25-يناير-2019

سعيد ناشيد

لا تخلو المراحلُ التي مرت بها البشرية من العنف، وتنوعت الغطاءات التي لجأ إليها الإنسانُ لتبرير هذه الظاهرة. ولا يمنعُ تطور المسار الحضاري من تفاقم العنفِ، إذ كثيرًا ما شهدت حقب من التاريخ ما سماه فرويد بحالةِ "الارتداد عن الحضارة"، قد يخفتُ صوتُ العنفِ في مرحلةٍ تاريخية مُعينة، أو يتخذُ أشكالًا جديدة كما لا يتمظهر فقط في الإلغاء الجسدي.

كثيرًا ما شهدت حقب من التاريخ ما سماه فرويدُ بحالة "الارتداد عن الحضارة"

لك أن تضعَ وضعَ الحروب الكلامية بين التيارات السياسية والصراع القائم بين الأيدولوجيات الذي قد يتصاعدُ في خانةِ العنف غير المُنفلت، وبذلك تتبينُ أن العنفَ متأصلُ في طبيعة الإنسان على حد قول الفيلسوف الألماني كانط.

اقرأ/ي أيضًا: الحداثة والقرآن.. تمرحل النصّ

بالطبع فإنَّ العنف المتلبس بأردية الدين قد يكونُ أشدَّ خطورة، نظرًا لتماهي المكون الديني مع هوية الشعوب وتغلغله في اللاوعي الجمعي، حيثُ إنَّ العامل الديني أكثرُ تأثيرًا في استنفار وتعبئةِ الجماعة ضد الخصوم، أو من يعتنقُ مذهبًا أو دينًا مُغايرًا. تكشفُ وقائع الحروب القائمة على خلفية دينية، سواء بين أتباع ديانات متعددة أو بين أبناء ديانة واحدة متوزعين على مذاهب مختلفة، أن النزعة الدينية هي ما يُعولُ عليه لصناعة الحشود وسوقهم إلى سواح الحروب والصراعات المُحتدمة، من هنا ندركُ ضرورة مُقاربة مَفهوم الدين وحساسية هذه العملية في آن واحد، ومن الواضح أنَّ من نصبوا أنفسهم حُراسًا للدين لايوفرون نعوتًا في معجمعهم التكفيري إلا ويخلعونها على المُخالفين لهم في الرؤية للمُعطي الديني وتفسيراتهم السكونية. ما يؤدي إلى المحدودية في فهم الدلالات، لأنَّ النصَ مهما كان أفقه واسعًا يضيقُ عندما يمرُ بالعقول الضيقة على حد تعبير أدونيس. مع أنَّ جلَّ الذين قاربوا مجال تجديد الخطاب الديني كلفتهم المُغامرة ثمنًا باهظًا، لكن المُبادرات لم تتوقف. وتتوالى المحاولاتُ في هذا الحقل المُلَغَم.

ما يقدمهُ المفكرُ المغربي سعيد ناشيد يأتي في هذا الإطار، إذ يحاولُ في مؤلفه المعنون "دليل التدين العاقل" (دار التنوير، 2017) بلورة أطروحة مُناقضة لخطاب العنف في فهم الدين وتأويله، بناءً على منظور أشمل يجمعُ بين المناهج الفلسفية والموروث الصوفي الذي يُمثل صفو الجوهر الروحي للدين.

صناعة المفاهيم

الجوهر الأساسي في منظومة الأفكار هو المفهوم الذي يعبرُ عنها ويعطيها شكلاً وتركيبةً واضحةً، أكثر من ذلك فإن المفاهيم برأي مؤلف "الحداثة والقرآن" أدوات التفكير والمُحَدَد لنمطه ومساراته، لذا فإن رحلة علاج أمراض الحضارة تنطلقُ من كشف المفاهيم العاطلة للعقل. وبالتالي فأإَّ ماتشهدهُ مُجتمعاتنا من استفحال ظاهرة العنفِ وتطاول شظاياها إلى أرجاء المعمورة هو نتيجة للخلل في المفاهيم السائدة. وما يعمقُ الأزمة على هذا الصعيد هو حالة الانفصام الناشئ من الانقسام بين الفضاء الديني الذي يستمدُ مفرداته من المُصنفات الفقهية، والفضاء السياسي المُتطلع إلى مواكبة الفلسفة السياسية الحديثة، طبعًا تستفيدُ التيارات الموتورة من هذا الوضع المُحتقن.

تجديد آليات التعاطي مع النصوص الدينية ضرورة ملحة لا يمكن تجاهلها

يضاف إلى كل ذلك معضلة أخرى يسميها المؤلفُ بعسكرة المُعطى الديني، وتفريغه من البُعد الروحي إلى أن بات آليًا ومجردَ شعارٍ، ويتمثلُ التناقضُ بين الخطاب الديني والنظام الديموقراطي بنظر سعيد ناشيد في ثلاثة مناحٍ، أولًا تقومُ الديموقراطية على مبدأ الفردانية بينما ينصهرُ الفردُ في أنظمة ثيوقراطية داخل الجماعة ويُضَيعُ هويته. ثانيًا أن العقلانية هي الوجه الآخر للديموقراطية وأن العقل أعدل قسمةً بين الناس، ونظرًا إلى هذه الصيغة الحداثوية فإنَّ الناس متساوون في القدرة على التمييز بين الحسن والقبيح، ولا مُسوغ لوصاية شخص على غيره. ثالثًا أن الديموقراطية تتطلبُ وجود ذاكرة مشتركة بالمقابل يعملُ الخطاب الديني على مفهوم أمة افتراضية. ومن أعراض المرض الحضاري الذي يشخصها صاحب "التداوي بالفلسفة" هو كراهية الغرب والرهان على انهيار المُجتمعات الغربية، وباعتبار أنَّ نهاية الحضارة الغربية بدايةُ لنهوضنا من الكبوة ويخلصُ ناشيد إلى توصيف هذه المُعتقدات بالكارثية.

اقرأ/ي أيضًا: جورج طرابيشي.. حفريات الفكر العربي

بناءً على ما سلفَ، نفهم بأنَّ تجديد آليات التعاطي مع النصوص الدينية ضرورة ملحة لا يمكن تجاهلها قبل أنَّ يتسع الخرق على الراقع. ولتلافي المصائر القاتمة يجبُ الإقرار بأنَّ داءَنا كامن في الأذهان قبل أن يتمظهر في الأعيان، على حد قول ناشيد.

قواعدُ الإيمان

بعد توقف سعيد ناشيد عند أسباب استشراس ظاهرة العنف، وهي ليست إلا نتيجة لتراكم الكراهية والاكتفاء بفهمِ ظاهر النص والقراءات المُختزلة، يُقَدِمُ المؤلفُ خمس عشرة قاعدةً تُمكنك من فهم الدين على مستوى جديد بعيدًا عن العوامل التي تُغَذي العقليات المُتشنجة. يدعم صاحب الكتاب قراءته بالنصوص المؤسسة، ويحاولُ تفسير ما يُعَدُ إشكاليًا ومثيرًا للجدلِ وفقًا للسياقات التاريخية المُحددة، بدايةً علينا الاعتراف بأنَّ الدين مسألة مُتعلقةُ بالتذوق الشخصي، كما أنَّ الشكَ لا ينفصلُ عن تركيبة الذهن البشري، إذ كثيرًا ما تُفهمُ مفردة اليقينِ الواردة في القرآن الكريم بالموت، وذلك لأنَّ الإنسان لا تنتهي شكوكهُ وأسئلته عن النشوء والبعث والآخرة إلى أن يدركه الموتُ ويتبينُ الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود.

من هنا يستنبطُ سعيد ناشيد قاعدته الأولى والأساسية وهي أن الدين رهان شخصي، ويستشهدُ بما ورد في النص المؤسِس "لا إكراه في الدين" موضحًا بأنَّ عملية تنميط الكائن الإنساني وبرمجته على المعتقدات والأيدلوجيات تنتهي إلى فساد الذوق وخسارة تلك المُعطيات الدينية والإيمانية لرسالتها الهادفة إلى تقديم إجابات بشأنِ المصير والمآل، وفي هذا الصدد يستندُ المؤلفُ أيضًا إلى آراء الفلاسفة والمفكرين، وما يقوله الفيلسوف الألماني كانط يوحي برؤية مُتبصرة، يرى صاحب "نقد العقل الخالص" أنَّ سلطة العقل لا تشملُ مُسَلَمات الدين، وتظلُ هذه المُسَلماتُ خاضعةً للمشاعر الشخصية الغامضة. إذًا الرهانات الدينية مفتوحة على اعتبارات أنطولوجية، فاليقين غير موجود في هذه الحياة وما يستخلصهُ ناشيد مدعمُ بخطاب القرآني.

تكافؤ الطرق

القاعدة الثانية تتعلقُ بمفهوم التعددية الدينية وشرح مكونات هذه القيم في القرآن الكريم، ورصد صيغ وأساليب تكرس مبدأ تكافؤ الطرق في النص المُقدس، وبهذا يكون سعيد ناشيد أقرب من الفهم الصوفي الذي يرفض المُفاضلة بين الطُرق ويقولُ جنيد البغدادي أن طريق إلى الله بعدد أنفاس البشر. ومن ثم ينتقلُ الكاتبُ إلى موضوع الثوابت في الدين، فبنظره أنَّ هناك شواهدَ تؤكدُ عدم تحجر الدين وغياب الثوابت. وأنَّ مصطلحَ السنة أوسع مما فهمناه، ويشملُ كل الابتكارات التي تنفعُ البشرية بقطع النظر عن هوية صاحبها. إضافة إلى ذلك أنَّ أقوالًا تحث على الاجتهاد في شؤون الدنيا وعدم التقيد بتجارب غير مُجدية. وهكذا يشرحُ ناشيد متون قواعد المتدين العاقل ويناقشُ مسألة الحجاب واستحالة قيام السلام بين فئتين تعتقد الأولى بأن اللهَ يأكل جسدًا آخر. وما تجبُ الإشارة إليه في هذا المضمار هو أسبقية الشريعة على العقيدة، بحيثُ أن المروق في الدين هو بإنكار الشريعة لا العقيدة، في حين نحن نعرفُ أن الشريعة هي تأويلات واجتهادات للفقهاء عاشوا في ظل ظروف وأوضاع تاريخية ألقت بظلالها على نمط تفكيرهم.

يضمُ محورُ آخر من الكتاب مقارنةً بين تجارب الغرب القاسية ونجاحهم في طي الصفحات السوداء من الحروب والتناحر الديني، فيما نحن نتراوح في زمن دائري كل حرب هي تمهيد لحروب جديدة. لذلك من العبث توقع انهيار حضارةٍ تتجدد مع كل أزمةٍ ونهوض مجتمعات تعوزها جرأة الإعتراف والمراجعة. زدْ على كل ما سلفَ ذكره أنَّ المؤلفَ يستيعدُ الإرث المنسي من التفسير العقلاني والصوفي، خصوصًا ماتتضمنه مؤلفات ابن عربي والزمخشري، ويعتقدُ بـأن وجهًا آخر من معضلتنا يكمنُ في سيادة العقل الحسي على العقل النظري أو غلبة التفسير الحرفي على حساب التفسير المجازي.

يتسم أسلوب سعيد ناشيد بالهدوء في المعالجة والصراحة في تشخيص العاهات

يحاكي المؤلف أسلوب نيتشه في الفصل الرابع من كتابه، إذ يتلقى من امرأةٍ الوصايا عن الحب والدين والحياة. وهي رمز للمعرفة والعقلانية والمتدين المُتصالح مع الذات والآخر، وأعيد نشر حوارين مع المؤلف في الفصل الخامس والأخير.

يُذكر أن أسلوب سعيد ناشيد يتسمُ بالهدوء في المعالجة والصراحة في تشخيص العاهات، والجرأة المُتعقلة في الدفع بالعصابية المُتولدة من الفهم المُتشدد للدين إلى السطح.

 

اقرأ/ي أيضًا:​

تاريخية الوعي الإسلامي ومساراته

هل كانت المعلقات "سورًا" دينية لآلهة العرب؟