أحمد زويل (تصوير:خالد الدسوقي/أ.ف.ب)

فارق أحمد زويل الحياة. عرفه العرب من خلال حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء، وكلمة نوبل تعني بالإنجليزية النبيل، وللمفارقة وبكل وضوح، فإن نوبل زويل لم تعكس نُبلاً على الإطلاق، فالرجل أظهر كل ما يُضاد النبل أثناء صعوده سلم المجد العلمي، من قبل نوبل وبعدها، وختم حياته بأخس ما يمكن أن يختم به أي إنسان حياته، فما بالك لو كان شخصية عامة ينتظر الناس منها مواقف ملهمة في الملمّات. ولنبدأ بقصة حصوله على نوبل.

أربعة عشر فيزيائيًا من الحاصلين على نوبل بين عامي 1978 و2010، حصلوا على جائزة وولف الإسرائيلية قبلها، وكأن وولف أضحت بمثابة التأشيرة إلى نوبل

يروج كثيرون لبراءة أقسام العلوم الطبيعية في جائزة نوبل من الأجندات غير النزيهة، الأكثر جلاءً في مجالي السلام والآداب، لما لهما من علاقة بالسياق السياسي والحضاري للأمم المختلفة في العالم، مع أن ثمة شواهد كثيرة تفند هذا الاعتقاد، ليس بناءً على إيمان أعمى بنظرية المؤامرة، بل على جدل حقيقي في الأوساط الأكاديمية والعلمية. فعلى سبيل المثال، فإن أربعة عشر فيزيائيًا من الحاصلين على نوبل في الفيزياء بين عامي 1978 و2010، كانوا قد حصلوا على جائزة وولف الإسرائيلية قبلها، وكأن وولف أضحت بمثابة التأشيرة إلى نوبل. وقد حصل زويل نفسه على جائزة وولف في 1993 قبل حصوله على نوبل، وذهب لاستلامها من القدس المحتلة وألقى خطابًا حميميًا في الكنيست الإسرائيلي، حيث تمنى فيه لو يُصاب العرب والإسرائيليون بالعدوى من الذرات المتآلفة التي يتلاعب بها في مختبره. 

اقرأ/ي أيضًا: أحمد زويل.. الشخصية العامة

في ضوء هذه المعلومة، لكم أن تتخيلوا إمكانية حصول زويل على جائزة نوبل في حال اتخذ موقفًا مشرفًا ورفض استلام جائزة وولف، كما فعل الفيزيائي الاسكتلندي بيتر هيغز عام 2004، حينما رفض السفر إلى القدس لاستلام جائزة وولف لرفضه الاحتلال، واتهم على إثر ذلك بقيادة حملة لمقاطعة إسرائيل أكاديميًا. ولولا أهمية اكتشاف جسيم هيغز في المنظمة النووية للأبحاث النووية (سيرن) عام 2012، الذي كان سمي باسمه منذ ستينيات القرن الماضي، لما كان له ربما أن يحلم بالحصول على الجائزة، إذ كانت لجنة نوبل ستجد نفسها في موقف محرج يرقى لمستوى الفضيحة لو تجاهلت الاختراق العلمي الأهم في مجال الفيزياء منذ مطلع الألفية. 

علاوة على ذلك، لم يُمارس زويل حتى حيلة "لنحاربهم من الداخل" المعروفة، فيكرر ما قام به فائزون آخرون بجائزة وولف بالإشارة، ولو من باب إسقاط العتب، إلى احتلال ما تواطأ ما يُسمى المجتمع الدولي على اعتباره وطناً للفلسطينيين من بقايا أرض في الضفة والقطاع، إذ بلغ الأمر ببعضهم حد التبرع بجزء من قيمة الجائزة المادية (100 ألف دولار) لصالح مؤسسات فلسطينية كجامعة بيرزيت، وهو ما لم يقم به زويل على الإطلاق، فاهتمامه بالمسألة لم يرق على ما يبدو حد "المساواة" بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كما يفعل كثير من الغربيين "المتعاطفين" مع قضية فلسطين. وﻷن "الملل" صار يتسلل إلى كثير من العرب كلما أُقحمت قضية فلسطين، في كثير من شؤونهم وجُعلت مدار كثيرٍ من أحكامهم على كل شيء، فلنلعب لعبة مناقشة الأمور في السياق القُطري المصري البحت، بوضع مواقف زويل من فلسطين على رف الإهمال، مع التأكيد على أنها جرائم لا تُغتفر. 

في مصر، ختم زويل سنواته السبعين بتأييد الاستبداد. فرغم أنه عاش معظم حياته في الولايات المتحدة التي حمل جنسيتها، ولمس عن قُرب أثر التداول السلمي للسلطة، وتوفير الحد الأدنى من الحريات، والإمكانيات المادية الموظفة في خدمة البحث العلمي ضمن رؤية استراتيجية واضحة، آثر أن يضنّ بكل هذا على البلد التي شرب من نيلها فوقف في صف من حرموا الناس الأكثر شبهًا به من حقهم في اختيار من يمثلهم فضلاً عن محاسبتهم. بلغت السوريالية ذروتها حين جاء أستاذ الكيمياء الفذ في معهد كاليفورنيا للتقنية (كالتك) من وراء البحار، كي يثني على رئيس انقلابي قادم من مؤسسة فاسدة، معروفة بكونها لا تضم في العادة سوى من قاربت معدلاتهم في الثانوية العامة درجات الحرارة في مصر هذه الأيام، شأنها في ذلك شأن نظرائها في البلدان العربية الأخرى. ادّعى العالم الذي تمكن من تصوير الذرات أثناء تفاعلها أنه لمس إرادة حقيقية لدى السيسي للتأسيس لنهضة علمية حقيقة، رغم أنه كان قد شاهد، كما شاهد الجميع، كيف أضحت مصر أضحوكة العالم إثر ظهور بوادر اهتمامات القوات المسلحة المصرية العلمية، وما جهاز الكفتة وعبد العاطي عنا ببعيد!

ما يزيد الحنق على زويل، أنه كان في غنىً تام، كما يظهر لنا، عن الدخول في هذه المعمعة من الأساس، فقد حاز ما يكفي من المجد الشخصي بجوائزه الكثيرة التي حاز أهمها بالكشف عن قسط وافر من خسته الباطنة كما بُيّن آنفًا، وامتلك عمله المستقر في إحدى أهم جامعات العالم، وامتلك جنسية الدولة الأقوى، ولم يكن بحاجة إلى مصر كلها فضلًا عن عصابة الانقلاب فيها، أي أنه كان قادرًا على النجاة بموقف مشرف وحيد وأخير، كان من المؤكد أنه سيشفع له عند كثير من المصريين، ومع كل هذا، خذل الرجل نفسه وخذل ملايين الشباب من أبناء بلده، وأصر على تسجيل اسمه في سجل العار بدعم انقلاب الجيش الفاسد على إرادة الشعب.

اقرأ/ي أيضًا: في ضيافة فولتير

ولأن ثمة أصوات ارتفعت لتنادي بعدم محاكمة الرجل سياسيًا بما أنه عالمٌ له قدره، نتساءل بكل إحباط عن أي سياسة يتحدث هؤلاء؟! لِمَ يصرون على تصوير ما يجري الآن من صراع بين الشعوب العربية وعصابات الطغيان على أنه مجرد سياسة، كما لو كان الأمر صراع حملات انتخابية بين حزبين في ألمانيا أو فرنسا؟! فالشعوب في هذا الجزء البائس من هذا العالم لا زالت نُقاتل من أجل انتزاع بديهيات حقوقها، وتسعى لتوفير الأبجديات الضرورية لجعل حياتها محتملة، ولذا يجدر تجريم من يختارون الوقوف في صف أي طاغية متغلب بقوة السلاح أيّما تجريم، فضلاً عن حرمانهم من تصوير الأمر كما لو كان مجرد صراع سياسي، تتساوي فيه منطلقات جميع أطرافه ودوافعهم، والأهم مبادئهم وأخلاقهم وغاياتهم. ثم قبل كل هذا، من طلب من زويل أن يترك مختبره ويُقحم نفسه في "السياسة" حيث لا مزيد مجد ولا جوائز تُسيل اللعاب؟! ألم يقدّره الرجل الأبيض بأرفع جوائزه، فما حاجته بتقدير الملونين في مصر، رغم أنهم بذلوه له مجانَا منذ أن ألبسه الغربيّ تاج نوبل؟!

 يجدر تجريم من يختارون الوقوف في صف أي طاغية متغلب بقوة السلاح أيّما تجريم، فضلًا عن حرمانهم من تصوير الأمر كما لو كان مجرد صراع سياسي

ولعل زويل يمثل شريحة معتبرة من أبناء الشعوب المقهورة في هذا العالم، فيوجد من أمثاله كثيرون يخرجون في أوائل حياتهم بحقائبهم المحمّلة بأحلام المجد في مسارح العالم الأول ومعابده وصروحه في الأكاديميا وغيرها، مشحونين باستلاب شعوبهم للسيد الأبيض، فيصلون لعالمهم الجديد وينخرطون فيه كمجرد مسننات صغيرة في آلته الميكانيكية الضخمة. حتى إذا عادوا إلى بلدانهم، استفادوا بكل انتهازية من هذا الاستلاب الذي كانوا من ضحاياه، واستجلبوا به مجدًا وهيبة أمام شعوبهم، هذا رغم أنهم لمسوا قبل غيرهم، ألا شيء سحري في ماكنة الغربي الطاحنة يبعث على كل هذه الرهبة.

ثم من قال أن ما يقوم به هؤلاء يعود بالنفع على شعوبهم، في ظل تغييب إرادتها، حتى يستحقوا الاحتفاء بهم؟! في الحقيقة، لا يعدو الحديث عن انتفاع الإنسانية جمعاء بإنجازاتهم، موجة رومانسية بائسة. من عمل في أي مركز علمي مرموق في الغرب، وخاصة في تلك الأماكن التي تفتقد بلداننا بالضرورة حتى للنسخة الأردأ منها، يعرف تمامًا أن حديثه عن استفادة بلده من درجة الدكتوراة التي جلبها بالانهماك في مطاردة الشظايا الناتجة عن تصادم بروتونات في عجلة من أمرها، كما نفعل في سيرن مثلًا حيث أعمل، يعرف أن هذا الحديث في غالب الأمر مجرد كلام للاستهلاك، يصلح فقط لمقدمات حلقاته العلمية في جامعات بلده، أو عند تقديمه في مؤتمر بائس في إحدى جامعات بلده المترهلة. دعونا نعترف أننا نعيش في عالم آخر، عالم بعيد عن عالم القوم، وأننا كدارسين وباحثين من أبناء الأمة المقهورة لسنا سوى تلك المسننات التي ذكرتها من قبل، تساهم شاءت أم أبت في تسيير عجلة آلة طحن كل شيء يتعارض مع مصلحة الأسياد البيض، التي تتصدرها حُكمًا إرادة شعوبنا التي لا تملك لثرواتنا المنهوبة نفعًا ولا ضرًا. 

ببساطة، واجب الوقت في بلادنا مختلف، وأولوياتنا مغايرة تمامًا، وأسئلتنا لها خصوصيتها التي قد تحرمنا في كثير من الأحيان من رفاهية اختيار انشغالاتنا. ثمّة أمور تبدو أبسط وأتفه بكثير من تصوير الذرات وملاحقة البروتونات في بلادنا، غدت بدماء شعوبنا وآهاتها في هذه اللحظة التاريخية من زماننا أثمن وأنبل بكثير، من كل أمجاد الجوائز المقدمة على مذابحَ قرابينها هم صديقي وأخوك، وابني وأبوك. فنوبل ليست سوى جائزة الحضارة الغربية تكرم بها نفسها بنفسها، وليست احتفاء بكونية العلوم والآداب، كما يحب أن يروج مانحوها، بقدر تعبيرها عن إعجاب الغربي بنفسه تمركزه حول ذاته، وتسمّره المُعجب أمام آلته الضخمة التي أثبتت كونيتها، إذ يقول للعالم بها أنها أثبتت نجاعتها في نحت نخبة أبنائكم من كل الألوان والأعراق، على صورة المثال في جسد الرجل الأبيض. 

لقد اختار زويل لنفسه أخذ حصته من الوقت في إدارة صفحة السيسي المخزية في التاريخ، ولبسه عارٌ كان بوسعه بأهون الأسباب استبداله بمجد لا تمحوه الأيام، وفوّت على نفسه فرصة إفادة بلده كما لم يفعل من قبل، لو كان وقف في صف أحلام الشباب بالحرية والكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص، التي خنقها السيسي في سجون ظلمه في طول البلاد وعرضها، ولكان قدّم بذلك خدمة حقيقية لبلاده وأجيال شبابها الحالية والمستقبلية، تتجاوز استقطاب بضعة مسننات مصرية جديدة، في هيئة طلاب طموحين، تدور في غياهب الماكينة الأمريكية، ولكان ذلك أجدى من مجرد المساهمة في تأسيس جامعة بائسة إضافية تحمل اسمه، لن تثمر عن شيء في ظل مصر المحكومة بالاستبداد. ولكن زويل كان وفياً لمقولته الأشهر التي اقتبسها العرب عنه، حين وصف الغربيين بأنهم "يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل"، وهو فعلاً قد دعم الفاشل السيسي الذي لا يجيد إتمام جملة مفيدة دون خطأ أو تلعثم أو سكتات مطولة تفضح غباءه، دعمه بكل ما أتاه الله من جاه في قلوب المصريين البسطاء ريثما تأكد أن الفاشل قد نجح، ولكن في وأد أحلام المصريين والعرب في دول تحمي كرامتهم وتنهض بهم في وجه هذا العالم البائس، كما نصب نفسه جنديًا يحارب في جيش السيسي الناجحين من أبناء مصر، مساهمًا بكفله في تجميل طغيان السيسي، الذي زجّ بمن نجا من من بطشه المميت من شباب مصر في سجون ظلمه، وشرّد بعضهم الآخر في بقاع الدنيا.

أما أولئك الذين بدؤوا بالنواح على مصر التي غادرها آخر عظمائها، فنرد عليهم بالقول أن مصر تنجب كل يوم من هم أنبل وأشرف من زويل، والأهم أنقى بصيرة من مصوّر الذرات. هل تعرفون صفحة السيسي الساخرة في الفيسبوك؟! هذه صفحة يُديرها شاب (أو مجموعة شباب مصريين) يتقمص فيها دور الطاغية، ويبين عبر منشوراته أكاذيبه ويفضح فساد نظامه، ويشير إلى خجل الخيال واعترافه بالعجز عن خلق مفارقات صادمة، كتلك التي يعج بها واقع مصر اليوم تحت حكم الاستبداد. بإمكان ابن زويل الأمريكي أن يُنشأ مثل هذه الصفحة ليسخر من أوباما، دون أن يتطلب الأمر إخفاء هويته، ما دام أعلن عنها صفحة ساخرة، وهي النعمة التي ساهم زويل في حجبها عن شباب مصر.

حسناً، دعوني أشرح سبب إتياني على ذكر الصفحة. أستطيع أن أتخيل مديرها شابًا مصريًا حطّم السيسي أحلامه في أحد أحياء مصر الشعبية المنسية، يجلس بملابسه الداخلية طلبًا للتخفيف من الحر في ظل انقطاع الكهرباء المتكرر، متأهباً لاقتناص لحظات عودتها لكتابة منشور جديد يسخر به من إله عبيد العسكر، حتى إذا انقطع التيار من جديد، جلس يُقاسي وطأة خمول ذكره الذي اختاره مجبرًا، بغياب هويته الحقيقية عن جمهوره العريض من الشباب الحالم بغد أفضل، ذاك الألم الذي يتصاعد كلما أبان أكثر عن إبداعه وذكائه في اقتناص عورات السفاح. كم يبدو لكم هذا العمل تافهًا وضئيلاً؟! يبقى مع ذلك أنفع وأصدق وأكثر نُبلاً من كل أبحاث زويل، وسيظل ذلك أكثر قدرة على التأثير في مسار تاريخ مصر من زويل ومجده الكاذب.

اقرأ/ي أيضًا: 

جشع الليبرالية الجديدة وأزمة الغذاء العالمية

التانجو الأخير في باريس.. الجنس وسيلة للهروب