14-أبريل-2022
تبسة في نهاية القرن التاسع عشر (GettyI)

تبسة في نهاية القرن التاسع عشر (Getty)

"لا يجب الخلط بين المدينة العظيمة والمدينة العامرة بالسكان"

أرسطو

أليست المدينة روحًا، كانت في البدء فضاءً عاريًا، تولى الإنسان فيما بعد تأثيثه؟ أليست نتاج أفكاره وطموحاته، وقد تتحول إثر إفراط في الإهمال من مدينة تعكس حضارة إلى مدينة تتكاثر عمارتها بدون أن تكون مرآة عاكسة لثقافة شعب وتطوره. فكيف نفسر اقتحام مدن كانت بالأمس القريب مجرد أراض قاحلة لصفحات التاريخ؟ وكيف غدت مدن طاعنة في القدم أسماء منسية؟

إن كانت تبسة أبواب مشرعة على أكثر من ذاكرة، ابتداءً من الفينيقيين وصولًا للفرنسيين، فهي كذلك نوافذ مشرّعة على أكثر من تناقض، وليس بالإمكان الوقوف عند تناقضاتها إن لم يترجل المرء في شوارعها القديمة والحديثة منفردًا ومتأملًا لكلّ زاوية من زواياها مخاطبًا تاريخها

إن ترهل المدن أمر وارد، وليس الترهل في هذه الحالة مرتبط بالتقدم في العمر، فعلى نقيض جسد الإنسان كلما زاد عمر المدينة، كلما ازدادت جمالًا، وجلبت إليها الكثير من المهتمين، وإذ ما حدث وشهدنا ترهلها، فنحن حتمًا نقصد موتها الحضاري لا تقهقرها العمراني فحسب، وتلك عداوة نعيشها مع الإبداع، فالعداوة رديفة الخوف، والخوف حائل بين الانسان والابداع وهو بتالي حاجز يعوق قيام الحضارة.

تدفعني هذه الفكرة لتساؤل عن سبب ترهل أحد أقدم المدن التاريخية الجزائرية تبسة، وكيف تحولت من معلم تاريخي شهد تعاقب حضارات عظيمة إلى كومة من البنايات؟

"ما يبدو قمة السخافة في عصر ما، يصبح عادة قمة الحكمة في العصر الذي يليه"

جون ستيوارت ميل

إن كانت تبسة أبواب مشرعة على أكثر من ذاكرة، ابتداءً من الفينيقيين وصولًا للفرنسيين، فهي كذلك نوافذ مشرّعة على أكثر من تناقض، وليس بالإمكان الوقوف عند تناقضاتها إن لم يترجل المرء في شوارعها القديمة والحديثة منفردًا ومتأملًا لكلّ زاوية من زواياها مخاطبًا تاريخها.

فقد يتساءل حتمًا وهو يقف عند أعتاب قلاع الرومان، ماذا لو بُـعث الرومان من جديد ليروا كيف أصبحت حصونهم ومدينتهم؟ وهل يغفرون لأهل هذه المدينة كل هذا الإمعان في السخرية؟ حين استعاد الرومان المدينة من الونداليين بعد أن عاثوا فيها وحشية رمّموا كل ما دُمر، وتحولت المدينة في عهدهم إلى مركز تجاري عرفت فيه تبسة ازدهارًا ملفتًا، خاصة وأنها مدينة متنوعة الخيرات ووفيرة المياه، فكانت حلقة تربط الشمال بالجنوب.

وإن كان المسلمون عند فجر فتوحاتهم لم يهدموا حجرًا ولا أفسدوا مكانًا للعبادة ووقعوا معاهدة مع أهلها، فإن سكان تبسة اليوم قد رسموا مشهدا آخر لمدينتهم ليتغلب منطق الواقع على منطق التاريخ، فما إن دُحض المستعمر، حتى أعاد التبسييون صياغة ارتباطهم بالأماكن والمعالم التي ورثوها عن الحضارات المتلاشية، فتحولت حصون الرومان ومسارحهم ومقابرهم بعد الاستقلال، إلى حد يفصل بين سكان المدينة الأصليين من أتراك وعرب وأمازيغ سكنوا المدينة قبل الاحتلال الفرنسي والوافدين من الأرياف، وهكذا صنف السكان أنفسهم على غرار باقي المدن الجزائرية "بلدي" أي ابن المدينة، و"دوار" أي ابن الريف، وكلما تأففوا من تصرف أحدهم نعتوه بالدوار، وعلى الرغم من الدلالة العنصرية لهذه اللفظة فإنها تتوارى عند التصاهر والتكافل في المصائب التي تلم بالأقوام.

لم يتوقف دور الحصون عند التمييز بين سكان الريف والمدينة فقد دأب السكان المعوزون، والذين لا ينحدرون في العادة من عائلات ثرية تمكنهم من الحصول على محلات داخل المدينة، على عرض سلعهم من ملابس وأحذية وألعاب أطفال قادمة من بلدان مختلفة على طول السور البيزنطي، ذي الثلاثة أبواب غير أبهين برمزية المكان، و كأن المدينة بأبوابها ملكًا للتبسيين وحدهم، لا إرثًا حضاريًا يخص الإنسانية، وعلى الرغم من المحاولات العديدة لتخلص من هذه التجارة الفوضوية وإعادة الاعتبار لهذه الأماكن إلا أن الكثيرين الذين لا يعبؤون بالتاريخ قد وجدوا في الآثار الرومانية ضالات أخرى.

يشتكي المؤرخون من الإهمال الذي طال المدينة ولا يتفهم المهتمون كيف تغدو مدينة بكل هذا الثراء إلى مدينة مهجورة من سياحها. ولو يُمعّن المار السمع لتناهى إلى أذنيه أنين الحديقة الأثرية المهجورة والتي تتربع على مساحة معتبرة، على مقربة من باب قسنطينة، تفتح يوميًا أبوابها لزائرين، وربما لا يمكن للعقل أن يستوعب ألا يستفز فضول رواد المقاهي المتنامية بجانبها وكأنهم اكتفوا بثرثرتهم عما قد يقوله درس التاريخ.

"السينما هي كيفية أن تعيش أكثر من حياة.. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده"

روبرت ألتمان

وقد تقودنا الخطوات غير بعيد عن المدينة القديمة، ليلاحقنا ضجيج باعة المحلات المصطفة على طول الطريق المؤدية لقوس "كركالا"، لنقف وجها لوجه مع قاعات السينما الخالية والتي تحولت إلى محلات تجارية لبيع الملابس والاحذية القادمة عن طريق الحقائب من فرنسا وإيطاليا، ونسأل أين اختفت ملاجئ التبسيين سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ولما تحولت إلى أماكن مهجورة يمر بمحاذاتها الناس غير متأسفين متجاهلين أن الأمم التي تحرم من المسرح والسينما هي أمم بأرواح جائعة للجمال والابداع، من تواطأ على هذه القاعات بعد أن كانت مزارًا اسبوعيًا لشباب المدينة؟ ومن عبث بهذه المدينة؟

في تسعينيات القرن الماضي كانت تبسة حاضنة لمهرجان كركالا الدولي للسينما، وقد عرف توافد ممثلون أوروبيون وعرب عجّت بهم شوارع المدينة وأغدق عليهم تجار الأقمشة بالهدايا، غير أنه ولأسباب تكاد تكون غير منطقية حسب ما صرح به منظم المهرجان في وقت سابق لرابطة الجزائرية للفكر والثقافة أن المهرجان اغتيل، وتحول إلى مدينة وهران بسبب ترسانة من القوانين غير المفهومة ليحرم التبسيين من مهرجانهم، وليكتفوا بمشاهدة مآسيهم مع البطالة وتهريب البنزين.

"أي إخفاق يسجله مجتمع في إحدى محاولاته إنما هو التعبير الصادق عن درجة أزمته الثقافية"

مالك بن نبي

يقول مالك بن نبي رحمه الله حين تغرب الفكرة يبزغ الصنم. تنبأ بن نبي بمصير أفكاره في مدينته، هُجِرَت أفكاره، ووُئدت في مهدها في وطن لا يهتم كثيرًا بالكتاب إلا كترف لا يعني الكثيرين أو كديكور منزلي لا يعبر بالضرورة عن لهفة معرفية، كان يفترض أن يملأ فراغ غياب أفكار مالك بن نبي أفكار أخرى مجدّدة، لكن كمن نعتذر له عن امعاننا في الإهمال، شيدنا وسط المدينة تمثالًا له، هكذا يريح مثقفو تبسة ضمائرهم. ينتصب تمثال مالك بن نبي وسط شوارع تعج بالمطاعم بنكهات شرقية وأخرى مغربية. وإن كنا لا نبخس المطبخ حقه كنوع من الفنون إلا أننا نتساءل ما الذي فعله سكان أهل المدينة بغذاء عقولهم ولمَ كلما تنامت المطاعم كالطفليات قلّ عدد المكتبات؟ ولا نفهم لِـما هُجرت أقدم مكتبات تبسة، نحن بحاجة لقراءة مشكلات الحضارة لمالك بن نبي علّنا نفهم أن بناء الحضارة بحاجة إلى أكثر من قانون.

ليس بعيدًا عن تمثال مالك بن نبي كان للشيخ العربي التبسي تمثالًا على مقربة من مدرسة الذكور في العهد الفرنسي تحمل اسم العلامة ابن باديس بعد الاستقلال، لم يكن العربي التبسي بأفضل حال من حال مالك بن نبي فالتبسيون يبدعون في هجر الفكر مفضلين التطاول في البنيان. رُمّم المسجد الذي كان الشيخ يتخذه منبرًا يجتمع حوله أهل المدينة بفضل المحسنين وأحاطته المحلات التجارية من كل جانب، كأننا اتفقنا أن الغاية الوحيدة من العيش هو ثراء الجيوب وفراغ العقول.

لماذا ترفض تبسة أن تكون مدينة عالمة، واكتفت بأن تكون مدينة تريد ثراءً اجتماعيًا، تُقبل على مصادر الرزق كما يُقبل شاوي "أمازيغي" نحو حتفه إن تعلق الأمر بكرامته؟

كما أن للعثمانيين أثارهم في تبسة، إذ ورث عنهم سكان المدينة تقاليدهم في عديد المناسبات والكثير من تلك الأنفة الاجتماعية، ولم تقتصر أثارهم على الحلويات و شكل المجالس فتعدته إلى العمارة، ففي قلب المدينة الأثرية يشهر جامع العتيق منارته شاهدًا على مرور العثمانيين ودليل على مقاومة السكان للاستعمار أمام محاولات الطمس، وإن كان للجامع قيمة دينية تاريخية فهو لم يتنكر لدلالته الاجتماعية والتي أرادها سكان المدينة أن تكون دليلًا آخرَ على أصالة القاطنين بجواره، وكأن كلّ مصائب المدينة من الإهمال والتلاشي تتلخص في السكان الأصليين والوافدين عليها إما بعد الاستقلال أو خلال سنوات الجمر.

لماذا ترفض تبسة أن تكون مدينة عالمة، واكتفت بأن تكون مدينة تريد ثراءً اجتماعيًا، تُقبل على مصادر الرزق كما يُقبل شاوي "أمازيغي" نحو حتفه إن تعلق الأمر بكرامته؟ ربما لأن الخبز وحده ومنذ الخليقة غير مسارات التاريخ في كثير من الأمم وأخرجها من ظلام العبودية والهمجية إلى الانعتاق والحضارة ليصدق ما قاله فراس سواح: "فلقد كان الرغيف برزخ العبور من مرحلة الهمجية إلى مرحلة الحضارة".