شبح الكوليرا وغول التهميش.. البصرة وحدها تقاتل

شبح الكوليرا وغول التهميش.. البصرة وحدها تقاتل

من مفارقات عراق المحاصصة الطائفية أن مدينة بغنى البصرى تموت جوعًا ومرضًا (أحمد الربيعي/Getty)

وحدها الأمراض وازدياد الإصابات هي أصدق الصادقين في البصرة حتى الآن، بعد تلوّث كيميائي بلغت نسبته 100%، وتلوث جرثومي وصل إلى 60% في المياه، بحسب المصادر المختصة.

تقف البصرة اليوم أمام جملة كوارث أعمق من بعضها بعضًا، فقر وجوع وعطش وإهمال حكومي ومع كل هذا قمع ممنهج

يحتاج البصري اليوم أن  يربت على كتفه أي شيء، وحبذا لو كانت الطبيعة بمفاجآتها التي لا تنقطع، خاصّة بعدما خرج تلوث مياه الشرب عن سيطرة الحكومة في خذلان اجمع على تفاقمه الجميع. إذ وصل حجم الإصابات في عاصمة العراق الاقتصادية إلى ما يقارب الـ20 ألف حالة مرضية تتوزع بين أمراض الجهاز الهضمي والمغص المعوي الحاد وحالات القيء وأمراض كبرى، طالت عائلات بأكملها، من الكبير حتى الصغير.

اقرأ/ي أيضًا: آلاف حالات التسمم في البصرة.. مشهد مكتمل لمدينة منكوبة

قبل أن تعود إلى بغداد، هوّنت وزيرة الصحّة، عديلة حمود، من كارثة البصرة، في مؤتمرها الصحفي، في 25 آب/ أغسطس الماضي، إذ قالت، إن "كل الحالات المرضية المسجلة "بسيطة أو متوسطة"،  قرابة الـ1500 شخص" . لكن منظمات حقوق الإنسان ردّت بسرعة مطالبة بإعلان المحافظة "مدينة منكوبة"، وتحت مستوى خط المعيشة الإنساني، فيما ردّ مدير صحّة البصرة قبل أيام، بأن الإصابات وصلت إلى أكثر من 15 ألفًا، تتصاعد يوميًا مهدّدة حياة أكثر من 3 ملايين شخص، قد ينزحوا مستقبلاً من المدينة.

تعتمد البصرة على تصريف مياه قناة البدعة، لكنها وعلاوة على الكارثة، بدأت تتراجع في تزويدها لمناطق المحافظة التي شهدت انقطاع تام في مياه الإسالة، فضلاً عن انحسار المياه في الأنهر المغذية للمناطق السكنية، بحسب مفوضية حقوق الإنسان التي أرجعت أسباب الكارثة البيئية إلى عدم تشخيص المؤسسات الصحية لنوع التلوّث جرّاء انعدام المختبرات الكيميائية المتواجدة في أفقر البلدان، وليس في بلد يعد ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم يحتضر أبنائه عطشًا وأمراضًا. حيث عادت المفوضية العليا لحقوق الإنسان، مؤكدة في 29 آب/ أغسطس، وصول حالات الإصابة إلى 18 ألف حالة مرضية في البصرة، محذرة من ازدياد حالات الإصابات واحتمال تطورها إلى وباء "الكوليرا" بعد منتصف شهر أيلول/سبتمبر الجاري في حال عدم وجود حلول ناجعة تحول دون تفشي المرض.

البصريون، وبعد يأسهم من تقديم الحكومة الحلول للأزمة الكارثية، خرجوا في تظاهرات غاضبة، يوم أمس الجمعة، 31 آب/ أغسطس، للمطالبة بحل أزمتا المياه والتلوّث، في وقفة أمام مبنى الحكومة المحلية، محاولين اقتحام مبنى مجلس المحافظة. لكن القوات الأمنية، واجهتهم بالغازات المسيلة للدموع، ليفرز ذلك عدد من الإصابات بالاختناق بين صفوف المتظاهرين، وصلت إلى الأطفال، المتواجدين في التظاهرة، بحسب شهود عيان.

اقرأ/ي أيضًا: تظاهرات البصرة تتوسع في العراق.. سخط الجنوب يوحد الشارع

على ما يبدو أن المتظاهرين وبعد ضربهم بالغاز المسيل للدموع، أضرموا النيران أمام مبنى الحكومة المحلية، مع توافد تعزيزات أمنية كبيرة وصلت لمبنى المحافظة، تحسبًا لاقتحامه من قبل المتظاهرين. لكن لم تسيطر هذه التعزيزات على غضب المتظاهرين، إذ أقدموا على إحراق مبنى ديوان محافظة البصرة، وأظهرت مقاطع مصورة تصاعد النيران في بوابة مبنى محافظة البصرة، والمباني النقالة التابعة لها، كما أظهرت رمي المتظاهرين للزجاجات الحارقة/كوكتيل المولوتوف على المبنى التابع للحكومة المحلية.

لم يعرف أهل البصرة منذ مطلع أزمة مدينتهم سوى كلمات التضامن التخديرية لمطالبهم المشروعة وشكاياتهم الملحة!

فيما قامت القوات الأمنية باستعمال الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، وكذلك بدأت حملة اعتقالات واسعة في مناطق مركز المحافظة. لكن من غير الوارد أن ينتهي هذا الغضب الاحتجاجي بالرغم من الإجراءات المشددة، إذ هناك توقعات تشير إلى أن التظاهرات ستخرج عن سلميتها في قادم الأيام، فيما لو بقي التسويف وعدم تقديم الحلول للأزمة التي وصلت إلى كل بيت في البصرة رفقة صلف أمني لا يراعي ما تجابهه المدينة "المنكوبة". كما أن الحكومة، المركزية والمحلية، أيضًا لم تتوقع أن تنتهي هذه التظاهرات، وسط خوف من تصاعد وتيرة الغضب في الاحتجاجات، إذ قطعت القوات الأمنية الطريق المؤدي إلى مبنى مجلس محافظة البصرة، اليوم 1 أيلول/ سبتمبر، في وقت يقطع المتظاهرين فيه طريق البصرة بغداد.

من الظاهر أن مجمل الحالة في البصرة ذاهبة نحو التصعيد، خصوصًا، وإن لها أرضية خصبة، بعد الصراعات السياسية، بين الخط الأمريكي والإيراني في العراق في غمرة التنافس على تشكيل الحكومة، ومن الممكن أن يستخدم هذا الصراع لتعميق الأزمة، فضلًا عن الفشل المريع في إنهاء الأزمة وإنقاذ الناس مما يحدث لها من "كوارث" يحذّر منها الجميع، لكن لا أحد قادر على حلها، أو بصدد هذا الحل، كما يبدو!

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أسد البصرة".. نمذجة الشخصية العراقية

احتجاجات البصرة في العراق.. النار لا تأتي إلا بالنار!