباب تضحيات كبيرة، لكن ليس بهذه الارتجالية، بعيدًا عن النقاش الثقافي الذي يصب في مسعى خلق تقبّل عام، باعتبارها لغة أصلية وليست وافدة، في ظل تراكمات من التشنج والتشنج المضاد بين المكونات المختلفة للمجتمع.

لقد آن الأوان لأن يدرك الجزائريون أن إيمانهم بالبعدين العربي والأمازيغي، في هويتهم الوطنية يدخل في معنى أن يكونوا جزائريين، وعليهم أن يعملوا على تنقية نفوسهم ونصوصهم من كل فيروسات الإلغاء والإلغاء المضاد، وهذا ما لم تبذل السلطة السياسية أي جهد لتوفيره، من خلال المنظومات المختلفة، مما يدل على أن مبادرتها إلى دسترة الأمازيغية، ليست ثمرة لقناعة، بل ثمرة لقناع، تمامًا كما فعلت سابقًا، في مفاصلَ كثيرةٍ، مع أبعاد أخرى في الهوية الوطنية، شكلت هي الأخرى فرصًا ضائعة.

الذين ظلوا يحرضون الأمازيغ على معاداة العربية، وهم يخاطبونهم بالفرنسية، لا يعرفون من الأمازيغية جملتين

إن قراءة بسيطة لردود الأفعال التي ظهرت في تصرفات الطرفين، هذه الأيام، كانت آخرَها تهجم قطاع واسع من الأمازيغ على ملكة جمالهم، بعد أن تحدثت لوسائل الإعلام باللغة العربية، تجعلنا نقف على ضرورة حتمية، ينبغي على النخب الثقافية والسياسية القيام بها، وفق وعي حاد بخطورة الرهان، وإلا كانت خطوة دسترة اللغة الأمازيغية بلا جدوى، هي العمل على فك الارتباط بين اللغة العربية في الجزائر، والمقولات القومية العربية الموغلة في الخصوصية المشرقية، حتى ينتفي نفور شرائحَ معينةٍ من الأمازيغ منها، إذ كوني عربيًا لا يعني كوني مشرقيًا على حساب خصوصياتي الجزائرية، وفك الارتباط بين الأمازيغية واللغة الفرنسية، حتى ينتفي نفور شرائح معينة من العرب منها، إذ كوني، في المقابل، أمازيغيًا لا يعني كوني فرنسيَّ الهوى على حساب جزائريتي.

هنا، على أنصار حق اللغتين في الوجود داخل الفضاء الجزائري، باعتبارهما لغتين أصيلتين فيه، ولهما في التبادل الحضاري والإنساني رصيد لا تعرفه الأجيال الجديدة، أن ينتبهوا إلى أن اللغتين كلتيهما، تمت المتاجرة بهما من طرف كثير ممن عُرفوا بالدفاع عنهما، على حساب علاقتهما التاريخية العميقة، فللعربية تجارها الذين ظلوا يحرضون الجزائريين على معاداة غيرها من اللغات، في الوقت الذي لا يعرفها فيه أولادهم، لأنهم يدرسون في مدارس أجنبية، وللأمازيغية تجارها الذين ظلوا يحرضون الأمازيغ على معاداة العربية، في الوقت الذي يخاطبونهم فيه بالفرنسية، لأنهم لا يعرفون من الأمازيغية جملتين. كل ذلك في ظل استثمار لئيم من طرف النظام السياسي في برْكة الصراع، خوفًا من ثمار بَرَكة التكامل والاتحاد، فهل خرجت فرنسا إلا بفضل تلك البَرَكة؟

اقرأ/ي أيضًا:

الأمازيغية في الجزائر.. من السجن إلى الدستور

تدريس الأمازيغية في الجزائر..الواقع والمأمول