17-مارس-2016

قدم جورج طرابيشي مرجعًا مهمًا للباحثين في الفلسفة العربية الإسلامية

تمثل رحلة الراحل جورج طرابيشي (1939 – 2016) الفكرية مرحلًة مهمة من تاريخ الفكر العربي المعاصر، إذ أن إنتاجه الفكري تنوع بين مدرسة التحليل النفسي، ونقد الرواية العربية، والثقافة العربية، قبل أن يتفرغ إلى مشروعه الفكري "نقد نقد العقل العربي"، والرد على مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري "نقد العقل العربي".

تمثل رحلة الراحل جورج طرابيشي الفكرية مرحلًة مهمة من تاريخ الفكر العربي المعاصر

يقول طرابيشي في مقدمة الجزء الأول "نظرية العقل"، إنه استغرق ثماني سنوات لإنجاز هذا البحث المعرفي، لكن الرجل بعد صدور الجزء الأول، امتد إنجاز مشروعه إلى ما يقارب ربع قرن، كان أخرها إصداره الجزء الخامس من المشروع "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث".

اقرأ/ي أيضًا: أنيس صايغ.. أرشيفٌ لفلسطين

لزم طرابيشي لإنجاز مشروعه المعرفي، العودة إلى أصول الفلسفات الأولى، وقراءة التراث الفلسفي اليوناني كاملًا، والتراث العقلي والفلسفي الأوروبي، والتراث العربي الفلسفي، إضافة إلى المراجع التاريخية والفقهية والنحوية والصوفية، حتى يستطيع الرد على مشروع الجابري، الذي وصفه بـ "العقبة الإبستمولوجية".

إلا أن أكثر ما دفع طرابيشي لإنجاز مشروعه، كان الحفر أكثر في الشواهد والاقتباسات التي اعتمد عليها الجابري في مشروعه، والتي وجد فيها أنه "ليس بين مئات شواهد الجابري في (تكوين العقل العربي) سوى قلة قليلة ما أصابها تحريف أو تزييف أو توظيف بعكس منطوقها".

كما أن طرابيشي قدم من خلال مشروعه ردًا مدعمًا بالأدلة والبراهين المرجعية، على "وحدة العقل العربي الإسلامي"، لا سيما وأن الجابري أراد في مشروعه النقدي، أن يدلل على انفصال الفلسفة المشرقية والفلسفة المغربية، من حيث أن المعرفة الفلسفة – الفكرية للمشرق العربي جاءت من قبل فلاسفة المغرب، ما جعل صاحب "سارتر والماركسية" يصفها بأنها "لا تستهدف في محصلة الحساب سوى اصطناع جغرافيا إيديولوجية تفصل المغرب عن المشرق فصل العقل عن اللاعقل، والتمنطق عن التهرمس".

ولربما كان لهذا الجزء نوعًا من التأثير المباشر على مشروع طرابيشي الإبستمولوجي، ففي النظر إلى ما تناوله الكتاب، نجد أنه إعادة قراءة كافة نتاجات ابن سينا الذي وصفه بـ"أسطورة الفلسفة المشرقية"، والمبدع المغربي للفلسفة المشرقية ابن طفيل، وأعمال ابن مضاء القرطبي، وابن حزم، شكلت له قراءة جورج طرابيشي نفسه في الفلسفة العربية بمعزل عن مشروع الجابري، إذ نرى أنه في الجزئين الأخيريين كان أكثر قربًا من تقديم بدايات أولى للعمل بشكل أكثر في حفريات الفلسفة العربية، وأصولها المعرفية.

 قدم طرابيشي من خلال مشروعه ردًا مدعمًا بالأدلة والبراهين المرجعية على "وحدة العقل العربي الإسلامي"

لذا نراه أنه يؤكد في الجزء الرابع من مشروعه على توقف عن نقد مشروع الجابري، وتحوله مشروعه الإبستمولوجي النقدي إلى "إعادة قراءة وإعادة حفر وإعادة تأسيس"، مدللًا على أن ما كتب في مشروع "نقد العقل العربي" ضد رسائل إخوان الصفا لم يتعد الصفحتين، مع وسمهم بأنهم عمقوا "الاتجاه اللاعقلاني في الثقافة العربية الإسلامية"، ما جعله يكتب عنهم فصلًا كاملًا، واصفًا إياهم بأنهم "بناة أول يوتوبيا في الثقافة العربية الإسلامية".

اقرأ/ي أيضًا: محمد الوهيبي.. صورة فلسطين البدوية

كما أنه يظهر في وضوح التنوع المعرفي الذي يقدمه طرابيشي في رحلته التفكيكية، والذي تمثل بانتقاله من الفلسفة الماركسية والمدرسة القومية، إلى مرحلة اكتشاف التراث الفلسفي العربي، وهو ما شكل له قوة معرفية، جعلته ينتقل بين الحقل المعرفي والحقل الأركيولوجي، في عودته للأصول التراثية، والبحث أكثر في أصول الاقتباسات والتفسيرات التي اعتمدها الجابري مرجعًا في عمله، قبل أن ينتقل إلى صياغتها، وتوظيفها في السياق الصحيح من البحث، والذي وجد فيه فرصًة لإعادة قراءة الموروث العربي– الفلسفي، ودحض استنتاجات مشروع "نقد العقل العربي".

لا يمكننا أن نقدم قراءة شاملة لأعمال المفكر جورج طرابيشي في مقال قصير، إذ أن مشروع بحجم "نقد نقد العقل العربي"، يحتاج إلى دراسة واسعة، قياسًا بما استغرقه المشروع من زمن لإنجازه، ناهيك عن أن إعادة قراءة المشروع، ستفتح الكثير من الأماكن المنسية في الفلسفة العربية، وهي ما نحتاجه اليوم.

وفي نفس الوقت لا يمكن القول إن أعمال طرابيشي المتنوعة بين الترجمة والتأليف، وصولًا إلى مشروعه الإبستمولوجي، تحمل نوعًا من الاستشراق، بل كانت تحمل صبغة معرفية، أمدت الكتابات الحفرية للفلسفة العربية، بموسوعة جديدة يمكن إكمال البحث من بعدها، إضافة إلى أن هذا المشروع، قدم مرجعًا مهمًا للباحثين في الفلسفة العربية الإسلامية، إلى جانب أبحاث حسين مروة ومحمد أراغون ومفكرين كثر.

اقرأ/ي أيضًا: 

رحيل نبيل المالح.. العين التي رأت الكابوس

نذير نبعة.. مرسومًا بتراب الأرض