عباس من نيويورك.. في انتظار التقسيم

عباس من نيويورك.. في انتظار التقسيم

عباس على منصة الجمعية العامة (أ.ف.ب)

في الـ30 من أيلول/سبتمبر 2015، واستكمالا لجلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها النيويوركي، جاء دور رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالحديث. أشهر عباس في حديثه جملة لا تحظى بتوافق فلسطيني، ستجد من يستهجنها في أي زقاق مخيم في الداخل أو الشتات تدخله الجلمة. فالفلسطيني لا ينتظر دولة خاصة، كما يراه عباس، وربما يحاول تسهيل هذه المهمة أو تحقيق هذا "الطموح"، بل ينتظر الفلسطيني دولة فلسطين، دولة تسمح لمخياله أن يتصور حدودها ومنافذها البرية والجوية والبحرية، دولة لا يختبئ رجال الأمن فيها من أمام دوريات الاحتلال، ويحصل في كثير من الحالات أن يقوم أعضاء هذه الأجهزة بوصلة تعري أمام جنود الاحتلال، اقتحام سجن أريحا في آذار/مارس 2006 لاعتقال المقاومين ليس حادثة التعري اليتيمة.

لم يتبق لدى عباس، أو السلطة الفلسطينية ما يمكن قوله

لا يتمتع الجدل الدائر حول مسألة المقترح الأفضل للمسألة الفلسطينية، وهي مسألة واضحة وقديمة، لكن الاتفاق حولها لم يتم بعد، بالاعتراف أن حل الدولتين ليس مستحيل التطبيق، لكنه يتطلب الكثير من التنازلات، فلسطينيًا ترتبط التنازلات بالحقوق المشروعة وفق القانون الدولي، ناهيك عن الحقوق التاريخية، وإسرائيليًا فإنه غير مقبول "إعطاء" الفلسطيني أي شيء، فلماذا يتخلى الاحتلال عن مستوطناته ومعسكراته ومزارعه في الضفة الغربية، ما الذي سيجبره على ذلك، والأرقام تقول بربحية كل هذه المشاريع، هذا غير ما يتعلق بالضفة كسوق لتصريف منتجات الاحتلال وتدوير عملته.

اقرأ/ي أيضًا: السلطة للمقاومة.. كفى شغبًا

لذلك لا أفق حاليًا لحل الدولتين، بل يمكن القول إنه مرفوض، تمامًا كما حل الدولة الواحدة، الذي يضمن الحقوق للطرفين، لمن ولد فلسطينيا ومن ولد إسرائيليا، وفيه الكثير من التفصيلات والثنايا التي من الخيال الذهاب إليها، ما لم تتوفر الأسس التي يمكن الاستناد عليها في التجريب والتطبيق، فهذا الحل مرفوض أيضًا، والغريب أن الرفض الصهيوني لهذا الحل، لما فيه من إنصاف، مسترخ لحالة فقدان الذاكرة الفلسطيني نحو هذا الحل.

بالعودة لخطاب الرجل، لا يغيب الاستجداء عن نبرته ولهجته، ولأجل ماذا؟ مناداة بترسيخ حل الدولتين؟ أوليس ما هو قائم في فلسطين دولة واحدة في كل فلسطين، تحكمها الحكومة الإسرائيلية ومؤسسات الدولة الأمنية.. إلخ؟! كما نال استمرار التوسع الاستيطاني تنويهًا من طرف رئيس السلطة الفلسطينية، وكذلك حصار قطاع غزة، كأن إسرائيل وحدها من تحاصر غزة، فلم يأت عباس لا على ذكر مصر، ولا أحوال الإقليم المتشابكة جميعها مع مسار المسألة الفلسطينية.

للإنصاف فإن عباس أجهد نفسه في عرض معاناة الفلسطينيين، لكن من هم الفلسطينيون؟ اكتفى الرجل بسرد أبرز الانتهاكات الفردية التي وقعت بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة، حتى أن ذاكرته استحضرت محمد الدرة، الطفل الغزي الشهيد، لكن لا بد من تذكير عباس بما للسلطة من دور في كل ذلك عبر التنسيق الأمني وقمع المقاومة وملاحقة المقاومين وقمع حقوق الشعب الفلسطيني، مما شكل ذخيرة خصبة لعصابات المستوطنين في التنمر على الفلسطينيين، وعكس الحالة التي كانت قائمة في ثمانينات وأوائل تسعينيات القرن الماضي بين الفلسطيني والمستوطن، ليمسي الفلسطيني مضطرًا لحراسة بيته من الحرق أو الرشق بالحجارة.

اقرأ/ي أيضًا: احتلال مجاني؟ لا بل رابح

لكن ما الذي يدفع بذاكرة الرئيس أن تتجاوز حتى محمد الدرة لتصل إلى مجزرة دير ياسين، ووصفها بالجريمة، لكن بتجريد محترف للمجزرة من سياقها، أوليست النكبة كلها جريمة، أولم تقع دير ياسين داخل الخط الأخضر إلى الغرب من القدس، أي في ال78% من فلسطين التي لا يريدها عباس ولا تعني السلطة في شيء.

"إلى متى تستمر انتهاكات القانون الدولي؟" سؤال اختتمت به إحدى فقرات الخطاب، كأننا أمام خطاب مدير منظمة توثيق للانتهاكات بحقوق الإنسان، وليس أمام الرجل المعاصر الأكثر حملًا للألقاب وتقلدًا للمناصب، فالمتوقع من رئيس منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وحركة فتح، أكثر من سؤال استنكاري. لكننا في حقبة مجابهة العنصرية والاستعمار بالفواكه، لم لا، ما دام تلفزيون فلسطين، التابع للسلطة الفلسطينية، يروج لأهمية الفواكه في مجابهة المستعمر عبر إحدى أغانيه المصورة.

لم يتبق لدى عباس، أو السلطة الفلسطينية، أو فتح ما يمكن قوله، ليس لتحقيق فائدة أو تقدم بالضرورة، إنما أي جملة مفهومة يمكن قولها بشأن فلسطين، بعيدًا عن لغة الوصف الإنشائي المبتسرة من كل ما من شأنه رفع وتيرة المواجهة مع إسرائيل، وهي مشتعلة في القدس والضفة المحتلتين بلا شك، وبشكل يومي، فالاهتمام منصب على ما من شأنه جلب التمويل الأورو-أمريكي للسلطة الفلسطينية، ناهيك عن "الأعطيات العربية". لذلك ليس مستهجنًا أن يتسذكر عباس إسحاق رابين، وأن يستحضره كرجل سلام، يلوم على إسرائيل اليوم أنها خانت إرثه، بينما المؤسسة الإسرائيلية صانت إرث رابين جيدًا، فها هو الرصاص الحي المتفجر عاد ليفتك براشقي الحجارة، والحرق وتكسير العظام لم ينقطع يومًا، لكن التذكار الأهم من رحلة أبو مازن إلى العالم الجديد هو لوم الرجل للمجتمع الدولي بأن قرار التقسيم "181" لم يطبق بعد!

الكلمة تزامنت مع جلسة مجلس الأمن بشأن سوريا، لم يحظ عباس بتلفزة كلمته كاملة، لكن عوضته بعض الشاشات عبر الإشارة إلى جملة أو جملتين من الخطاب، كانت كافية لفهم ما تقدم وما تأخر من حديث الرجل.

اقرأ/ي أيضًا: رابين في القدس