19-مارس-2022
في مديح الحفظ

المحفوظات الأولى تغيّرنا، مثل قراءاتنا الأولى، وربما أكثر (Getty)

 كلمة الحفظ التي يتضمنها العنوان أعلاه تبدو، بالنسبة إليّ، قادمة من زمن بعيد. وبالنسبة إلى أبنائنا قد لا تعني الكلمة الكثير خلال وقت قريب.

النسيان يحتاج محفوظًا لكي يلتهمه، ونحن اليوم لا نحفظ، تقريبًا، لننسى. فقليلًا ما نقرأ، وأقلّ منه ما نكتب

صحيحٌ أنّ النسيان مظهر لأيادي اللطف بالبشر، إلا أنّه يحتاج محفوظًا لكي يلتهمه، ونحن اليوم لا نحفظ، تقريبًا، لننسى. فقليلًا ما نقرأ، وأقلّ منه ما نكتب. تتفاوت البلوى بيننا؛ منعرجات الذاكرة ذاتها وطبيعتها وقدرتها على التقاط تفاصيل دون غيرها، تختلف وتتباين، باختلاف البيئات وأنماط التعلّم المبكّرة والمواظبة على استعادة المحفوظ وتدويره. فالحافظة نفسها، كما يقول الرافعي، الذي كان من أشدّ المدافعين عن الحفظ "عن ظهر قلب" ومركزيّته في الثقافة العربية والإسلامية، تتفاوت "باعتبار الأسباب الوراثية والآفاق والعلل وما يكون من الإهمال والاستعمال ".

إلا أن الحاصل الملحوظ اليوم هو اضمحلال ثقافة الحفظ، والهجوم عليها من أساسها، والنزوع إلى ازدرائها ونسبة التخلّف إلى ممارستها، وهي مصيبة تسبق توحّش الأشكال المتعدّدة للنسيان وفوضى الذاكرة، ومظاهر ذلك من فتور القدرة على الحكي وارتخاء ملكة القصّ بل وملكة اللغة نفسها وحضورها الواعي في حياتنا. تحدث هذه الاستهانة بالحفظ وأهمّيته على الرغمَ من كونه مظهرًا للكتابة في إحدى غاياتها، أو مرحلة من مراحلها. فالحفظ إشادةٌ بالمحفوظ ومصادقة عليه، ودلالة على أن ما حُفظ، كان خليقًا به أن يُكتب ويصلنا بين دفّتين (وعلى الصورة التي أملاها الحافظ).

أذكر في صغري أن جزءًا إضافيًا من المصروف كان مشروطًا بالمحفوظ من الشعر. ما أذكره جيدًا على الأقل أني حُفّظت مرّة قصيدة طويلة من كتاب مستطرف الأبشيهي وهي قصيدة وحيدة قبضت ثمن حفظها. ثم أذكر في الإعدادية أني حفظت مختارات متفرقة من شعر العرب، كان معظمه من "جواهر الأدب". من هناك تعرّفت على القاموس، وكان لدينا في البيت "الوسيط"، والمنجد العربي في نسخة قديمة ذات غلاف أحمر. ثم تعلّمت بعد تأنيبي على إخراج تلك الكتب من المكتبة دون أن أعيدها إلى مكانها في نفس اليوم، أن أقتني نسخًا منها لتكون لي أنا وأستخدمها كيف أشاء ووقتما أشاء. 

اكتشفت لاحقًا جانبًا ساذجًا في الأمر، أو في شخصية من يمتلكون الجلَد على المذاكرة، لكنّي ما زلت أشعر بالمنّة الكبيرة لتلك الظروف التي تهيّأت لي كي أختبر الحفظ وأتعامل مع اللغة. 

أتخيّل الآن أن دهرًا بطوله قد انقضى على تلك الأيام، وأنّ طريقة عيش بأكملها صارت بالية وفق تنظيرات البيداغوجيين الجدد، تثير التندّر أو اللوم. وقد بلغ الأمر في ازدراء الحفظ وربطه بتعطيل القدرة على الفهم، أن صارت صورة الإنسان الذي ينشغل بالحفظ أو ينصح به، هي صورة تولّد السأم، كما باتت الصورة الأكثر سأمًا ترتبط بذلك الشخص الذي يرى في ذلك إنجازًا يصحّ الاستعراض به أو ملكة تنبغي تنميتها. 

غير أن الحديث عن أهمّية الحفظ في المدارس في السنوات الأخيرة، مع طوفان السوشال ميديا، ولاسيما تيك توك وإنستغرام، والتعلق الشديد بمحرّك البحث جوجل، وكأنّه روبوت يغني عن كلّ حركه ذهنيّة لا تمرّ عبره. ولا عجب أن نسمع الباحثين اليوم يتحدثون عن "أثر جوجل"، حيث تتلاشى الحاجة إلى التخزين في وعاء الحافظة، ما دام أنّ الوعاء الخارجي موجود، بل ملتصق باليد معظم الوقت. فقد سيطر جوجل على طريقة تعاطينا مع المعرفة، حتى بتنا لا نهتمّ بالمعلومات بقدر الاهتمام بمكان تخزينها (سكرين شوت، إرسال الرابط على تليغرام، مشاركته مع صديق أو صديقة أو حفظه على السوشال ميديا، في تويتر أو فيسبوك..).

في أحد الحوارات معه، يشرح بورخيس باختصار وبشكل بعيد عن التحازن والشكوى، عن كيف فقد نور عينيه وهو يقرأ ويحفظ. وقال إنه يواصل قراءة/تذكّر الكتب التي قرأها/حفظها في صباه، وأنّها تتغيّر في كل مرّة يعود إليها، كما لا تتوقّف عن تغييره أيضًا.

المحفوظات الأولى تغيّرنا، مثل قراءاتنا الأولى، وربما أكثر

وقد كان لبورخيس ذاكرة قويّة وبصرٌ حديد. وقد ألمح إلى ذلك مرّة في قصّة "فونيس الذكّير"، الذي أصابته لعنة الحفظ المفرِط التي تتضاءل معها القدرة على التفكير، ليعود عميد القرّاء في المخيال الأدبي الحديث ليمدح الظلام/النسيان في إحدى قصائده الشهيرة، وهو مديح يضمر إقرارًا بفضل الذاكرة والحفظ، وهو ما منحه عالمًا من النور جوهره الكلمات المحفوظة وخيالاتها. 

المحفوظات الأولى تغيّرنا، مثل قراءاتنا الأولى، وربما أكثر.