"درب الصليب".. ومن الإيمان ما قتل

من الفيلم

في العام الماضي، أثناء فعاليات المهرجانات السينمائية المختلفة، كنت كعادتي أتابع التغطيات الصحافية التي تقدمها المواقع السينمائية التي أتابعها وبدا واضحًا بروز فيلمين ألمانيين عن غيرهما من الأفلام الألمانية الأخرى: "درب الصليب" و"فينيكس" كان اسمي الفيلمين.

بلقطة طويلة وثابتة، شاحبة الألوان والإضاءة تمتد لحوالي ربع الساعة، يفتتح المخرج الألماني ديتريتش بروجمان فيلمه "درب الآلام"

الأول لمخرجه الذي لم أسمع باسمه من قبل ديتريتش بروجمان Dietrich Brüggemann، والثاني لـ كريستيان بيتزولد Christian Petzold، وهو واحد من مخرجيي المفضلين وأحد أبرز أسماء "مدرسة برلين" الجديدة للسينما إلى جوار توماس أرسلان Thomas Arslan، وأنجيلا شانليك Angela Schanelec.

"فينيكس" فيلم مميز يضيف مساحة جديدة للتقدير إلى قيمة وقامة مخرجه (وممثلته المعتادة نينا هوس)، ولكن تركيزي في هذا المقال سيكون على فيلم "درب الصليب" للوافد الجديد في قائمة المخرجين الألمان الجديرين بمتابعة جديد أعمالهم (عُرض له فيلم جديد بعنوان "خلاص"في الدورة الأخيرة من مهرجان كارلوفي فاري، يناقش ظاهرة النازيين الجدد في إطار من الكوميديا السوداء).

وبقليل من البحث وصلت إلى بعض المعلومات عن ديتريتش بروجمان: من مواليد ميونيخ في عام 1976. نشا في ألمانيا وجنوب أفريقيا وعمل في صناعة الأفلام في وظائف مختلفة بين الأعوام 1997 و2000 ليقوم بدراسة الإخراج السينمائي في أكاديمية السينما والتليفزيون في مدينة "بوتسدام" القريبة من العاصمة الألمانية. بدأ هذا المخرج أولى أفلامه الروائية الطويلة عام 2006، حين أخرج فيلم "تسعة مشاهد"، قبل أن يخرج فيلمه الروائي الثاني "اركض إن استطعت" عام 2010. وفي عام 2012 أخرج فيلمه الثالث ثلاث غرف/ مطبخ/ حَمّام.
 
في فيلمه الروائي الرابع، يحيلنا عنوانه إلى الطقس المسيحي الخاص بدرب الجلجلة، الذي اختاره بروجمان ليضبط إيقاعًا جنائزيًا لفيلمه مُقسَّمًا إياه إلى أربعة عشر مقطعًا ترقم المسيرة الاستعارية للبطلة (الحكم على المسيح بالموت، حمله للصليب.. إلخ) وهي تسير على درب جلجلة حديث تتماهي فيه عذاباتها مع ألم الناصري القديم جارًّا صليبه الخشبي نحو حتفه. 

بلقطة طويلة وثابتة، شاحبة الألوان والإضاءة تمتد لحوالي ربع الساعة، يفتتح الفيلم حكايته ويُهيّئ مُشاهده لما سيتتابع من مَشاهد تحمل توقيع مدير التصوير المعتاد في أفلام بروجمان، ألكساندر ساز. على طاولة واحدة نشاهد اجتماع قِسّ شاب (فلوريان ستيتر) وحوله مستمعين صغار كنموذج مصغّر لمصانع الزحف المقدّس والطاعة والواجبة واليقين الداخلي الدائم. نستمع لنصائح القسّ الذي يدعو "رعاياه" الصغار إلى التضحية بكل متعة دنيوية في سبيل الإتحاد بالمسيح. وكأي مالك للحقيقة المطلقة من رجال الدين والناطقين باسمه، يدعو تلامذته لتوجيه "الآخرين" إلى المِثل: "حين تجدي صديقتك تستمع إلى الموسيقى، انصحيها بالتخلّي عن هذه المتعة-الخطيئة لإنها تبعدها عن السماء".

لا تفوز الأفلام بدب مهرجان برلين الفضي من دون أسباب وجيهة

حين تفرغ حجرة الدرس الكَنَسية بمغادرة التلاميذ، تنتظر ماريا (ليا فان آكن) لتسأل القِسّ عما يشغل بالها: هل تستطيع التضحية بحياتها لأجل المسيح؟ والمُشاهد بدوره لن يكون متأكدًا عما إذا كانت الصبية تبنّت دعوة ذلك الكاهن في أن تكون "مُحارِبة من أجل تعاليم المسيح"، أم أنها تلبّست محنته بإرادتها قبل اقتناعها؟. لا يقدم المخرج شرحًا أو تبريرًا لتلك "القفزة الإيمانية "التي تأخذها ماريا من أجل التقرُّب إلى السماء، وما يقوله الكاهن حول "الخطوة الهائلة اللازمة لردم المسافة بين المنطق ولا احتمالياته" ليس سوى أحجية موجّهة إلى المتفرّجين الذين سيتابعون مسارا متداعيا ستسلكه حياة ماريا في رجائها المستمر للالتحاق بالربّ الذي يناديها. 

الأفلام لا تفوز بدب "برلين" الفضي من دون أسباب وجيهة. حتى في فئة أفضل سيناريو التي استحدثها المهرجان العريق؛ يظلّ حمل تمثال الجائزة مؤشرًا جيدًا على عمل يستحق التقدير. ومن الإنصاف القول أيضًا إن المهرجانات السينمائية الأوروبية الكبرى تعطي اهتمامًا وتقديرًا لمحاولات تطوير وتثوير الصورة والسرد السينمائي أكبر مما تفعل مع توثيق اليومي والمعيش. 

"درب الصليب" لديتريتش بروجمان يتوافق تمامًا مع القواعد الضمنية للفوز في "برلين": سلسلة قوية من اللوحات السينمائية ذات اللقطة الواحدة تدين بكثير من فاعليتها لأسلوبها بدلًا من مضمونها. ربما من الغريب التفكير في شيء مثل "معرض سينماتوغرافي"، ولكن إذا كان ثمة فيلم استفاد من ذلك الشيء فالمؤكد أنه "درب الصليب". تقدير الفيلم على مزاياه يأتي مع ملاحظة: الأعمال التي تنال حظّها من المديح النقدي المكثّف، عادة ما تكون مدينة لأفلام معاصرة أخرى ربما تفضلها، وعلى هذا النحو يخفت بريق الأولى حين توضع في مواجهة اقتراحات راديكالية حقيقية. 

عمل "بروجمان"، الذي يقدّم نفسه كبحث سينمائي شديد العلمانية حول "صناعة الإيمان"، يبدو في بعض الأحيان مجوّفا ويدور حول نفسه في حلقة مفرغة من دون مقاربة دقيقة لعملية التلقين الديني المُمهِدة للثيوقراطية التي ينتقدها الفيلم. من الصعب أن تجد لفتة تهكّمية أو لقطة تتطلب الكثير لانجازها، وبنفس القدر تكون صعوبة مَحبّة المُشاهد لشخصيات الفيلم التي تأتي لتحاكي تقشّف الفيلم الأسلوبي بطريقتها الزاهدة في الحياة، ليعمل الفيلم أخيرًا من خلال ثيماته المختارة كدراسة مكثّفة لمفهومي التضحية والموت.

يعمل الفيلم الألماني "درب الصليب"، من خلال ثيماته المختارة، كدراسة مكثّفة لمفهومي التضحية والموت

كل ما في هذا الفيلم يغلّفه شيء من الجِدّة الفكرية والكآبة الملازمة والقسوة المبطّنة في آن واحد. في آتون حكاية الفيلم، ماريا ذات الأعوام الأربعة عشر (بالتأكيد)، كاثوليكية بافارية ملتزمة تصبح مهووسة بالقداسة والخطيئة، تلعب دورها ليا فان آكن في أداء سينمائي نادر يعتمد على شيء آخر غير سحر التأثير الطفولي. بدلًا من ذلك تبدو ماريا باردة، محافظة، تميل إلى إطلاق الأحكام، وبالأساس لا تدعو المتفرج للوقوع في حبها.

كاتبة السيناريو "آنّا" شقيقة المخرج، تستحق بعضًا من المديح على تماسك شخصية ماريا كما ظهرت في الفيلم بديلًا عن اللجوء لكليشيه الفتاة التي تترك سنوات مراهقتها الصعبة وراءها في الكنيسة لتنطلق في الحياة. شخصيات الفيلم هم هؤلاء البشر الذين يبحثون عن شفاعات لخطايا تدركهم أينما حلّوا، مصبوبون على أن الخطيئة ملازمة للإنسان في دنيا تغريه بالشهوات فتخدش طهارته. وليس سوى صراع يومي ودائم يتبع ذلك الادراك للثقل الوجودي للانسان (من زاوية دينية بحتة)، صراع يؤمن خائضوه بربّانيته وضرورته للتحرّر من براثن الشهوة.

ماريا، وهي واحدة من تلك الشخصيات، تنشأ على هذا الشكّ الأبدي في موبقات تحاصرها، فتقع الصغيرة ضحية صراع أكبر منها: صراع إيمان وإنكار، حياة وموت، وجود وعدم. تتساءل إن كان يجب عليها الافتداء بروحها لإبن الربّ كي تثبت لوالدتها المتعصّبة ولزملائها تفانيها الإيماني واستعدادها للشهادة، عملاً بـإنجيل يوحنا الذي يقول: "كُلّ مَنْ يؤمن بيسوع، تكون له حياة أبدية". تشخيص ماريا باعتبارها مُلتزمة دينيًا تدفعها معاناتها أكثر إلى الإيمان وكراهية الذات معًا، هو تصوّر صادق وأمين للأصولية الدينية أكثر مما قد يعترف به الكثيرون، وهذا التشخيص بالتحديد هو مكمن أهمية الفيلم وقصّته.

من المخيّب للآمال بعد ذلك أن محاولات تطوير السرد تدعيمًا لتلك الشخصية تتمّ إعاقتها -بدلًا من تعزيزها- برمزية "درب الصليب" التي يستخدمها المخرج لهيكلة فيلمه وترقيم مشاهده. كلّ لقطة من لقطات الفيلم الأربع عشرة يسبقها تصدير نصّي، باللون الأبيض على خلفية الشاشة السوداء، يخبرنا رقم وتسمية مرحلة من مراحل صلب المسيح التي ستتصلّ بالمشهد القادم. المتفرّجون ممن هم على دراية كافية بالكاثوليكية (أغلب المتفرجين العرب لا ينطبق عليهم ذلك الوصف) سيعلمون بالضرورة طيف المشاعر الإنسانية الذي يستكشفه هذا المسار، مع المسيح (/ماريا) الذي يقع تحت وطأة الصليب ثلاث مرّات، ويجد السلوى في طيبة الآخرين، وفي الأخير يقابل نهايته. ولكن إصرار "بروجمان" على حوار "ثقيل" ومكثّف فوق مساحة نصّية ممتدة، ينتهي ببيعه تلك البنية الذكية "على المكشوف"، إذا جاز التعبير.

اقرأ/ي أيضًا:

وودي آلن.. الكمّ على حساب الكيف؟

هناك قواعد للقتل أيضًا