ترامب.. المرشح الرئاسي ضمن السياق الذي أنتجه

ترامب.. المرشح الرئاسي ضمن السياق الذي أنتجه

المرشح الجمهوري صاحب التصريحات المعادية للمسلمين "دونالد ترامب" (Getty)

المقال التالي هو ترجمة لمقال "مايكل كازن" في الفورين بوليسي، عن أصول ظاهرة دونالد ترامب وتفسيرها وشبيهاتها في التاريخ الأمريكي


في محاولة لاستيعاب حملة دونالد ترامب الرئاسية الجامحة والفعّالة، حتى الآن، اندفع المعلقون إلى إيجاد أوجه تشابه لشرح الرجل الذي هيمن على التغطية الإعلامية وتصدّر أغلب استطلاعات الرأي للمصوتين الجمهوريين المحتملين. يرى البعض الملياردير ذا العرف البرتقالي كفاشي يماثل هتلر أو موسوليني أو يقارنونه بالشعبويين الأمريكيين الراحلين مثل الأب تشارلز كولين أو السناتور جوزيف مكارثي أو حاكم ولاية ألاباما جورج والاس. بينما يرى آخرون أنه نسخة محلية من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو مارين لوبان قائدة الجبهة الوطنية الفرنسية. 

يمثل ازدراء المرشح الجمهوري الأوفر حظًا للسلطات السياسية القائمة أيضا امتدادًا لماضي الشعبويين الأمريكيين. 

لكن ترامب، في أفضل (أو أسوأ) الأحوال، لا يحمل إلا تماثلًا سطحيًا مع أيٍ من هؤلاء الأشخاص. هو لا يعبر عن أي رغبة في خلق دولة عسكرية تتخلى عن الانتخابات الحرة وتسجن أو تعدم معارضيها، كما فعل ديكتاتوريين ألمانيا وإيطاليا السابقين. إذا قام ترامب بتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية وأمر الشركات الصناعية بإنتاج ما أراده، فإنه سوف ينفّر هؤلاء المحافظين الذين يهللون الآن لعدائه للمهاجرين والإعلام. كما لا يتشارك ترامب حماسة كولين الدينية أو شغف مكارثي باتهام المسؤولين الفيدراليين بالخيانة. كما أن هناك تباينًا كبيرًا بين عداء والاس العمالي للنخب المتراخية وتباهي عملاق العقارات المتواصل بكم الأموال التي جمعها ومدى شهرته. بالإضافة إلى ذلك فإن مقارنة ترامب بالدكتاتور الروسي الداهية أو السياسية القومية المتطرفة المخضرمة هو مثل مقارنة منادي السيرك بساحرٍ ماهر، وإن كان خبيثًا.

يمكن فهم ظاهرة ترامب على نحوٍ أفضل كسبيكة من ثلاثة عناصر مرضية في التاريخ والثقافة الأمريكيين. إن البحث عن شخصٍ واحد يمثله ترامب يتجاهل القوى الأكبر التي تنتج أشخاصًا يشقون طريقهم عبر المجال السياسي تاركين للآخرين أضرارًا لإصلاحها.

أول العناصر وربما أكثرها وضوحا هو العداء تجاه المهاجرين الذين يبدو أن هوياتهم العرقية والدينية تتصادم مع الأغلبية المولودة في البلاد. في الخمسينيات، اتهم الحزب الأمريكي -الذي أسمى خصومه أعضاءه "من لا يعرفون شيئًا"- الكاثوليكيين الأيرلنديين والألمان بكونهم عملاء للبابا وتهديدًا للحكومة الجمهورية. في وقتٍ لاحق من نفس القرن، قاد العمال البيض على ساحل المحيط الهادئ حملة ضخمة ضد القادمين الصينيين الجدد، والذين اتهموهم بتخفيض الأجور ونشر الأمراض.

أكد المشرعون الأمريكيون تعصبهم بمنع أي عمال صينيين من دخول الولايات المتحدة. في عشرينيات القرن الماضي، دفع الخوف من السلاف واليهود والإيطاليين وآخرين يشتبه في عدائهم للتراث الأمريكي "الأوروبي الشمالي" الكونجرس إلى فرض حصص منعت تقريبًا الهجرة من جنوب وشرق أوروبا. ينتمي هجوم ترامب على "القتلة والمغتصبين" الذين يعبرون الحدود الجنوبية والإرهابيين المسلمين المحتملين الذين يعبرون الأطلنطي عبر الطائرات إلى ذلك التقليد القديم والشائن.

 تعهد ترامب بـ"جعل أمريكا عظيمة من جديد" يفتقد إلى أي شرح ماذا أو من جعلها رائعة للغاية من قبل

يمثل ازدراء المرشح الجمهوري الأوفر حظًا للسلطات السياسية القائمة أيضا امتدادًا لماضي الشعبويين الأمريكيين. "إننا نقاتل للدفاع عن منازلنا، وعائلاتنا، وازدهارنا. لقد تقدمنا بعرائض، لكن عرائضنا تم تجاهلها"، هكذا أعلن وزير الخارجية المستقبلي ويليام جيننجز بريان عام 1896. "لقد توسلنا، وتم إهمال توسلاتنا. لقد تضرعنا، وقد سخروا عندما جاءت محنتنا. لن نتوسل بعد اليوم؛ لن نتضرع أكثر من ذلك؛ لن نقدم عرائض مجددًا. نحن نرفضهم!". يبدو تهكم ترامب على السياسيين "الأغبياء" و"غير الأكفاء" في كلا الحزبين الكبيرين فظًا بالمقارنة، لكن الشعور مشابه.

في نفس الوقت، فإن هجمات ترامب أقل تماسكًا بكثير من الاتهامات التي وجهها الشعبويون الأصليون خلال العصر الذهبي أو حتى التي وجهها المرشح الرئاسي الديمقراطي بيرني ساندرز. هاجم أتباع بريان المسؤلين الذين أرسلوا جنودًا لفك الإضرابات لكنهم لم ينفقوا دولارًا لمساعدة العاطلين. يهاجم ساندرز مستثمرو وول ستريت الذين "استخدموا ثروتهم وسلطتهم لجعل الكونجرس يقوم بما يطلبون منه من رفع القيود التنظيمية ثم، عندما تسبب جشعهم في انهيارهم، استخدموا ثروتهم وسلطتهم في جعل الكونجرس يقوم بإنقاذهم من الإفلاس. لكن ترامب يسخر من الطبقة الحاكمة بسبب عيوبها النفسية المفترضة: يدعي ترامب أن أغلب السياسيين "ضعفاء" للغاية، أو "مخادعين"، أو مشوشين في معالجة ما تواجه الأمة. 

بالإضافة إلى ذلك، فإن تعهده بـ"جعل أمريكا عظيمة من جديد" يفتقد إلى أي شرح ماذا أو من جعلها رائعة للغاية من قبل. لا يُظهر البحث في موقعه الإلكتروني أي مقترحات قد تحدث بعثًا وطنيًا إلا إذا كان المرء يعتقد أن قانون ضرائب مبسط وحملة صارمة على الهجرة غير الشرعية تكفي لإحداث تغييرٍ كبير.

بالطبع، يتعهد ترامب بأنه سوف يدمر أعداء الأمة في الخارج، لكنه هنا، أيضًا، يترك أغلب التفاصيل للخيال. منذ عام 1987، كان ترامب يصدر نفس النغمة الشرسة. نشر ترامب إعلانات بطول صفحة كاملة في الصحف الكبيرة مؤكدًا أنه "ليس هناك خلل في السياسة الخارجية الأمريكية لا تستطيع بعض الشجاعة إصلاحه. . . . دعونا لا نجعل بلادنا يتم الاستهزاء بها مجددًا". وحيث أن ذلك كان هجومًا مبطنًا على الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، فإن الجمهوريين إما تجاهلوا ترامب أو سخروا منه.

لكن اليوم، في وقتٍ يعتقد فيه جميع الجمهوريون ونسبة جيدة من الديمقراطيين أن السياسيين إما لا يستطيعون أو لن يوقفوا انحدار الولايات المتحدة، فإن رفض ترامب شرح شعارات حملته له جاذبية. إن مرشحًا لا يقدم تعهداتٍ محددة لا يمكن أبدًا أن يحبط أتباعه. وبالتالي فإن سخرية ترامب الشعبوية -الموجهة ضد الإعلام والنخبة السياسية- تركز كل الانتباه تقريبًا على صورة وشخصية الرجل نفسه.

لن يُنتخب ترامب رئيسًا على الأغلب، وستكون كارثة إذا فعل. لكن أفعاله ليست خارجة عن المألوف كما يعتقد هو ومعجبيه والكثير من منتقديه

بذلك الأسلوب فإنه ينتمي إلى تقليدٍ مألوف لرجال الأعمال المشهورين الذين استخدموا ثروتهم وشهرتهم في الحصول على نفوذٍ متضخم في المناقشات بشأن مستقبل الأمة. صناعيون مثل ليلاند ستانفورد وأندركو كارنيجي وممولون مثل جاي كوك وجي. بي. مورجان هيمنوا يومًا على الاقتصاد الأمريكي. غطت الصحافة كل عمل لكل رجلٍ منهم له عاقبة مدينية – سواء كان فك إضراب، أو التسبب في أو تخفيف رعب في أسواق الأسهم، أو التبرع بملايين الدولارات لقضيةٍ جيدة. لكن نادرًا ما كان هؤلاء الرجال يرشحون أنفسهم لمنصبٍ سياسي. لماذا يخاطرون بالخسارة بينما كان نفوذهم الاقتصادي يمنحهم بالفعل نفوذًا على هؤلاء الذين فازوا؟

 كان هنري فورد استثناء جزئيًا لتلك القاعدة. مثل ترامب، كان لدى صانع السيارات القادم من ولاية ميتشجان ولعًا بإصدار تصريحات سياسية مثيرة للجدل أبقته في الأخبار. كسلامي، خلال الحرب العالمية الأولى، أعلن فورد: "بالنسبة لي، فإن كلمة "قاتل" ينبغي أن تطرز بأحرفٍ حمراء على صدر كل جندي". ثم، في أوائل العشرينيات، نشرت صحيفته، ذا ديربورن إندبندنت، الوثيقة الخبيثة المزيفة المعادية للسامية بروتوكولات حكماء صهيون. 

انتقل فورد، مثل ترامب، بين الحزبين الكبيرين. في عام 1918، كان فورد المرشح الديمقراطي لمقعدٍ في مجلس الشيوخ عن ولاية ميتشجان، وهي انتخابات كان من المحتمل أن يفوز بها لو كان قد اهتم بإنفاق أي أموال عليها أو القيام بحملة لنفسه. في عام 1924، ورغم أن أو ربما بسبب سوء سمعته، أراد الكثير من الجمهوريين ترشيحه للرئاسة؛ ووجد استطلاع رأي قامت به إحدى المجلات عام 1924 أنه تصدر جميع المرشحين المحتملين الآخرين. لكن في النهاية، قرر فورد عدم ترشيح نفسه. لقد كان متكبرًا مثل ترامب لكنه افتقد طموحه السياسي. 

لكن وسائل الإعلام لم تتعب أبدًا من الرجل الذي صنع خط الإنتاج وأول سيارة ذات سعرٍ معقول في العالم. كتب أحد الصحفيين في العشرينيات أن الأمريكيين المعاصرين متحمسين لـ"مشاعر جديدة" لم يستطع "رئيسٌ مروض" الوفاء بها. "إذا كنت منتجًا لأفلام حركة"، كتب الصحفي، "ترغب في توفير لمحة عن المستقبل . . . ألن تختار هنري فورد كبطلك؟".

إن كلا من جاذبية ترشح ترامب والرعب الذي يسببه في الداخل والخارج تنبعان من نفس البواعث، والتي تجري عميقا في الثقافة السياسية الأمريكية. رجلٌ غني اسمه معروف للجميع يهاجم أشخاصًا إما يخافهم أو لا يثق بهم المواطنون ويصدر وعودًا مبهمة بإصلاح أيًا ما كانت تعانيه الأمة. وهو يفعل كل ذلك بابتسامة متكلفة، تهديد، ولكن أيضًا مع طوقٍ للاحترام، حتى من هؤلاء الذين يهاجمهم على نحوٍ روتيني في خطبه. لن يُنتخب ترامب رئيسًا على الأغلب، وستكون كارثة إذا فعل. لكن أفعاله ليست خارجة عن المألوف كما يعتقد هو ومعجبوه والكثير من منتقديه. بعد أن يترك ترامب المسرح، من المرجح أن يأخذ مكانه ممثلٌ ثريٌ آخر لديه موهبة الكلام الطنان ولا يملك سجلًا سياسيًا للدفاع عنه. 

المصدر: Trumping History

__

اقرأ/ي أيضًا:

دونالد ترامب..حتى أنت يا نتنياهو!

إيران..قمع ما بعد الاتفاق النووي