عمّال التلفزيون الجزائري ينتفضون.. منحازون للشعب والشّارع

عمّال التلفزيون الجزائري ينتفضون.. منحازون للشعب والشّارع

بدخول عمال التلفزيون في الاحتجاجات ضد العهدة الخامسة في الجزائر، تبدو السلطات أكثر ارتباكًا (فيسبوك)

الترا صوت – فريق التحرير

منذ أن استرجعت الحكومة الجزائريّة سيادتها على الإذاعة والتلفزيون يوم 28 تشرين الثاني/أكتوبر من عام 1962، أي أربعة أشهر بعد الاستقلال الوطنيّ، وهي تتعامل على أساس كونه ملكية لها لا للشّعب، فهي لا تمرّر عبره إلا ما يخدم خطّها الافتتاحيّ في القطاعات كلّها، ما عدا الرّياضة، التّي كانت تسمح من حين لآخر للمحلّلين بأن يكونوا أحرارًا في تحليلاتهم، رغم أنّ ميزانيّة مؤسّسة التّلفزيون من جيوب المواطنين، باقتطاع مبلغ معيّن من كلّ فاتورة كهرباء.

بانضمام عمّال الإذاعة والتّلفزيون إلى نصرة الحراك الشّعبيّ في الجزائر، يكون خيار رفض الولاية الخامسة للرّئيس قد تجاوز مرحلة السّيطرة على الشّارع، إلى اختراق القلاع التّقليدية للحكومة

بعد إقرار دستور شباط/فبراير عام 1989، الذّي أقرّ التّعدّدية الحزبيّة والنّقابيّة، تمّ فتح التّلفزيون الجزائريّ، بقناته الوحيدة، لذلك أطلق عليه الشّارع اسم "اليتيمة"، ولا زالت التّسمية تلاحقه حتّى بعد تعدّد قنواته لاحقًا، أمام الأصوات المعارضة، بما فيها حزب "الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ" قبل حلّه، فكان يُغطّي نشاطات المعارضة، ويُنظّم نقاشات حرّة وساخنة، انقطعت مباشرة بعد توقيف المسار الانتخابي، وفرض حالة الطّوارئ عام 1992.

اقرأ/ي أيضًا: الطّلبة يلتحقون بالحراك الشّعبي ضدّ العهدة الخامسة لبوتفليقة

بقي الانفتاح مجرّد ذكرى

عاد التّلفزيون الحكوميّ الجزائريّ إلى عادته القديمة، بالانغلاق على صوت الحكومة وخطاباتها ومشاريعها. وما عدا الحملات الانتخابيّة البرلمانيّة والرّئاسيّة كلّ خمس سنوات، إذ يُسمح للقوائم والوجوه الحزبيّة والحرّة المترشّحة لهما بأن تمرّر برامجها، من خلال رزنامة متّفق عليها على مستوى "الهيئة الوطنيّة لمراقبة الانتخابات"، فإنّ الحراك السياسيّ والشّعبيّ لا يجد له حضورًا في نشرات التلفزيون الحكومي، خاصّةً نشرة الثّامنة ليلًا، باعتبارها الموعد الإخباريّ الأهمّ منذ عقود.

اعتمدت الإدارة الحاليّة السّياسة نفسها مع مسيرات الـ22 من شباط/ فبراير الجاري، إذ لم تشر إليها مجرّد الإشارة، رغم أنّ مسيرة الجزائر العاصمة مرّت على بعد أمتار من مقرّ التّلفزيون في شارع الشّهداء، أثناء محاولة المشاركين فيها الوصول إلى قصر الرّئاسة المعروف بقصر المراديّة. الأكثر من هذا أن إدارة التّلفزيون قامت بإحالة أحد العمّال إلى عطلة إجباريّة بسبب تعبيره، في حسابه الشّخصيّ على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن رفضه لترشيح الرّئيس بوتفليقة لولاية رئاسيّة خامسة.

حبل التعتيم قصير

بعد ثلاثة أيّام من التّعتيم المطلق على الحراك الشّعبيّ، فاجأت نشرة الثّامنة الجزائريين برصدها لمسيرات الطّلبة الجامعيين، معترفة بأنّها استقطبت أعدادًا كبيرة وبكونها عمّت الجامعات الموجودة في الجهات الأربع للبلاد، غير أنّها تجنّبت القول إنّ المطلب الوحيد الذّي رفعه المشاركون فيها- بعيدًا عن تأطير أيٍّ من المنظّمات الطّلابيّة الإحدى عشر- كان رفض الولاية الخامسة للرّئيس، قائلةً بدل ذلك إنّها مسيرات طالبت بالإصلاحات، بما جعل هذا السّلوك مؤسّسة التلفزيون محلّ سخريّة الجزائريين في مجالسهم الواقعيّة والافتراضيّة.

في ظلّ هذا التعاطي، الذّي وُصف بالنّائي عن المهنية وأصول وقواعد المهنة، خرج العشرات من الصّحفيين والمصوّرين والتّقنيين ومقدّمي النّشرات والبرامج، الأربعاء، في تجمّع داخل المقرّ العامّ للإذاعة والتّلفزيون، رافعين أصواتهم باستنكار التّعتيم على مجريات الحراك الشّعبيّ، وبفصل زميلهم الذي عبّر عن مساندته له.

أصدر المحتجّون بيانًا خاطبوا فيه المدير العامّ للتّلفزيون توفيق خلّادي، الذّي تمّ تعيينه عام 2012، قالوا فيه إنّ الحراك الشّعبيّ، الذّي تشهده البلاد منذ يوم الجمعة، وما تبعه من تطوّرات ميدانيّة متسارعة، "يضع المؤسّسة العموميّة للتّلفزيون الجزائريّ في قلب الرّهان الشّعبيّ على تحمّلها مسؤولية نقل هذه التّطورات، مهما كانت طبيعتها، للجمهور بموضوعيّة تسمح للمشاهدين بالاطمئنان على أنّ المؤسّسة، التّي واجهت العنف والإرهاب، ووقفت إلى جانب الشّعب في مأساته في التّسعينات، هي نفسها المؤسّسة الإعلاميّة، التّي يجب أن تقف اليوم إلى جانبه، وهو يتطلّع إلى تحقيق مطالب واضحة لا يمكن لأيّ صحيفة أو قناة، حتّى وإن كانت عموميّة، أن تتفادى الحديث عنها، أو اختزالها في مطالب اجتماعيّة دون سواها".

خطوة جريئة لبناء رصيد مشرّف

"لقد دفع التلفزيون العموميّ، الذّي ننتمي إليه، ضريبة باهظة الثّمن، حين رفع سقف الحرّية عاليًا في مواجهة آلة القتل والدّمار، وتشبّث صحفيّوه بمبدأ حرّية التّعبير، ومبدأ الخدمة العموميّة، رغم أنّ هذا كان مكلّفًا جدًّا، ومؤلمًا فوق التّصوّرات، لكنّه كان مشرّفًا للتّلفزيون ولمهنة الصّحافة، إذ ما زلنا كصحفيين ننظر إلى صور شهداء المهنة من مؤسّستنا، فنشعر بالفخر والاعتزاز".

"إنّنا ندرك حجم التحدّيات الملقاة على عواتقنا"، يقول الموقّعون على البيان، الذي وصف بالتّاريخيّ والجريء، وتابع البيان أن "الجزائر مقبلة على موعد انتخابيّ هامّ، وهي التحدّيات التّي لا بدّ أن ترتكز على قاعدة  الخدمة العمومية، وحقّ المواطن في الإعلام، من دون تعتيم على المعلومة أو اختزال لها. وهي ممارسات ننأى بأنفسنا أن نكون أداة لها، فلا نجني من ورائها سوى التذمّر الشّعبي، وملاحقتنا بأصابع الاتهام باللّامسؤوليّة واللّامهنية والتخوين".

اقرأ/ي أيضًا: تعتيم إعلامي على حراك الشعب الجزائري.. الرد في الشارع وفيسبوك

وأكّد المحتجّون على أنهم لا يعبّرون "عن موقف سياسي ما، أو ننقل هواجس حزبيّة ما، بل نعلن انحيازنا التامّ إلى القيم، التّي يحملها مبدأ الخدمة العموميّة، حتّى لا يُقال لنا في الشّارع، حين نلتقي النّاس أثناء أدائنا لمهامنا إنّكم لا تستحقون صفة الصّحفي. وحتّى لا نتعرّض لمضايقات الجمهور المتابع، وربّما تعرّضنا لعنف البعض جسديًّا ولفظيًّا، بسبب السّياسة الإعلاميّة المنتهجة مؤخّرًا مع ما يحدث في بلادنا من تطورات".

اعتمدت الإدارة الحاليّة للتلفزيون الجزائري التعتيم على مسيرات الـ22 من شباط/ فبراير، رغم أنّ مسيرة العاصمة مرّت على بعد أمتار من مقرّ التّلفزيون في شارع الشّهداء

بانضمام عمّال الإذاعة والتّلفزيون إلى نصرة الحراك الشّعبيّ في الجزائر، يكون خيار رفض الولاية الخامسة للرّئيس قد تجاوز مرحلة السّيطرة على الشّارع، إلى اختراق القلاع التّقليدية للحكومة، التّي يصرّ وزيرها الأوّل ووجوه كثيرة ضمن تشكيلته على أنّ موعد تقديم ملفّ ترشّح الرّئيس بوتفليقة للمجلسّ الدّستوريّ يوم الثالث آذار/مارس، قرار لا رجعة فيه. فهل يصمد هذا الخيار بعد مسيرات غد الجمعة؟ 

 

اقرأ/ي أيضًا:

 بالسخرية والاحتجاجات.. جزائريون يرفضون العهدة الخامسة لبوتفليقة