كيف تفاعل الشارع السوداني مع إعلان استثمارات الجيش المصري؟

كيف تفاعل الشارع السوداني مع إعلان استثمارات الجيش المصري؟

يستثمر الجيش المصري في قطاعي الطاقة والغذاء بالسودان (أ.ب)

فجر السفير المصري بالخرطوم حسام عيسى، جدلًا مصحوبًا بالحيرة في الشارع السوداني، بأن كشف لأول مرة عن استثمارات للجيش المصري في السودان، في مجالي الطاقة والغذاء. وبدا ذلك التصريح بمثابة مفاجأة مدوية للكثيرين، حتى أنه تصدر صحف الخرطوم خلال الأيام القليلة الماضية.

لأول مرة يكشف السفير المصري في الخرطوم عن استثمارات للجيش المصري في قطاعي الطاقة والغذاء بالسودان

وحرص حسام عيسى على إبراز المعلومة عقب لقاء جمعه بمساعد رئيس الجمهورية ورئيس الحزب الحاكم المكلف أحمد هارون، لافتًا إلى أن القوات المسلحة المصرية تقوم بإنشاء عدد من المخابز ومحطات الطاقة الكهربائية في السودان، في إطار ما أسماها "دعم مصر للعلاقات المشتركة"، منوهًا إلى أن اللقاء مع مساعد الرئيس السوداني، استعرض مجالات الربط السككي والكهربائي بين البلدين.

اقرأ/ي أيضًا: أزمة الخبز في السودان.. مقاومة بالحيلة لمناورات السلطة

حيرة واستفهامات

وبالرغم من أن السفير المصري في السودان اكتفى بعرض المعلومة فقط دون أي تفاصيل تذكر حول أصل تلك الاستثمارات وطبيعة الاتفاق الذي قضى بالسماح للجيش المصري بالاستثمار في مجالي الطاقة والغذاء، إلى جانب حجم المخابز ورأس المال المخصص للمهمة، ولماذا لم تعلن الحكومة السودانية عن الخبر، ولا حتى أنه أُثير في مداولات البرلمان؟ ما فتح بابًا للاستفهامات على كثير الحيرة، وبدا كما لو أن ثمة حلقة مفقودة بين الجانبين.

وجاء الخبر بعد تصعيد سياسي بين الخرطوم والقاهرة على إثر فتح الأخيرة عطاء دولي لاستكشاف واستغلال النفط والغاز في مناطق متنازع عليها بالبحر الأحمر، لكن ذلك التصعيد لم يمنع من الكشف عن دور للجيش المصري في دعم استقرار حكومة البشير، التي تعاني من ضائقة اقتصادية، كانت قد تجلت بشدة في أزمة الخبز التي ضربت البلاد منذ منتصف العام الماضي، وتسبب في موجة الاحتجاجات الجارية، حيث يعاني السودان من عجز في الموارد الأجنبية لتوفير الاحتياجات الضرورية من دقيق ودواء ووقود.

هيئة التموين والإمداد

أظهر مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي في السودان، مخبزًا، يُرجح أنه لأحد استثمارات الجيش المصري في السودان، عبر هيئة التموين والإمداد. ويعمل المخبز بأجهزة آلية حديثة وطاقة قصوى، بينما تتحرك في أرجائه كاميرات تصوير وجنود، ما يعني أن المخبز الذي ربما يكون نموذجًا فقط، تم تدشينه بالفعل.

شكوك واعتراضات

خبر استثمارات الجيش المصري في الخبز تحديدًا، أثارة حالة من السخط والسخرية في الشارع السوداني، لاسيما وأن السودان كان مرشحًا كسلة غذاء العالم.

وكتب الصحفي السوداني جعفر عباس، مستنكرًا ما جرى، قائلًا: "منذ يومين وصحف الخرطوم تبشرنا بأن أزمة الخبز في طريقها للحل لأن الجيش المصري تكرم مشكورًا وأرسل بعثة عسكرية لإقامة مخابز في السودان، بعد أن حل ذلك الجيش المشاكل التموينية في مصر، ونما إلى علمه أن السودانيين لا يعرفون كيف يشيدوا المخابز، أو ربما لم يسمعوا باختراع الرغيف".

وقال عباس، إن "الجيش المصري الذي يأتينا بالخبز والخبرة اللازمة لإعداد الخبز، هو الذي استورد القمح الفاسد قبل أشهر قليلة، ولما افتضح أمره أعلنت مصر عن تبرعها بشحنات من الدقيق للسودان، ولما علت احتجاجات الرأي العام السوداني أعلنت حكومتنا أن الدقيق يخضع للفحص".

وفي نفس السياق كتب الناشط السياسي وائل علي، تدوينة قال فيها إن "موضوع دخول الجيش المصري لدعم البشير بالخبز والأطباء، استفز مشاعر السودانيين الوطنية، وقدم أكبر دعاية لمظاهرات السادس من نيسان/أبريل المقبل، التي دعا لها تجمع المهنيين السودانيين".

بينما سخر الإعلامي السوداني فوزي بشرى على صفحته بفيسبوك مما أسماه "التعاون الإستراتيجي" بين البلدين، قائلًا: "مناورات عسكرية مصرية سودانية مشتركة لبناء مخبز". 

وما أثار حيرة الكثيرين أن السودان ليس في حاجة لمخابز آلية وإنما المشكلة تكمن بالأساس في عجز توفير الدقيق، رغم أن الخبز بات ضروريًا في المائدة السودانية بعد تنحية خيارات البدائل التقليدية مثل "الكسرة" و"الدخن"، ما يعني أن الاتفاق قضى بتوفير الدقيق والخبز معًا.

تجربة الدقيق المختلط

تحت عنوان "الخبز.. خيارات أخرى"، كتب الصحفي الهندي عز الدين، مطالبًا بتطبيق تجربة الخبز المخلوط في مصر لحل مشكلة تكلفة الدقيق في السودان. وقال الهندي إن الدقيق المخلوط من القمح والذرة الذي يأتي من أسواق أدنى سعرًا، هو "الحل الأسرع لأزمة مستفحلة". 

وأوضح الصحفي السوداني أن "الخبز الذي يستهلكه إخوتنا المصريون أرخص سعرًا بما لا يقارن، ومتوفر بكميات مهولة في كل مخبز وبقالة ومطعم"، متسائلًا: "ما الذي يجعلنا ونحن شعب فقير نعاني ونقف في الصفوف الطويلة لنحصل على خبز فاخر، من خلاصة دقيق كندي أو أسترالي أو تركي؟!".

وربما تكون خطوة دخول الجيش المصري في تعاون مع النظام الحاكم السوداني، تحوطية لإضراب عام محتمل لأصحاب المخابز الذي تفاقمت خساراتهم بسبب إجبارهم على بيع الخبز بأقل ربح، وأصبح سعر الرغيف واحد جنيه في الخرطوم وأكثر من ذلك في الولايات.

يُحتمل أن لجوء النظام السوداني لمصر في بناء مخابز، إنما من باب الحيطة من إضراب محتمل لأصحاب المخابز السودانية

ومن المرجح أن يسرع هذا الأمر من إضراب أصحاب المخابز عن العمل، في ظل موجة الاحتجاجات التي تشهدها البلاد. ولا يبدو أن الحكومة السودانية قادرة على تحمل إضراب آخر، في قطاع شديد الحيوية والضرورة، لذا قد يكون اللجوء للاستعانة بمصر حلها لتجنب مآلات مثل هذه خطوة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

من يقف وراء تفاقم الأزمة الاقتصادية في السودان؟

البشير يقمع سلمية تظاهرات السودان بالرصاص والتخوين