ظلّ شهيد الكورونا

ظلّ شهيد الكورونا

لوحة لـ بادريج ماكمياداشين/ أيرلندا

- الله يرحمه

- عظّم الله أجركم

- البقيّة في حياتكم

يمرّ المعزّون دون سلام أو تقبيل – وهذه بالنّسبة لي من فوائد الجّائحة الكثيرة - بينما أقف في استقبال الوفود بصفتي الحفيد الذّكر الوحيد لمؤسّس شركة المقاولات الكبرى، وابن أخ المرحوم.

تمرّ كبار الشخصيات، ليس قبل أن تتأكّد أنّني تعرفت عليها، حتّى تضع إشارة v في خانة تقديم الواجب في عمّي، حتى لا يُتّهموا بالتّقصير، ينزل شيخ من جيب بي أم دابليو، يتبعه مرافقان بعضلات مفتولة ولحيات مشذّبة، يطلق السلام بصوت عالٍ لافتًا انتباه الحاضرين، ينتظر ثلاثين ثانية قبل أن يفتتح وعظته، يبدأ وعظته التّقليدية بالبسملة والحوقلة وغيرها من المأثورات قبل أن ينتقل إلى النّبرة الشّخصيّة ويتنقّل بين الفصحى والعامّية: "يا زينة الشباب، حرقت لنا قلبنا عليك، استعجلت علينا يا حاجّ، بعدنا ما شبعنا من جلساتك... أيّها الفارس الّذي ترجّل، إنّ القلب ليحزن وإنّ العين لتدمع على فراقك أيّها الحبيب".

وتترقرق الدمعات في عيون الحاضرين بينما ألمح بطرف عينه بريق الفوز باستدرار حزنهم، انتهى أخيرًا من خطبته بالدّعاء التقليديّ والفاتحة، انتظرَ ثلاثين ثانية أخرى قبل أن تطلّ سيارته على الباب لينهض إليها مع مرافقَيه.

تباينت علاقة العمّ بنا تبعًا لمصالحه ونزواته، لكن على الأغلب كان كشركات التأمين يلوّح لك بالمظلّة طالما لا تحتاجها، وحالما تمطر يختفي، أو لربّما في حالة عمي يكسرها على رأسك.

أسّس جدّي الشركة مع ابنيه الذكور – فالنّساء طبعًا في عائلتنا مكانهنّ محفوظ بالبيت – وكان والدي ابنه الأكبر هو في الحقيقة من يدير الأمور، وعندما رحل جدّي لم يتغيّر شيء تقريبًا، وبقيت الشركة مناصفة بينه وبين أخيه الطائش الذي كلّما اعطاه وظيفة وجد طريقة ليفتعل إشكالية "تقيه" شرّ العمل الثابت، فسيارة نقل العمل انقلبت في الرابعة صباحًا أثناء عودته من سهرته وتحطمت بينما سحبت رخصته لخمس سنوات (بعد برطلة الشرطة والكثير من الوسائط والنقود)، العمال في الورشة كانوا لا يطيقون سماع اسمه حتّى أنهم أضربوا عن العمل حتّى أخرجه والدي من هناك، فقط الحسابات المصرفيّة أنقذته من مأزقه فعمل تحت رعاية محاسب الشركة حتى صار رجل الأرقام الأوّل في الشركة، غضّ والدي النظر عن سرقاته هنا وهناك، وأجبره على إعادة بعضها كنوع من توبيخ أنه يعرف ويرى أكثر من عقاب على نقود له نصفها بكلّ الأحوال، هكذا حكت لي والدتي التي كانت ثالثة الأثافي الخفيّة في إدارة الشركة، وطالما استشارها والدي في قراراته الصّغيرة منها والكبيرة. كبر عمّي وتزوج وأنجب ابنتين وباءت محاولاته في الإنجاب بعدها بالفشل سواء الذكور أو الإناث، ولم يملك من الشجاعة أن يتزوج بأخرى لينجب الذّكر رغم أنّه طالما هدّد بذلك... ثمّ مات والدي.

اتّصلت به أختي ياقوت، وياقوت تلك هي صخرة الثبات والجّلَدَ والحكمة التي تكشف معدنها في الأوقات الصّعبة، ولكنّ تلك قصّة أخرى قد أحكيها لكم، فجاء مسرعًا من بيتهم قبالتنا، جاء مستعدًا كأنّه أعدّ حياته لأجل تلك اللحظة، ومنذ ذلك الوقت والجثّة لم تزل حارّة، بدأ يعطي لنا الأوامر، تجاهل وصيّة والدي بعدم فتح بيت أجر، فذلك "لا يليق بمقام العائلة"، بل وأقام على قبره شاهدًا ضخمًا – بعكس الوصيّة أيضًا – "يفيه حقّه"، وعلى عكس اهتمامه بالميّت، بدأ مسلسل إهمالنا. سحب كل صلاحيات والدتي من الشركة، فالنّساء وفق الأصول مقامهن البيت، أمّا أنا فقد طردني بأقرب فرصة سنحت له حينما اختلفت معه في موقف تافه من كيفية التصرف مع أحد الزبائن النزقين، وباعتباره الوصيّ علينا صرف لنا راتبًا مضحكًا بينما الشركة تدخل الملايين، حيث ادّعى بعد وفاة والدي أن الشّركة تعاني من ضعضعة اقتصادية سببها أخطاء والدي الإدارية وتحتاج إلى خطّة إشفاء تعيدها إلى مسارها وتتطلّب شدّ الحزام، لا يمنع ذلك شراء سيارة مرسيدس بمائة وخمسين ألف دولار لزوم المنصب مثلًا، أو شراء فيلّا تصييف في أريحا، وبعض العقارات في مدن أوروبا فتلك بـ"نقود شخصيّة".

أجلس معه في المناسبات العائليّة والأعياد، أتيقّن من أمر واحد، قلبه صحراء شاسعة تبتلع كل شيء، وكلما توغّلت في استكشاف الأعماق وصلت إلى مناطق أكثر جفافًا وموتًا. أمر واحد دائمًا كان يقينًا عنده "الأصول" رغم أنها حقيقة كانت قشرة خفيفة تتسع وتصغر وفق أهواءه، لكنه دائمًا ما وجد مخرجًا من "الأصول" عبر "أصول" أخرى، ذلك هو اليقين الوحيد.

مرت سبع سنوات عجاف، عندما كَبُرَ تيقّن أنّ لا ابن ذكر سيرثه، بدأ يلين قلبه نحوي حيث صار فجأة ينادني "ابني"، وأعادني لعملي بالشركة بمعاش كبير بشكل لا يلائم الوظيفة، بل وصرف لنا مبلغًا من "أرباح الشركة"، بعد أن صرت ابنه بشهر ناداني ليتحدّث معي بأمر ضروريّ:

ـ تعرف أنت مثل ابني، وهاي الشّركة بدها مدير، وأنا بطّلت صغير (رغم أنه ما زال يُرصد مع صبايا بجيل ابنته في المدن الغريبة) واحنا الأصول نحافظ على شركتنا "جوّاة العيلة"..

فقدت القدرة على الإصغاء لكنه استمر بالحديث حتى وصل إلى جملة:

ـ بدّي أجوزك بنتي

ـ بدّيش !

أجبته ببساطة وبسرعة وحزم، سكت، غصّ ومن يومها بدأت السنوات العجاف الجديدة، وعدت إلى "مقامي" القديم كذلك الطائش، لأعود أيضًا إلى عملي القديم كمدير قسم المبيعات في شركة تبيع مواد البناء حيث فرحوا جدًا بـ"محنتي" وطردوا المدير الذي بدلني فنزلت المبيعات بـ 25%، محنتي التي لولا لطف الله والكورونا لاستمرت إلى أجل غير مسمّى.

مرّت الموجة الأولى من الجائحة بهدوء نسبي وإصابات معدودة في بيت أو بيتين، في مدينتنا الصغيرة، لكن الموجة الثانية اجتاحت كل مكان تقريبًا، وعميّ الذي لا يستطيع الّا أن يسلّم على ضيوفه ويقبّلهم ثلاثًا وفق الأصول، سرعان ما أصيب، بدأ الأمر بحرارة مرتفعة قليلًا حاول إخفاءها بل وقدم إلى العمل رغم يقيني أنه عرف بأمر مرضه، لكن وضعه تدهور سريعًا ليصل إلى المستشفى و"يَنْفُقَ" خلال أيام، مما جعلني أقدّر هذا الفايروس على سلاسة إدارته للأمور دون أن يأخذ محمل الجدّ أي أصول في تقسيم البشر إلى مقامات.

كنت أيضًا جاهزًا جدا لذلك اليوم الذي استعجل الوصول، ووفقًا لبروتوكولات العادات والتقاليد، كان بيت العزاء كالمهرجان الضخم تتوافد إليه الناس من كل حدب وصوب، عمال الشركة كلهم في عطلة لثلاثة أيام يقضونها في بيت العزاء، خيمة في مدخل بناية الشركة بها ألف كرسيّ، وجبات طعام من أفخر المطاعم في وقتي الغداء والعشاء لكل المدعوين، أجود أنواع القهوة والتمر المجهول تقدم على مدار الساعة، مقرئ قرآن حقيقي يجلس خلال "ساعات الدوم" ويرتّل القرآن ترتيلًا.

قريبًا تشرق الشمس اليوم الثالث، تقول أمّي:

ـ اللي بيموت بيطولن إجريه

أقف على القبر الطريّ، أتأمّل القبر الذي عكس مقولة أمّي بدا لي ضيّقًا وقصيرًا نوعًا ما، أقف وفاء لوعدٍ قطعته على نفسي ذاتَ يوم، أحمل قنينة البيرة وأتأمّل، أفزع قليلًا عندما أتخيل نفسي بعينيّ "رنتجن" تخترق شواهد القبور وتشاهدان الجثث تتحرك في جلستها متململة من هذه الرقدة الثابتة. أسرع في تناول ما في يدي بجرعتين أو ثلاث، أفرغ مثانتي على التراب النديّ، وأعود إدراجي إلى الجامع كي أتوضأ وأصلّي صلاة الصبح لأعود بعدها إلى اليوم الأخير من "بيت الأجر".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحصة ما قبل الأخيرة

ترانيم في سماء الخسارات