ما الذي يحدث في السويداء؟

ما الذي يحدث في السويداء؟

من تشييع الشيخ وحيد البلعوس (فيسبوك)

المعلومات الواردة من مدينة السويداء السورية، جنوب البلاد، ذات الغالبية الدرزية، تؤكّد إخلاء النظام لمعظم مقرّاته الأمنية من العناصر النظامية، وسيطرة مجموعات تتبع "مشايخ الكرامة" على بعضها، في حين تسيطر مجموعات من "الدفاع الوطني"، الميليشيا الموالية للنظام على بعضها الآخر.

يرى "مشايخ الكرامة" أن وفيق ناصر، رئيس فرع الأمن العسكري بالسويداء، سرق مخصصات المحافظة من المحروقات

لعلّ من المفيد الإضاءة على بعض ملامح الاستقطاب في السويداء، إذ يبدو أنّ المبالغة والحماس "الفيسبوكيين"، يزيدان من ضبابية المشهد الحالي لما يجري في المدينة. يدرك العارفون بأحوال السويداء، أنّ أهالي المحافظة منقسمون في آرائهم إلى ثلاث مجموعات: مجموعة "مشايخ العقل"، أي الزعامة الدينية الرسمية للطائفة الدرزية، وتعدّ ميليشيا "الدفاع الوطني" جناحها العسكري. هذه المجموعة هي الحامل المحلي للنظام وذراعه الضاربة في السويداء، يساندها قسم من الأهالي ممن يوالون النظام على قاعدة "الذي نعرفه أفضل ممن لا نعرفه".

أما المجموعة الثانية فهم "مشايخ الكرامة"، وهم يمتلكون السلاح أيضًا، لكن من الصعب معرفة كمية هذا السلاح ونوعيّته، أو مدى تماسك المجموعة وتنظيمها. يرى "مشايخ الكرامة" أن وفيق ناصر، رجل النظام القوي، ورئيس فرع الأمن العسكري بالسويداء، هو المسؤول المباشر عن سرقة مخصصات المحافظة من المحروقات وتردي الحالة المعيشية فيها. كما يتهمونه بإطلاق قذائف الهاون على المدينة في الفترة التي شهدت اشتباكات في مطار الثعلة العسكري القريب. والأهم قيام "مشايخ الكرامة" بمنع النظام من سوق الشباب إلى الخدمة العسكرية، وكان لهذا دور كبير في اكتساب المجموعة حاملًا شعبيًا يرى فيها جهة قادرة على حمايته والحفاظ على كرامته.

وتضمّ المجموعة الثالثة أولئك المحبطين المنهكين، الذين ينتظرون المجهول بتشائم، بعد أن خنقتهم سنوات الحرب على كافة الصّعُد، خاصة الصعيد النفسي. وبالرغم مما تعيشه هذه المجموعة من إحباط إلا انها أفرزت مطلع أيلول/ سبتمبر الجاري حركة شبابية نفّذت اعتصاماً سلميًّا على مدى ثلاثة أيام أمام مبنى المحافظة، تحت شعار "خنقتونا".

كانت مطالب التحرك الأساسية خدمية، ولأنه لا يمكن بأي حال الفصل بين السويداء وما تشهده سوريا منذ آذار/ مارس 2011، فقد تخلل الاعتصامات هتافات غاضبة لا تخلو من دلالات سياسية، مثل "يا حيف سويدا ويا حيف.. شعبك واقف ع الرصيف". خلال أيام الاعتصام الثلاثة، تراوح عدد المشاركين بين 300 الى 800 معتصمًا. وأعطى المعتصمون النظام مهلة يومين لتحقيق مطالبهم أو أن الاعتصام سيستمر.

وفي أول أيام المهلة (4 أيلول/سبتمبر)، هزت ثلاث تفجيرات مدينة السويداء، استهدف أولها موكب الشيخ وحيد البلعوس، زعيم مشايخ الكرامة. تبعه تفجيران متتاليان أمام مستشفى السويداء الوطني، تزامنًا مع وصول جرحى التفجير الأول. فيما يبدو، لن يكون ما بعد هذا التاريخ كما قبله.

لدى النظام السوري شبيحة "الدفاع الوطني" و"مشايخ العقل" للتعامل مع ما يحدث في السويداء

أودت التفجيرات بالعشرات، على رأسهم الشيخ البلعوس. ولأن اغتيالات كهذه، تستهدف شخصيّات معارضة، يصعب تبرئة نظام الأسد منها، فقد قام "مشايخ الكرامة" بالسيطرة على عدة أفرع أمنية وتحطيم تمثال حافظ الأسد، وسط الساحة الرئيسية في المدينة، في ردّ فعل أولي على اغتيال قائدهم.

عمد النظام إلى الانسحاب من الأفرع الأمنية مع اشتباكات خفيفة، بقصد إبقاء الوضع ضمن حدود يستطيع معها العودة في المستقبل، معولاً على الوقت لتهدئة نفوس المشايخ الغاضبين. لينحصر الوجود الرسمي للنظام بشكله التقليدي في مربع أمني محدود محاط بالقناصات، إضافة إلى تواجده غير المباشر، من خلال أتباعه من "الدفاع الوطني"، الذين يسيطرون على بعض المقرات الأمنية.

سارع أبواق النظام إلى اتّهام "التكفيريين" و"جبهة النصرة" بالعملية، كما بثّ إعلامه اعترافات متلفزة ظهر فيها وافد أبو ترابة، من أهالي السويداء، يعلن فيها مسؤوليته عن التفجيرات. المفارقة، إلى جانب الرواية المتناقضة والمفككة الواردة في "الاعترافات"، أنّ وافد من معارضي النظام، ووفقاً لمصادر محليّة، فإنّه اختُطف على يد أعوان النظام من داخل منزل الشيخ البلعوس بعد اغتياله.

مضى تشييع الشيخ البلعوس في أجواء هادئة نسبيًّا، ما يعني أنّ الترقّب سيّد الموقف، أن انقسام الأهالي لا يزال وفق الاستقطاب الموزع بين ثلاثة اتجاهات. لعل التخوّف الأكبر هو من اقتتال داخلي، فالنظام يمتلك الكثير من الأوراق للتعامل مع ما يحدث، خصوصًا باعتماده على "الدفاع الوطني" لترهيب الأهالي، وعلى "مشايخ العقل"، باعتبارهم قادرين على إيجاد اللغة المناسبة، للتفاوض مع "مشايخ الكرامة"، خاصة وأنّ من بين هؤلاء فئة تفضّل التروي في اتخاذ القرارات، وأخرى أكثر انفعالًا وحدّة، وهو ما انعكس في تباين المواقف في البيانات الصادرة عنهم.

يبقى القول، إن تحول ما يجري في السويداء إلى ثورة شاملة ضد النظام، يعتمد بشكل خاص على وجود شخصية كاريزمية تستطيع تعويض مكان الشيخ البلعوس، وتكون قادرة على اتخاذ القرار الحاسم بالتصعيد، بعد ذلك سيكون الحسم عبر موقف المجموعة الثالثة "المخنوقة"، في انحيازها إلى هذا الفريق أو ذاك، وهو ما ستكشفه الأيام القادمة.