"جيسي أوينز" و"ألبير شحاتة".. وجهان لتعصّب واحد!

جيسي أوينز فى أوليمبياد برلين عام 1936

"يجب أن لا يكون هناك تمييز على أساس اللغات التي يتحدَّث الناس بها، أو بشرة جلدهم، أو ديانتهم". -الناشطة الباكستانية "ملالا يوسفزي"

 

(1)

وَقف النادل ببذلته حمراء اللون الموشّاة بنقوش قماشية جذّابة والتي يزيّنها صفّان من الأزرار الذهبية يواجهان بعضهما البعض، أمام بوابة المطعم الأمريكي الأنيق الذي لا يرتاده سوى مدعوّين من علية القوم، وهو لا يكفّ عن توزيع الابتسامات هنا وهناك بحركة آلية تشي عن خبرة طويلة تمتد لسنوات عديدة في هذا المجال، قبل أن يهمّ بفتح باب العربات الفخمة لاستقبال الزبائن المرموقة وإرشادهم بترحاب كبير إلى ردهة المطعم حتى يستقبلهم نادلون آخرون يلبسون الزيّ نفسه.

استمع "ألبير" بقلب يكاد يَنخلع من جنبيه إلى الحديث الذي دار بين القرويين، إذ قال أحدهما إلى الآخر: "يجب تطهير البلاد من دنس المسيحيين هؤلاء، فهم يدنّسون الإسلام ويسبّونه جهرًا وعلانيةً".

تجمّدت ملامح النادل كأن الدم قد انسحب من عروقه، وهو يرى "لاري سنايدر" مدرّب ألعاب القوى الشهير الذي تغطي صوره كل الصحف ووسائل الإعلام المختلفة، يهمّ بدخول المطعم مع زوجته المتأبطة ذراعه، وبصحبة زوجين آخرين.

"أنا آسف يا سيدي، ولكن على صاحبيك أن يستخدما مَدخل الخَدم،"قالها النادل بكلمات مترددة وهو يتصبّب عرقًا رغم برودة الجو في هذا الوقت من العام.

ارتسمت علامة الدهشة على وجه "سنايدر"، قبل أن يحل محلّها أمارات الغضب التي فشل أن يكتمها رغم محاولاته الجادة، وهو يقول: "هل تمزح معي؟ ألا تعرف مَن هذا؟ إنهم يقيمون حفل عشاء تكريميًّا على شرفه؟".

"أعرف يا سيدي، إنه السيد جيسي أوينز. لكنني آسف مجددًا، إنها القوانين،" خرجت هذه الكلمات الحاسمة من فم النادل أبيض البشرة وهو مُطأطئ الرأس قبل أن يَنظر في عين "سنايدر" نَظرة فهم منها الأخير أن ذلك النادل ينفّذ حرفيًّا "أوامر عليا" أُمليت عليه من رؤسائه!

وهمّ "سنايدر" أن يصيح بأعلى صوته بأن هذه مهزلة لا يصحّ السكوت عنها، وأن إدارة المطعم ترتكب خطأً فادحًا يحطّ من قيمة أعظم وأشهر لاعب قوى أمريكي في تاريخ الأولمبياد لمجرد أنه أسود البشرة، لولا أن "أوينز" نجح في تهدئة ثورة غضبه، قبل أن يتوجّه مع زوجته إلى مدخل الخَدم وعمّال المطعم.

لقد اعتاد "أوينز" مثل هذه الأمور ولم تعد تثير غضبه أو دهشته بعد الآن!

(٢)

أخذ الشاب الثلاثيني السيجارة التي قدّمها له ابن قريته التابعة لمركز بني مزار في محافظة المنيا بجمهورية مصر العربية، قبل أن يشكر جاره بأسمى عبارات الشكر والاعتراف بالامتنان، لا سيما أن علبة سجائره قد نفدت ونسي أن يشتري علبة أخرى.

ولم يشعر القرويان بتلك العيون التي تراقبهما في خلسة شديدة من خلال فتحة صغيرة لنافذة بيت لا يبعد سوى أمتار قليلة عنهما. كان "ألبير شحاتة" ذو الأعوام السبعة عشر يراقب أبناء قريته المرابطين أمام بيته منذ أيام، وهو حريص كل الحرص على أن لا يكتشف أحدهم أنه مختبئ في بيته، حتى أن الجميع يأسوا فعليًّا من أن يكون "ألبير" مختبئًا داخل منزله، وقرروا أن يبحثوا عنه في مكان آخر، وإن تركوا اثنين منهم أمام داره، لعلّ وعسى يأتي ذلك "الكافر" إلى بيته مجددًا ويقبضون عليه.

اقرأ/ي أيضًا: جاءكم اليمين العنصري حاملًا سيفه

واستمع "ألبير" بقلب يكاد يَنخلع من جنبيه إلى الحديث الذي دار بين القرويين، إذ قال أحدهما إلى الآخر: "يجب تطهير البلاد من دنس المسيحيين هؤلاء، فهم يدنّسون الإسلام ويسبّونه جهرًا وعلانيةً". ويردّ القروي الآخر بقوله: "عندك حق، والله كلنا فداء الإسلام، وإذا رأيت الكافر ألبير الآن سأقوم بتمزيق جسده إربًا إرْبًا، حتى يكون عبرة لأمثاله من المسيحيين الكفار".

ورأى "ألبير" بوادر شجار تلوح في الأفق بين القرويين، إذ قال الآخر: "والله لن ينال شرف قتله أحد غيري، حتى لو كان ذلك آخر شيء أفعله في حياتي". وهمّ القروي الآخر بأن يفتك بجاره لإثبات أحقيته في نيْل شرف قتل "ألبير"، لولا أن سمع الاثنان جَلبة كبيرة وأصوات عالية تقترب منهما، استشفّا منها شعارات من قبيل: "الله أكبر.. الله أكبر" و"الموت للمسيحيين الكفرة"، حتى اقترب أحد الأشخاص منهما، وقال بصوت متهدّج: "ماذا تفعلان هنا؟ هيا معنا لإحراق والاستيلاء على العديد من بيوت هؤلاء المسيحيين، وطردهم بالقوة من قريتنا".

نظر القرويان إلى بعضهما البعض نظرة ذات مغزى، قبل أن يقول أحدهما للآخر: "سنبدأ ببيت الكافر ألبير، وسننهبه عن آخره".

(٣)

رغم كل أشكال التمييز العنصري التي ذاقها "جيسي أوينز" في بداية حياته العملية مع رياضة الجري السريع بسبب بشرته السمراء فإنه نجح في أن يسطّر تاريخًا جديدًا في رياضة ألعاب القوى في الألعاب الأوليمبية الصيفية لعام ١٩٣٦ والتي أقيمت في برلين تحت الحكم النازي وقتذاك؛ إذ نجح في الفوز بأربع ميداليات ذهبية في سباقات ١٠٠ متر و٢٠٠ متر والقفز الطولي و١٠٠ متر تتابع. وفوق هذا وذاك، نجح وحيدًا في هدم الأسطورة التي كان ينادي بها هتلر من تفوّق الجنس الآري على باقي الأجناس البشرية، وذلك من خلال كونه الرياضي الأفضل بألعاب القوى في تلك الأولمبياد!

لم يتم الاعتراف بإنجازات "أوينز" في حياته، ببساطة لأنه أسود البشرة، وإنما جاء الاعتراف به في وطنه الأم بعد موته بأعوام

ولم تشفع إنجازات "أوينز" في اعتراف وطنه الأم به، على الأقل في حياته؛ فرغم اصطفاف مليون شخص تقريبًا لاستقبال "أوينز" لدى عودته للبلاد ظافرًا بالميداليات الأربع فإن اعتراف البيت الأبيض علانية بما حققه "جيسي أوينز" في أوليمبياد 1936 لم يأتِ إلا عام 1990، عندما منحه الرئيس "جورج بوش الأب" ميدالية الكونجرس الذهبية بعد مرور ١١ عامًا على وفاته، بوصفه "بطلاً أولمبيًّا وبطلًا أمريكيًّا في كل يوم من أيام حياته".

اقرأ/ي أيضًا: العنصرية والطائفية كـ "نكتة مدرسية"

وفي عام ١٩٩٦، أقامت بلدة "أوكفيل" في ولاية ألاباما الأمريكية، بوصفها مسقط رأس "أوينز"، متحفًا ومتنزهًا تخليدًا لذكراه؛ إذ كتب الشاعر الأمريكي "تشارلز غيجنا" على لوحة برونزية عُلقت بالمتنزه، هذه الكلمات: "عسى أن يظلّ هذا المصباح ساطعًا دائمًا، كرمز لكل من يجري، لأجل حرية الرياضة، لأجل روح البشرية، لأجل ذِكرى جيسي أوينز".

(٤)

بعد هروب "ألبير شحاتة" من منزله وذهابه مع أصدقائه المسيحيين المصريين إلى منزل عمدة قريتهم "الناصرية"، جرى القبض عليهم وإيداعهم جميعًا السجن لمدة لم تقل عن ٥٠ يومًا، قبل الإفراج عنهم بكفالة قيمتها ١٠ آلاف جنيه لكلّ منهم، علمًا بأن التهمة هي "ازدراء الأديان" بسبب مقطع فيديو سجلوه هؤلاء الفتيان، مدته 32 ثانية، يظهر فيه "شحاتة" وأقرانه وهم يمثّلون صلاة المسلمين، ويقوم أحدهم برفع يديه كما لو كانت سكينًا ويرسم صليبًا على حلق "شحاتة"!.

وجفّ حلق "شحاتة" وأقرانه المسيحيين الذين ظهروا في الفيديو، بالقول إن نيتهم لم تكن السخرية من الإسلام؛ إذ كانوا يحاولون لفت نظر مدرّسهم في غرفة مليئة بالمسيحيين من خلال حركات تافهة مثل هذه، لكن قاضي المحكمة أصدر حكمًا عليهم جميعًا بخمس سنوات بسبب هذا الفيديو.

فما كان من "شحاتة" وأقرانه إلا الهروب من البلاد إلى تركيا، قبل أن توفّر لهم سويسرا مؤخرًا ملاذًا آمنًا، وتعطيهم لجوءًا على أرضها من الاضطهاد الذي تعرضوا له.

اقرأ/ي أيضًا: أريد أن أبني كنيسة

(٥)

التفّ الأب "شحاتة" مع زوجته وأولاده حول شاشة حاسوب، وهم لا يطيقون ذرعًا لملاقاة ولدهم "ألبير"، ولو على شاشات الحاسوب، بعدما علموا بأنه حطّ الرحال مع أصدقائه إلى سويسرا من كل وسائل الإعلام.

كلّ من "جيسي أوينز" و"ألبير شحاتة" غريبان في أوطانهما، الأول لأنه أسود البشرة والثاني لأنه مسيحي الجنسية!

لم يصدّق الجميع رؤية ولدهم "الهارب" سليمًا معافى، وكذا لم يصدّق "ألبير" أنه نجح أخيرًا في التواصل معهم بعد أكثر من شهر من هروبه خارج مصر. وبعد مظاهر الاشتياق والدموع المنسابة على الخدود، بادر "ألبير" الجميع في حماسة بالغة بالقول:

"إنني حتمًا في الجنة، إن سويسرا نظيفة للغاية يا أبي، والهواء النقي يشفي جميع الأمراض، والأهم من هذا وذاك، الجميع يهتم بنا منذ وصولنا، لقد خصصوا لنا بيتًا ومعاشًا شهريًّا وأيضًا سيلحقوننا بمدارس لتعليم اللغة الألمانية، وسيصبح بعدها بإمكاننا الالتحاق بالجامعة دون أن ندفع أي مقابل".

لمعت أعين أخوة وأخوات "ألبير" وهم يحسدونه في أنفسهم على النعيم المقيم الذي يعيش فيه حاليًّا، قبل أن يقول أصغرهم الذي لا يتجاوز عمره الأعوام الخمسة وبكلمات طفولية يملؤها الحماس، وهو يرى قلادة يتدلّى منها صليب كبير على صدر أخيه: "خبّئ الصليب يا ألبير بسرعة، سيضربونك عليه".

(٦)

لا جدال على أن "جيسي أوينز" و"ألبير شحاتة" ما هما إلا وجهان لعملة واحدة: الاثنان تعرّضا معًا لشكل من أشكال التعصّب أو التمييز، سواء كان على أساس العرق أو الدين. ورغم أن الاثنين من حقبتين زمنيتين مختلفتين والاثنين تعرضا لنوع مختلف من التمييز ومن ثقافتين مغايرتين وفي قارتين تبعدان عن بعضهما البعض آلاف الأميال، فإن نقاط التقارب كثيرة أيضًا!

لم يتم الاعتراف بإنجازات "أوينز" في حياته، ببساطة لأنه أسود البشرة، وإنما جاء الاعتراف به في وطنه الأم بعد موته بأعوام، كما أن التمييز العنصري ما زال في أوجه في الولايات المتحدة الأمريكية رغم وصول أول أمريكي من أصول إفريقية إلى سدّة الحكم في البلاد، أي الرئيس "باراك أوباما"، في عام 2009، وذلك بالرغم من أن التعديل الرابع عشر من الدستور الأمريكي نصّ في عام 1868على مساواة جميع المواطنين أمامه دون استثناء، فإن أوباما جاء الرئيس رقم ٤٤ للبلاد!

وبالمثل، فإن "ألبير شحاتة" وغيره من المسيحيين الذين تتم إدانتهم بصورة منتظمة بتهمة "ازدراء الأديان"، لا يعترف المجتمع المصري بهم مهما حقّقوا من إنجازات على الصعيد المهني؛ فهم في نظر العديد من المواطنين داخل المجتمع المصري ذي الأغلبية المسلمة "كُفار" يجب القصاص منهم بأي طريقة تنكيلية ممكنة، في الوقت الذي نرى فيه حالات نادرة معدودة لـ"ازدراء الدين المسيحي"، منها السلفي مقدِّم البرامج "أبو إسلام" الذي اشتُهر بخطاباته المعادية للمسيحيين، وحبس على إثرها ٦ أشهر بعد حرقه الإنجيل أمام السفارة الأمريكية في القاهرة في عام ٢٠١٢.

ولم يختلف الأمر بعد ثورة يناير ٢٠١١؛ إذ تم الحكم على صحفي مسيحي بالسجن خمسة أعوام في عام ٢٠١٤ بسبب نشره معلومات خاطئة تتعلق بالتمييز ضد الأقباط، كما حُكم على مسيحي آخر يبلغ من العمر ٢٩ عامًا من صعيد مصر بخمسة أعوام أخرى بسبب متابعته صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أنشأتها مجموعة من المتحوّلين إلى المسيحية، وفقًا لموقع "هافينجتون بوست".

والأنكى من هذا وذاك، عادة ما يتم تهجير المسيحيين من قُرى بأكملها في صعيد مصر، إذا ما تم اكتشاف أن هناك علاقة عاطفية ما بين سيدة مسلمة ورجل مسيحي، على سبيل المثال، وقد يتم اختطاف السيدات والفتيات المسيحيات وإجبارهن على الدخول في الإسلام للزواج برجال مسلمين.

في النهاية، كلّ من "جيسي أوينز" و"ألبير شحاتة" غريبان في أوطانهما، الأول لأنه أسود البشرة والثاني لأنه مسيحي الديانة!

اقرأ/ي أيضًا:
في لبنان قل لي ما اسمك أقل لك ما طائفتك
16 حادثًا طائفيًا في مصر بعد الثورة