فيلم

فيلم "Grass Is Greener".. الحشيش على قائمة العنصريات الأمريكية

كانت الحرب على الحشيش مبررًا لخطابات عنصرية ضد السود في أمريكا (نتفلكس)

في مساحة زمنية من ساعة و37 دقيقة، صوتًا وصورة، يرتسم تاريخ الحرب على الحشيش في فيلم "Grass is Greener"، أحد إنتاجات نيتفليكس الجديدة، من إخراج الفنان البصري والمنشط التلفزي  فاب 5 فريدي، وبحبكة، كما هو مشار إليها على موقع العرض، تتلخص في "استكشاف علاقة أمريكا المعقدة بالحشيش الذي أشعل موسيقى الجاز والهيب هوب، وشن حربًا غارقة في الظلم العرقي على المخدرات".

يطرح فيلم Grass is Greener ويجيب في ذات الآن على السؤال: هل كانت الحرب على الحشيش في الأصل حربًا ضد السود في الولايات المتحدة؟

وبتحفظ- ضروري بالقدر الذي لا يفقد الشريط إثارته، تبقى الحبكة المشار إليها كأنها تدرأ الكثير من القصة، فاتحة لنا بذات الشكل مساحة عرض مستفيض، نتتبع من خلاله المحطات التي طبعت صراعًا على المنحيين الفني والسياسي. وفي التقاء الصفتين حول العشبة المخدرة، يطرح الفيلم ويجيب في ذات الآن على السؤال: هل كانت الحرب على الحشيش في الأصل حربًا ضد السود؟

اقرأ/ي أيضًا:  "الحشيش" بين المُشرّع والمجتمع في تونس ما بعد ثورة

موسيقى الجاز المنتشية

يبدأ العرض بصورة فاب 5 فريدي يتجول في شوارع بروكلين ويحكي عن بداية اهتمامه بالقنب الهندي. يقول: "ترعرعت في بروكلين نيويورك.. كان بيتنا يمتلئ بأبي وأصدقائه، الذين كانت لهم عادة إثارة النقاشات الفكرية الحماسية، مع سجائر من الحشيش ذات جودة عالية". هكذا تنطلق حبكة الفيلم، أي البحث في موقع القنب الهندي داخل الثقافة الأمريكية.

"تاريخ القنب الهندي في أمريكا له صلة طويلة بالموسيقى"، يقول فريدي، وتسترسل الصور عارضة تاريخًا كاملًا من موسيقى الجاز المنتشية. بما أن الجاز هو بداية الثورة الموسيقية في البلاد، وقبل 100 سنة، كان الجازمان (Jazzmen) أكبر مؤيدي استهلاك الحشيش في تلك الحقبة. استعملوا في ذلك أسماء تلطيفية، لم يكن جمهور تلك الحقبة يعرف عما كانوا يتحدثون، بيد أن هذه التسميات كانت مؤسسة لثقافة كاملة من "الانتشاء" لا زالت صامدة إلى الآن.

"كان تدخين الماريجوانا يساعدهم على أن يصيرو أكثر إبداعًا، وأنا مثلهم، أدخنها منذ 70 سنة" يقول شارلي غابرييل، عازف الجاز العالمي. هكذا انتقلت هذه النبتة من أقصى شرق آسيا، عابرة كلّ أقطار العالم، وصولًا إلى المكسيك ومنها إلى ولايتي تيكساس ولويزيانا مهد موسيقى الجاز.

"أنا لا أبالي بالسماح لي بحمل السلاح. كل ما أريده أن يسمح بحمل هذه البضاعة الجيدة (الحشيش)"، يقول عملاق الجاز العالمي لويس أرمسترونغ في مذكراته. ونعم كان صاحب "La vie en rose" مدخنًا مداومًا للماريجوانا، بل وأكثر من ذلك، من أوائل من ناضلوا ضد حظرها، مهددًا باعتزاله، لأنه لا يمكنه العيش في جو من القلق العارم مواجهًا خطر الاعتقال بسبب شيء تافه كحيازة بعض من الحشيش.

الحرب العنصرية على الحشيش

يعرض الفيلم تقارير تعود لبداية القرن العشرين، تتحدث عن تدخين بعض الأقليات للنبتة المخدرة. وتبرز كذلك ارتباط هذه العادة الجديدة بأكثر مجموعتين تثيران الرعب في أوساط أمريكا البيضاء؛ السود واللاتينيون. حتى أن اسم القنب الهندي عوض بالماريجوانا دلالة على ارتباط هذه النبتة بالمكسيكيين، في وقت كانت تعرف فيه أمريكا في تلك الحقبة تحولات ديموغرافية كبيرة: هجرة اليهود والإيطاليين إليها، انتقال السود للعيش في مدن الشمال. وعرفت تلك المرحلة تصاعد أكبر موجة من العنصرية، وغمرها مناخ من الكراهية ضد المهاجرين والأقليات.

 في ارتباط ذلك بالماريجوانا، تقول إحدى شهادات الفيلم لمختص في تاريخ استهلاك هذه النبتة، إن هذا القلق العنصري دائمًا ما كان يفسر بقلق من إغراء المراهقين البيض وانجذابهم لاستهلاك هذا العقار الغامض. وصولًا إلى اسم بارز تبدأ منه القصة: هاري أنسلينغر، رئيس المكتب الفدرالي لمكافحة ترويج المخدرات من 1930 إلى 1962، والذي كان أبرز ما طبع فترة خدمته حربه ضد الماريجوانا.

يعرض الفيلم الوثائقي مقطعًا تلفزيًا لأنسلينغر يعود إلى سنة 1952، يقول فيه: "قد أقول، إننا نجد إدمان المراهقين هذا في مناطق وأحياء معينة. على سبيل المثال، ويمكن أن نتفق على هذا؛ أنه يوجد بشكل طفيف في نيو إنغلاند، بينما بكثرة في نيويورك، فيلادلفيا، ديترويت، شيكاغو ونيو أورلينز". كان الجمهور وقتها يعي جيدًا ما يلمح له رئيس مكتبهم الفدرالي لمكافحة المخدرات، أي أنه يقصد المناطق التي تعيش فيها جاليات الأمريكيين الأفارقة بشكل أكبر.

وكأنه يقول إن سبب البلاء هو السود، هذا ما يؤكده شاهد آخر داخل الفيلم، لاري سلومان صاحب كتاب "تاريخ الماريجوانا"، قائلا: إن هاري أنسلينغر كان عنصريًا حتى النخاع!"، مضيفًا أن رجل الدولة الأمريكي كان دائمًا يشتغل على ترويج فكرة الدمار الذي تسببه الماريجوانا، داعمًا أقاويله في أغلب الأحيان بقصص كاذبة. قصص كانت تضج بها صفحات جرائد تلك الحقبة، والمنشورات الحائطية وحتى شاشات السينما التي كانت تعرض عليها مقاطع تحذر من استهلاك هذا العقار. كان الأشرار فيها دائمًا ملوني البشرة، والضحايا شابات وشبابًا بيضًا". وببساطة، فإن سياسة أنسلينغر لم تكن تهدف لمنع الناس من الانتشاء بالحشيش. بل كانت تمنع البيض من ارتياد نوادي الجاز، والرقص مع أشخاص من أعراق أخرى، كما تؤكد شهادة الكاتب الأمريكي ستيف هايجر.

الحشيش والموسيقى وجهان للنضال ضد العنصرية

في الخمسينات من القرن الماضي، ستعرف أمريكا انبلاج حركة ثقافية مثيرة للجدل. جيل الـBeat (الإيقاع)، والتي ضمت عددًا من وجوه الأدب الأمريكي في تلك الحقبة، أبرزهم المفكر والشاعر الكبير آلن غينسبرغ، تهدف إلى نوع من الزهد في الماديات كسبيل للتحرر، والنضال ضد العنصرية والقمع الجنسي.


آلن غينسبرغ يناضل من أجل قوننة استهلاك الحشيش (boulderweekly)

انتقل النضال من أجل تقنين الحشيش عبر هذه الحركة، وحركات أخرى كـ "الهيبي"، من سياقه الضيق والهامشي إلى نطاق النقاش العمومي. يكتب غينسبرغ: "لم ينتبه أحد بعد، أن قمع حقوق السود وثقافتهم ووعيهم في أمريكا تفاقم بسبب قوانين الماريجوانا. استخدمت الماريجوانا على نطاق واسع بين السود في هذه الدولة، وقمع استخدامها والهجوم والخلاف المستمر مع القانون، كان طريقة غير معلنة، للهجوم على الإنسان الأسود".

بذات الكيف طبع هذا النضال ثقافة المعارضة في أمريكا، وسيتصاعد في فترة الحرب الباردة والحرب على فيتنام، حيث سيتم رفع العقوبات الحبسية ضد حيازة الحشيش، كسلاح لضرب الحركات المعارضة للسياسة الخارجية الأمريكية. "أريد بيانًا لعينًا وقويًا عن الماريجوانا، أريد بيانًا يثير حنقهم بشدة. الأمر اللطيف أن كل الأوغاد الذين يطالبون بقوننة الماريجوانا من اليهود. ما خطب اليهود بحق المسيح؟ سنقوم بتوجيه ضربة للماريجوانا هذه، وسنوجه ضربة قاضية"، يقول مقطع مسجل للرئيس ريتشارد نيكسون متوعدًا المعارضين لسياساته، في حين يبين تقرير يورده الوثائقي، بصريح العبارة، أن إدارة نيكسون جرمت الماريجوانا كأداة لتمزيق المجتمعات المعارضة لسياساتها.

غير بعيد عن أمريكا، نهضت حركة ثقافية مقاومة بذات الكيف من الجزيرة الواقعة جنوبًا في عرض مياه الكاريبي، في جامايكا كانت مجتمعات الراستافارية، خلال ثلاثينات القرن الماضي، تناضل ضد الاستعمار البريطاني. وكنظرائهم من فناني موسيقى الجاز، ارتبط الإبداع عند الراستافارية، وموسيقى الريغي الجمايكي لاحقًا، بتدخين الحشيش. بل وأعطوا تلك الممارسة بعدًا روحيًا، في المقابل، كانت الضربات الموجهة لهم من أعدائهم تنقض عليهم من هذه الثغرة. لم تكن لتقبل الحكومة الاستعمارية، والوطنية بعدها، بهذه الظاهرة، لكن وبذات الشكل وجدت نفسها في مأزق عندما بلغ فنانوها العالمية، والذين خاضوا بدورهم نضالًا مريرًا من أجل قوننة الحشيش، هو ذات النضال من أجل التحرر.

ولا زالت الحرب طاحنة

في النموذج الآخر، واصل إنتاج موسيقى السود في أمريكا تطوره ارتباطًا باستهلاك الحشيش، وصولًا إلى نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، مع صعود موجة الهيب هوب. عرفت تلك الحقبة حربًا أخرى على الأقليات الهامشية، بإغراق السوق بعقاقير مخدرة صناعية، عالية الإدمان وفتاكة بالإنسان. على عكس الحشيش الذي لم تجزم بثبوت مضاره أي من الدراسات الطبية التي أجريت عليه. هكذا سينقسم نضال هؤلاء الفنانين على جبهتين: من ناحية النضال من أجل قوننة الحشيش ورفع الظلم العنصري عن المجتمعات المهمشة، ومن ناحية أخرى توعية مجتمعاتهم بأخطار المخدرات.

اقرأ/ي أيضًا: المغرب.. زراعة الحشيش في دائرة الجدل

بيد أن ذات القانون، أي قانون حظر الحشيش، في هذه الحقبة سيتجسد بشكل بنيوي كأداة عنصرية، من حيث هو يستهدف مجتمعًا من الناس بعينهم بأقصى العقوبات الحبسية، حاكمًا عليهم بمؤبد البقاء في الهامش. هكذا ينقل الشريط الوثائقي حالات عدة ممن قضوا عقودًا من حياتهم داخل الزنازين، بلا سبب غير أنهم ضبطوا وفي جيوبهم لفافة حشيش. وبلغة الأرقام، بلغ عدد المعتقلين طبقًا لقانون حظر الحشيش 659.7 ألفًا سنة 2017، وفي ذات السنة بلغت نسبة السود واللاتينيين من إجمالي المساجين 46.9% أغلبهم بجرم حيازة الحشيش.

انتقلت نبتة القنب الهندي من أقصى شرق آسيا، عابرة كلّ أقطار العالم، وصولًا إلى المكسيك ومنها إلى ولايتي تيكساس ولويزيانا مهد موسيقى الجاز

مع قوننة الماريجوانا في أغلب الولايات الأمريكية، حيث رهانات جديدة للمجتمعات المستهلكة لهذه المادة، مرتبطة بماضيها طبعًا، لتبيان مواطن خلل هذا الماضي والانتصار أخيرًا لقضيتها، فاتحة المجال لملايين من البشر الذين عاشوا طول حياتهم في الهامش المظلم، مدانين بالإجرام والفقر، ليخرجوا إلى ضوء النهار بلا خجل ولا ندم عمَّا فات من المآسي. 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

رغم تسليم "إل تشابو" والحرب على المخدرات.. المكسيك أرض العصابات الخصبة