غزة.. دكاكين إعلامية!

غزة.. دكاكين إعلامية!

أندرو بنج/Getty

في قطاع غزة تنتشر المكاتب الإعلامية بشكل كبير، كونها إحدى أهم المناطق الساخنة بالأحداث في العالم. تتنافس معها شركات الإنتاج الإعلامي التي أصبحت توفر للقنوات والوكالات العالمية الصورة بكامل تفاصيلها، إضافةً إلى مراسل "عالبيعة"، وعدد من المواد الأخرى. لكن يشهد عدد من تلك الشركات تصرفات تخرج عن النطاق الإعلامي، مثل الاستغلال والتهرب من المستحقات، إضافة لسرقة خدمات بعض القنوات. وفي غزة، التي تعاني من الانقسام للعام التاسع على التوالي، لا يوجد ضوابط إعلامية حقيقية تنظمها نقابة الصحفيين أو وزارة الإعلام، لتحد من عمليات النصب أو الاستغلال أو سرقة خدمات بعض القنوات.

عدد من الصحفيين الذينَ اُستغلوا واُبتزوا وتعرضوا لعملية نصب، رفضوا إفصاح التقرير عن أسمائهم، تخوفًا من نظرة الإعلاميين لهم، ومن الشركة نفسها التي من الممكن أن تتظاهر بعد كشف سلبياتها معهم أنهم أساؤوا لها بمواقف أخلاقية أو مشاكل أخرى.

فمثلًا، إ.و عمل لدى إحدى شركات الإنتاج المعروفة في غزة، خلالها قضى عامه الأول على أنه متدرب في قسم التصوير. تقاضى مائة دولار كل شهر، وأصبح يتقاضي في عامه الثاني مائتي دولار كل شهر. ومع دخول العام الثالث له، طلب من مدير القسم أن يحصل على راتب متوسط، كما يحصل عليه أي مصور في الشركات الأخرى، لأنه يعمل وينتج عملًا كأي موظف مصور، لكن مطلبه لاقى رفضًا تامًا، بحجة أنه لا يوجد إمكانيات مالية.

عدد من الصحفيين الذينَ اُستغلوا واُبتزوا وتعرضوا لعملية نصب رفضوا إفصاح التقرير عن أسمائهم خوفًا على سمعتهم

شعر بعد مطالبته بحقه بالكثير من الإهانة والتهديد، وذلك في حال تكرار مطلبه وعدم التزامه بالتصوير والمواعيد، سيلقى طرده ويحل متدرب مكانه. لكن ما إن مضى الشهر حتى أرسل له مدير القسم ورقة تفيد بتدربه لمدة ثمانية عشر شهرًا وليس لمدة عامين، وأنهم استغنوا عن خدماته، بدون أي توضيحات. يتحدث عن أزمته بالقول: "شعر مدير الشركة أنني عبء عليهم، وبقائي يعني أنني سأطالب بحقي مرة أخرى في أي وقت، ومن الطبيعي تصرفهم كما تصرفت الكثير من الشركات مع زملائي". يؤكد أن عددًا كبيرًا من المتدربين يواجهون الأمر نفسه، يتعرضون للابتزاز.

ويدرك الصحفيون في غزة مدى استغلال بعض شركات الإنتاج الإعلامي الذي بات واضحًا لطاقات الشباب وخريجي الإعلام. فظاهرة الواسطة والمحسوبية هي العامل الأساسي في التوظيف الإعلامي المحلي في قطاع غزة، بسبب حزبية 85% من المؤسسات الإعلامية المحلية في غزة. وهكذا يبقى الطريق للتوظيف الإعلامي هي شركات الإنتاج الإعلامي التي تقدم خدمات لدى عدد من القنوات العربية والأجنبية، لكن الاستغلال حاضر فيها أيضًا.

وقد تضطر بعض الشركات لابتزاز عاملها إذا كان مصممًا على المطالبة بمستحقاته التي أهدرتها، فتعرض م.ع للابتزاز بمبلغ مستحقاته المتبقي بحجة "سمعته". وهدده مدير الشركة في حال مطالبته للمال سيتم فضحه وإساءة سمعته، وحاول أن يلومه بفعله خطأ كبير يحرمه من مستحقاته، لكنه ترك الشركة وبحث عن حقه مع عدة جهات حكومية لكن دون جدوى. يشرح بدوره: "قام مدير الشركة اتهمني بقصة لا صحة لها وتلفيق سمعة لي أني أسيء للشركة، والسبب هو تراكم مستحقاتي المالية، فوجدها طريقة يتخلص مني بها، وتقدمت بشكوى لكن لم ألق اهتمامًا من الشرطة بالقضية".

هكذا، اكتشف بعد أيام أن مدير الشركة يتلقى مقابلًا ماديًا من أعماله التلفزيونية من طرف القناة التي عمل فيها مراسلًا، ولم يعطه شيئًا. ولم يكن موقف مدير الشركة معه هو فقط، فقد أكد بعض زملائه من الشركة أنه استغل عمل مخرج ومنتج لفترة، وحتى اللحظة يطالبون بحقوقهم لكنهم لم يعملوا بنظام عقود بل عمل معهم بنظام يومي، ويتهرب منهم لليوم.

من جهة أخرى، ترى بعض شركات الإنتاج لبعض القنوات بداخل الشركات أنها مصيدة، أن تحاول إغراءها في خدماتها بأقل الأسعار. فمثلًا حاولت إحدى الشركات أن تسحب قناة عراقية تعمل في غزة منذ حوالي عامين، وخلالها قدمت لها أسعار أقل بنسبة 30% من الشركة التي تعمل معها، وبعد عدة اتصالات من الشركة، علمت الشركة الأخرى بطرح أسعار أقل منها لدى القناة، وفي حال عدم إنزال السعر ستقوم القناة بنقل مكتبها لغيرها.

ظاهرة الواسطة والمحسوبية هي العامل الأساسي في التوظيف الإعلامي المحلي في قطاع غزة بسبب حزبية 85% من المؤسسات الإعلامية

لم تقف شركات الإنتاج عند هذا الحد فقط، فترى بعضها للفتاة التي تظهر بأناقة كاملة من غير حجاب، أنها سلعة تقوم من خلالها على جذب القنوات للعمل بداخل الشركة، وتقوم بمعاملتها على أنها شيء ثمين لا يمكن إزعاجها أو حتى إتعابها، للمحافظة على أناقتها وظهورها أمام الوسط الإعلامي في غزة أو عبر القناة التي تمثلها خلال تقاريرها المصورة. تسليع المرأة كارثي أيضًا.

إحدى الشركات أعلنت عن حاجتها لمراسلة تلفزيونية تكون أنيقة، لكنها لم تصرح خلال إعلانها حاجتها لمراسلة غير محجبة. وخلال المقابلات، رفضت جميع المحجبات! تقول إحدى المتقدمات: "حصلت الفتاة على الوظيفة لأسباب شكلية وليست مهنية، فهي تتمتع بمنظر جذاب وإطلالة مصطنعة أمام الإعلام، لكنها لا تتمتع بالمهنية بالمطلق، واختيارها بناءً على أنها فتاة " فريي" (غير مرتبطة).

لكن الصدمة كانت عندما علمت أن من يقوم بإعداد التقارير لتلك الفتاة الأنيقة هو معد التقارير لدى الشركة، ولا تقوم هي إلا بالتعليق الصوتي على التقرير والوقوف أمام الكاميرا لاختتام التقرير. وتضيف "أعلم الكثير من هذه الأنواع من الشركات تقوم فقط بتسويق صورة الفتاة أمام القنوات التي تطمح بمراسلة بهذا الشكل، وكثير من المراسلات من هذا النوع يعتمدن على مظهرهن تحت إجبار الشركة وليس على المضمون الصحفي".

اقرأ/ي أيضًا:
ممرضو غزة في دائرة المجهول
محاولات "تطبيع الإعلام" تتواصل