11-أغسطس-2023
Dale Carnegie

(الترا صوت) الناس متمركزون حول ذواتهم، مهتمون بأنفسهم

مررت هذا الأسبوع مرة أخرى بكتاب ديل كارنيجي الشهير "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس"، وعلى الرغم من اقتناعي الكبير بما طرحه من أفكار، إلا أنني لطالما استصعبت تطبيقها خلال حياتي العملية. ففي حين يدعو كارنيجي إلى التركيز على جذب الناس وكسب محبتهم وبناء الصداقات والاستثمار في إقناعهم وتجنب الجدال، وهو شيء جميل في المطلق، إلا  أنه دفعني عند قراءة بعض المقاطع للتفكير أنه كان يفضل أن يعنون الكتاب "المتملق النشيط"، ومع ذلك، بالتأكيد أطروحاته ستساعد في دفع المسيرة المهنية لأي شخص إن طبقت بحرفية.

لكن مرة أخرى وجدت من خلال بعض تجاربي الشخصية أن النموذج قد لا يكون متوازنًا دائمًا، ولا بد من مزجه ببعض الميكافيلية وقليل من العدوانية أحيانًا، فالناس متقلبون والتركيز فقط على استمالتهم وكسب حبهم لن يكون كافيًا ولا بد من تدعيمه بالاحترام والهيبة، حتى لو عنى ذلك الصدام في بعض الحالات، فهندسة صناعة القليل من الأعداء قد تكون بنفس أهمية كسب الكثير من الأصدقاء أحيانًا، والصدام قد يكون صحيًا في ظروف معينة.

الناس متقلبون والتركيز فقط على استمالتهم وكسب حبهم لن يكون كافيًا، وهندسة صناعة القليل من الأعداء قد تكون بنفس أهمية كسب الكثير من الأصدقاء أحيانًا، والصدام قد يكون صحيًا في ظروف معينة

بالإضافة لذلك، فإن الجدال ليس بالضرورة أن يكون عقيمًا دائمًا، وأحيانًا كثيرة إن أدير الجدال بطريقة صحيحة فقد يشكل وسيلة لتعميق الفهم، وبوابة للإبداع وبناء الثقة مع الطرف الآخر. ومع ذلك سأركز في هذا المقال على جانب واحد أثاره كارنيجي ألا وهو حب الناس لأنفسهم، واقتناع غالبيتهم بأنهم الممسكون بنواصي الحقيقة المطلقة، وكيف يمكن التعامل معهم والتأثير فيهم من هذا المنطلق.

الناس متمركزون حول ذواتهم، مهتمون بأنفسهم، أنانيون بطبعهم، وهو طبع ليس سيئًا بالمطلق إن حوفظ عليه ضمن الحدود المقبولة، وفي معرض حديثنا اليوم فإن فهم هذه الطبيعة البشرية وتقبلها كان أحد مداخل كارنيجي لكسب الأصدقاء والتأثير في الناس.

ففكرة خسارة أحدهم لعمله المجزي قد تؤثر فيه أكثر من خطر موت آلاف الأطفال جوعًا في منطقة نائية في العالم تبعد آلاف الكيلومترات عنه! وعليه يجب التركيز على الشخص المقابل وإشعاره بالأهمية، والتركيز على اهتماماته كمدخل لكسب وده ودعمه، وللترويج لأية فكرة، مع إبراز المكاسب والمنافع المترتبة له شخصيًا. فمعظم الناس متعطشون للشعور بالاهتمام والتقدير، وبالتأكيد سيرحبون دائمًا بتواجد من يشعرهم بذلك وسيكونون أكثر تقبلًا له مقارنة بغيره من العملانيين المباشرين.

ويطرح كارنيجي العديد من الطرق لتحقيق ذلك، بشكل عام يفضل أن تكون ودودًا ولطيفًا، وأن تحاول فهم اهتمامات الطرف الآخر ووضع مقاربتك بناءً عليها، ويجب عليك أن تقدر الناس وتشعرهم بأهميتهم، وتتيح المجال لهم للحديث عن أنفسهم واهتماماتهم، وهي مهارة ما زلت أعمل على صقلها منذ أن أخبرني أحد الأصدقاء أنني لست مركز المجرة! كما يفضل أن تطرح أفكارك بطرق جذابة تعزف على أوتارهم، وعليك العمل على وضع نفسك في مكان الطرف الآخر ومحاولة رؤية الأمور من زاويته، فهذا سيعزز فهمك لمنظوره واهتماماته بحيث تستطيع طرح أفكارك بطريقة توائم وجهة نظره، وابدأ دائمًا بما يتقبله الأخر، وما قد يتوافق عليه الطرفان بدلًا من البدء بالأمور الجدلية أو الصعبة، فكسب رفض الطرف الآخر منذ البداية سيؤدي إلى تمترسه خلف موقفه والوصول إلى طريق مسدود.

كما عرج كارنيجي على فكرة أن معظم الناس لا تتقبل النقد لا الهدام ولا حتى البناء، ففي الغالب يؤخذ النقد بشكل شخصي، وقد يجرح كبرياء الشخص المقابل ويقلل من شعوره بأهميته وبالتأكيد حينها سيثير استياءه، وحينها سيكون النقد عديم الجدوى لأنه سيضع الشخص في موقف دفاعي وعادة ما يجعله يسعى للتركيز على تبرير نفسه فقط عوضًا عن العمل على إصلاح الخطأ.

علينا دائمًا أن نتذكر بأن معظمنا لسنا بجراحي قلب، فغالبية أخطائنا بسيطة وقابلة للإصلاح وعليه يفضل تجنب مهاجمة الآخرين وإشعارهم بالفشل عند كل صغيرة وكبيرة

وعليه حاول أن لا تنتقد الناس مع أنك قد تشعر أن بعضهم يستحق فعلًا "الضرب بالنعال وليس الانتقاد فقط"، فإن أردت التأثير في الناس فيفضل تجنب انتقادهم مباشرة، ومحاولة إيصال الأفكار دون اللوم والاشارة لنواقصهم واخطائهم، والاستعاضة عن ذلك بخطاب إنساني لطيف يظهر جوانب التحسين ويركز  على مكافئة الناس على الأعمال الجيدة عوضًا عن الإشارة إلى الأخطاء، فالناس في الغالب تحركهم المشاعر لا المنطق. وفي هذا السياق تطرح الكثير من الأمثلة حول أن السواد الأعظم من أعتى المجرمين لن يلوموا أنفسهم على الفظائع التي ارتكبوها، وسيحاولون  دائمًا الترويج من خلال منطق مختل لتبرير أفعالهم، محاولين التأكيد أنهم على حق وأن الكوكب وجميع من عليه يستهدفونهم! فإذا كان هذا حال عتاة المجرمين فما بالك بالناس العاديين؟ فالمتوقع أنهم سيتمترسون في الغالب عند ارتكابهم لأي خطأ مهما صغر في نفس خندق المنطق المختل ويلومون المجرة قبل أن يفكروا بالاعتراف بخطئهم وإصلاحه، إلا من رحم ربي. فالناس لا تحب الاعتراف بأخطائها ولا تحب أن يشير أي شخص لنواقصهم.

وعلينا دائمًا أن نتذكر بأن معظمنا لسنا بجراحي قلب، فغالبية أخطائنا بسيطة وقابلة للإصلاح وعليه يفضل تجنب مهاجمة الآخرين وإشعارهم بالفشل عند كل صغيرة وكبيرة، وعلى الرغم من أن بعضهم قد يصنف كأحد أسباب ارتفاع ضغط الدم والسكتات القلبية، يفضل دائمًا عند حصول المشاكل أن تتدخل وتصلح الموقف بنفسك إن استطعت، وتعلم الطرف المقابل من خلال الممارسة الفعلية، ولنحاول دومًا تبسيط الأمور، فغالبية المليارات  الثمانية من قاطني الكوكب لن تؤدي أخطائهم لفناء البشرية، وهي أخطاء غالبيتها قابلة للإصلاح بسهولة. ولنتذكر أنه من الجميل أن تحفظ ماء وجه الطرف الاخر عند أية زلة صغيرة، فتستطيع تنبيهه لوحده ولا داع لفضحه من خلال وضع "أمة لا إله إلا الله" على البريد الإلكتروني. 

في النهاية، مع أنني شخصيًا قد أفضل نموذجًا أكثر عدوانية بقليل، فإن أفكار ديل كارنيجي تدور في جوهرها حول النجاح من خلال الابتسام وتكوين الصداقات، والتأثير على الناس من خلال اللطف وفن التقدير الحقيقي، والاستماع الفعال وإتاحة المجال للناس للتكلم عن أنفسهم واهتماماتهم، والرغبة الصادقة في فهم الآخرين والارتقاء بهم. بحيث يمكن أن تؤدي هذه المبادئ، إذا تم تبنيها وممارستها، إلى علاقات أكثر إرضاءً، ومهارات تواصل محسنة، ونجاح أكبر في مختلف مجالات الحياة.