"فلسطينيو الداخل" ... خط الدفاع الأول

احتجاج ضد سياسة هدم المنازل داخل الخط الأخضر (Getty)

يشكل "فلسطينيو الداخل" نسبة 21% تقريبًا من سكان ما يسمى "دولة إسرائيل"، حيث يصل تعدادهم إلى ما يزيد عن 1650000 نسمة (شملت سكان الداخل المحتل والشطر الشرقي من القدس والجولان حسب الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية عام 2008). 

لم تجد إسرائيل سوى التضييق على فلسطينيي الداخل عبر وسائل سياسية وعسكرية، لإجبارهم على التخلي عن فلسطينيتهم

هي نسبة تقلق الاحتلال إلى حد كبير، كما تقلق أيضًا الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تصفهم بالقنبلة الموقوتة في إسرائيل، نظرًا لتزايد أعدادهم بنسب كبيرة مقارنة باليهود، كما أنهم يشكلون خطرًا ديموغرافيًا على الدولة اليهودية حسب وصف هؤلاء، خاصة أنهم يرفضون الخدمة العسكرية الإجبارية في جيش الاحتلال، فلم تجد إسرائيل وسيلة سوى التضييق عليهم عبر وسائل سياسية، وأخرى عسكرية، لإجبارهم إما على الولاء لها والتخلي عن فلسطينيتهم، أو إجبارهم على ترك أرضهم والرحيل عنها، وهو ما صرح به نتنياهو في كلمة له السبت الفائت حيث قال: "لا يمكن القول أنا إسرائيلي في الحقوق وفلسطيني في الواجبات، من يريد أن يكون إسرائيليًا عليه أن يكون كذلك في كلا الاتجاهين".
 
لم تزل علاقة فلسطينيي الداخل بدولة الاحتلال محفوفة بالتوتر منذ عقود مضت، ففي 30 آذار/مارس 1976، أعلنت الجماهير العربية في الداخل المحتل الإضراب الشامل وتنظيم المسيرات، التي امتدت من الجليل شمالًا إلى النقب جنوبًا، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها الفلسطينيون بشكل منظم وبصفة وطنية فلسطينية في وجه المحتل منذ عام 1948، وجاء هذا الحراك بعد قيام حكومة الاحتلال بمصادرة آلاف الدونمات من الأراضي ذات الملكية الخاصة في المناطق العربية، حيث قوبل هذا الحراك بإدخال قوات إسرائيلية إلى المناطق العربية تلك، ما أدى إلى اشتعال المواجهات التي أسفرت عن سقوط ستة شهداء واعتقال المئات من الفلسطينيين، وأطلق على ذلك التاريخ اسم "يوم الأرض" الذي يحييه عموم الفلسطينيين. 

في عام 2000، عاد التوتر إلى الساحة مجددًا، عندما قام آرئيل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، باقتحام المسجد الأقصى، ما دفع فلسطينيو الداخل إلى القيام بسلسلة من المظاهرات الغاضبة، الأمر الذي أوقد شعلة الانتفاضة الثانية التي عمت كل فلسطين، وأطلق عليها "هبة الأقصى" أو "هبة أكتوبر"، التي أسفرت عن سقوط ثلاثة عشر شهيدًا فلسطينيًا من داخل الخط الأخضر، بعد أن استخدمت قوات الشرطة الرصاص الحي في قمع مظاهراتهم.

لم توقف إسرائيل مخططاتها حول آلية التخلص من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، والتي بلورت ذلك عبر مشروع "برافر" الذي أقره الكنيست الإسرائيلي عام 2013، والذي قضى بتهجير سكان عشرات من القرى في النقب جنوب فلسطين المحتلة، حيث اعتبر الفلسطينييون هذا المخطط وجهًا جديدًا لنكبة فلسطينية جديدة، حيث تضمن الاستيلاء على أكثر من 800 ألف دونم، وتهجير ما يقارب 40 ألف نسمة من بدو النقب، وتدمير 38 قرية، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن إلغاء المشروع، بعدما تعرض هو وحكومته لضغوط شعبية من قبل الفلسطينيين والأحزاب العربية داخل الخط الأخضر. قالوا "برافر" لن يمر، فلم يمر. 

كل القرارات والممارسات التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية ضد فلسطينيي الداخل هي إعلان حرب على الوجود العربي

في انتفاضة القدس، التي اندلعت شرارتها في الربع الأخير من العام الماضي، خرج "فلسطينيو الداخل" مساندين ومكملين للانتفاضة، في تأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني أينما حلّ، فقاموا بتنظيم تظاهرات كبيرة في معظم المدن المحتلة، وصلت إلى حد الاشتباك مع شرطة الاحتلال التي قامت بقمع مظاهراتهم المنددة بقتل أبناء شعبهم في الضفة والقدس واقتحام المسجد الأقصى من قبل قطعان المستوطنين، فجاء رد فعل الحكومة الإسرائيلية بإصدار قرار يحظر عمل الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر بقيادة الشيخ رائد صلاح، كما استدعت العديد من قيادات الحركة للتحقيق، وعللت حكومة الاحتلال ذلك بأن الحركة الإسلامية هي من يقف خلف تأجيج الاحتجاجات وأعمال العنف في المسجد الأقصى.

تطور المشهد ليصل إلى أبعد من ذلك، حيث خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في كلمة له السبت الفائت، ليعلن عن آخر إبداعاته الدكتاتورية، وهي فرض تشديدات أمنية ومكافحة للجريمة وفرضٌ لسلطة القانون في الوسط العربي، حيث وصف المناطق العربية بمناطق لا يطبق فيها القانون ويسود فيها التحريض الإسلامي والجريمة، حيث أطلق نتنياهو كلماته متذرعًا بعملية إطلاق نار وقعت في تل أبيب الجمعة الماضية، وأسفرت عن مقتل إسرائيليين وجرح آخرين، نفذها فلسطيني يقطن قرية عرعرة داخل الخط الأخضر، حيث استغلها نتنياهو كفرصة لتبرير وسائله الفاشية بحق الفلسطينيين هناك.

يرى فلسطينيو الداخل كل تلك القرارات والممارسات التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية ضدهم، على أنها قرار سياسي يتمثل بإعلان حرب على الوجود العربي ومساس كبير بالحقوق الديمقراطية، كما تعبّر عن مدى القلق الذي يسيطر على الحكومة الإسرائيلية خوفًا من أي ردة فعل قد تصدر عنهم، الأمر الذي سيؤدي إلى إضعاف جبهتها الداخلية، وسيؤول في النهاية إلى أمور لا يحمد عقباها. 

اقرأ/ي أيضًا:

"هبة القدس" على الحيز الإعلاني في فلسطين

فلسطين.. احتلال عيد الميلاد أيضًا