حلب.. مدينةُ الألم

حلب.. مدينةُ الألم

فرق الإنقاذ في حلب

الصورة الأولى:

مجموعةٌ من الرجالِ الواقفين في أحد شوارع مدينة حلب، تظهر آثار قصف الطيران على جدران الأبنية. الرجال ينظرون نحو السماء، أصواتُ إطلاق رصاصٍ متقطعة في الخلفيّة وصوت طائرة تأتي من بعيد، تقترب شيئًا فشيئًا، نلاحظُ ذلك من ارتفاع صوتها التدريجي.

يتراكضُ الناس، وهم ينظرون نحو السماء، في مسارات مختلفة غير عابئين بأصدقائهم وجيرانهم

الصورة الثانية:

مروحيّةٌ من الداخل. رجلٌ يرتدي شيئًا أزرق كُتب عليّه PRESS يظهر بجانبه برميلٌ ممتلئ بموادٍ متفجرة، يطلب من صديقه أن يصوّره وهو يرفع إشارة النصر بإصبعيه لينشرَ تلكَ الصورة على صفحته الشخصيّة في فيسبوك، عساه يلفتُ أنظار تلك الفتاة التي يحاول أن يتزوجها وترفضه لشدّة قباحتِه وللإجرام المكبوت في داخله.

اقرأ/ي أيضًا: حلب.. الحداد أحمر

يتراكضُ الناس الذين تجمعوا في الصورة الأولى وهم ينظرون نحو السماء في مسارات مختلفة غير عابئين بأصدقائهم وجيرانهم في تلك اللحظة، همّهم الوحيد هو إنقاذُ أرواحهم الشخصيّة. يصطدمون ببعضهم البعض كذرات المادة حين تتحرك بحركة عشوائيّة. في تلك اللحظة بالذات كان الجندي الذي يصوّر الصحفي الأخرق يدفع البرميل ليهبط بين هؤلاء الرجال الذين ينظرون إلى المروحية التي بدأتْ تحلقُ على ارتفاع منخفض، فَعَلَ ذلك بمساعدة الصحفي الأخرق ذاته.

في صورة بانوراميّة ثالثة التقطت بعد دقائق قليلة، كانت بالنسبة للرجال الرافعين نظرهم نحو السماء بمثابة سنوات جحيم طويلة، يظهرُ رجلٌ وهو يحمل طفله الذي فقد بعضًا من أشلائه وهو يصرخ من قلة الحيلة، لا يمكنه فعلُ شيءٍ لابنه. وفي زاوية أخرى من الصورة مجموعة من الرجال يحاولون إخراج تلك الطفلة من بين الأنقاض وهم يصرخون دون أن يُفهم من كلامهم أيّ شيء. وفي البعيد نرى امرأة تنتحب وحدها على بيت تركت فيه أطفالها كانت قد وعدتهم ببعض الطعام بعد أن سمعت بأنّ المعبر بين قسمي المدينة "المُحرر والمُحتل" قد فُتح، لكنها اكتشفت بأنّها إشاعة حين رأت النسوة المتشحات بالسواد يعدن فارغات الأيدي يتمتمن بأدعيّة مختلفة، فعادت إلى أطفالها لكن البرميل كان أسرع منها فأخذهم منها تاركًا إيّاها وحيدة في زاوية الصورة، لتبكي عدم سرعتها الكافيّة لتموت مع ولديها.

في صورة أخرى التقطت في السماء بالتزامن مع التقاط الصورة الثالثة فقد كان الرجال الثلاثة "الصحفي والجندي والطيّار" يتبادلون الضحكات ويتواعدون بأصوات عاليّة تطغى على صوت محرك المروحيّة التي تحضنهم أن يشربوا نخب نجاح مهمتهم في "شلف البرميل" على "الإرهابيين" أو على "البيئة الحاضنة" لهم. وكان الصحفي آنذاك فخورًا بنفسه متوعدًا أن يفاجئ تلك المسكينة "التي ابتليت به" بتحقيقه الصحفي الذي قد أنجزه توًا، فهو أول من يشارك قوات الجيش النظامي جوًا ويصوّرهم عن قرب ويتعرف على حقائق محاربة "الإرهابيين"، سوف تنبهر به لا محالة، كان يظن.

الموت موت واحدٌ وإن اختلفت أشكاله، الطريق إلى الموت هو المختلف والصعب والمُوجع

انتهت الحكايّة. بل بدأت لتوّها. ربما انتهت بالنسبة لمن كانوا في السماء منذ قليل. هؤلاء عادوا لممارسة حياتهم الطبيعيّة دون أن يطرأ عليها شيء من التغيير. بينما من كانوا على الأرض فقد بدأت حكايتهم الآن، أو لنقل قد تغير مسار الحكاية، وبدأت عملية ولادة حياة جديدة نابعة من ألم هبط من السماء على شكل برميل.

اقرأ/ي أيضًا: الصمت الذي يليق بحلب

لا أعرف لماذا تتزاحم الصور في مخيلتي، تظهر واحدة ثم تليّها أُخرى وهكذا كدائرة تدور ولا تتعب. صورٌ لأطفال تحت الأنقاض وصورٌ لرجال يشتمون ويكبرون في ذات الوقت وصورٌ لنساء يبكين على من رحل وصورٌ لمسلحين لا يعرفون من يقاتلون وصورٌ لجنود منتشين بالنصر وصورُ البراميلِ بمختلف أشكالها. تتوالى الصور ولا تنتهي، يتعبني صراخُ هذه الصور.

أفكرُ في ذاك الرجل الذي يحمل طفله الذي مات منذ دقائق بفعل البرميل وهو يرفع سبابته، لا أعلم إن كان يوّحِدُ الله في تلك اللحظة أو يشتمه على ما اختار له أو يشتم "قائد الأمة" الذي أمر برمي البرميل على ابنه، هل يهدد الطفل الصغير ذلك القائد العظيم؟ أفكرُ بالموت وأشكاله وأصواته. قد يموت المرء بفعل صاروخ يضرب حيّه أو برصاصة قناص حين يحاول أن يجلب بعض الخبز لأولاده أو قد يموت برصاصة طائشة ضلّت طريقها أو قد يموت المرء تحت التعذيب في المعتقل. الموت موت واحدٌ وإن اختلفت أشكاله، الطريق إلى الموت هو المختلف والصعب والمُوجع، أقول لنفسي.

تعود إليّ الصور من جديد، هذه المرة هي صورة خاليّة من الكائنات الحيّة، لا بشر هنا، بل هو شارعٌ "كان" سكنيًا مثلما يبدو من بين الحطام. أبنيّة مهدمة بفعل القصف على الجانبين، نصف حجارة هذه الأبنيّة وقع على الأرض. شارعٌ حُطام. أفكر في الموت من جديد. هل تموت المدن؟

حلب مدينة ماتت، أو تكاد.

هامش:

كتبت هذا النص منذ سنتين إلا أنّ تفاصيل الصورة لم تتغير فعجزت عن كتابة جديدة.

اقرأ/ي أيضًا:

أبو شاور وأبو خالد.. في القصر الجمهوري

هل "الكائن الإخواني" مواطن مصري؟