بين وحشية الأسد وشيخوخة معارضيه.. أين السياسة؟

بين وحشية الأسد وشيخوخة معارضيه.. أين السياسة؟

سوريون يتظاهرون في لندن ضد نظام الأسد (Getty)

يعرف جيل الثمانينات السوري على أنه كان صاحب النسبة الأكبر على صعيد المشاركة في الثورة. لكن كيف كانت الحياة السياسية في سوريا قبل انطلاق ثورتها. فالسياسة قبلها كانت تعني أن تنتسب قسراً لحزب البعث العربي الاشتراكي في المرحلة الثانوية، وحضور الاجتماعات الحزبية والمشاركة في المناسبات "الأسدية" مثل ذكرى ثورة الثامن من أذار والحركة التصحيحية، ولا يغيب التصفيق للقائد الخالد وتبني مبادئ الحزب والخط العام لسياسة النظام، والترويج لها. وهذا تماما عكس المعنى الحقيقي لمفهوم المشاركة السياسية، والتي تعني حق المواطن في أن يؤدي دوراً في عملية صنع القرارات السياسية، وفي أضيق معانيها تعني حقّ ذلك المواطن في أن يراقب هذه القرارات بالتقويم والضبط عقب صدورها عن السلطة ومؤسساتها.

ابتعاد الشباب عن الحياة السياسية يعود إلى قناعتهم بمرض الشيخوخة الذي أصاب الأحزاب السياسية المعارضة للنظام السوري

وبعد تولي بشار الأسد الحكم، وإعلانه عن رؤيته السياسية القائمة على "التجديد والحداثة"، وتوّسم الشباب خيراً بهذا، وعزز إعلان دمشق آمال بعض الشباب بتكريس وجودهم في الحياة السياسية، كل ذلك قبل أن يودع أغلب أعضائه في السجون. تلت هذه المرحلة حالة من الهدوء المسكون بالخوف من تكرار تجربة المشاركة في العمل السياسي، واستمرت حتى اندلاع الثورة السورية التي ألهبت حماس الشباب لاستعادة دورهم في الحيز العام والتمرد على القيم السياسية البالية التي كرسها النظام بالتخويف والترهيب من جديد. وكانت التنسيقيات المحلية وبعض التجمعات الشبابية ومن ثم المجلس الوطني والائتلاف أولى تجارب الشباب في الحياة السياسية بعد الثورة، لكن التمثيل الشبابي في جسم المعارضة السورية ما لبث أن انحسر شيئا فشيئا مع تقادم الثورة، واقتصرت مشاركة النشطاء الشباب في الداخل على الجانب الإغاثي فقط. أما الفئة الثانية البعيدة عن أروقة العمل الثوري فقد اكتفت بأخذ دور متلقي المعلومات السلبي الذي يسمع ويرى ما يحصل دون أن يفند ويحلل ما يجري أو يشارك فيه.

فهل اهتمام الشباب بالسياسة ومشاركتهم بها مرهون بالأحداث والمناسبات الاستثنائية فقط؟ أم أن المشهد السياسي الذي كان سائدا قبل الثورة، والقائم على الإقصاء يعيد إنتاج نفسه الآن مرة أخرى؟

يعتقد الناشط أسامة.س، أن "المعارضة تكرر ذات الممارسات التي أنتهجها النظام السوري في مضمار السياسة". وأضاف "أنه في السابق كان في سوريا منظمات اتحادية ومهنية، لكن المواطن لم يستطع ترجمة اهتمامه السياسي من خلالها، لأن دورها كان ينحصر بنشر الموقف الرسمي للنظام والدفاع عنه، وهذا ما تكرر مرة أخرى بعد الثورة.

وليس ببعيد عن رأي أسامة، يعتقد الإعلامي ماجد الخطيب "أن الشباب السوري فقد الثقة نهائيا بمعارضته التقليدية التي خرجت عن مسار تحقيق أهداف الثورة. واصبح من الشائع ربط ابتعاد الشباب عن الحياة السياسية بقناعتهم بمرض الشيخوخة الذي أصاب الأحزاب السياسية المعارضة للنظام السوري.

وحيث لم تقم الأحزاب المعارضة بأي دور في قيادة الثورة، ولا تنظيم طاقات شبابها، دفع هذا الحال بالشباب السوري إلى طرح نفسه بديلاً عن هذه الأحزاب، وبدأ بتنظيم نفسه ضمن لجان أسماها لجان تنسيقية، كانت تقود الحراك الثوري والسياسي. واستمر الأمر على هذه الحال إلى أن تمكن المال السياسي من الدخول وبدأ بإفساد هذه الإنطلاقة الخجولة تنفيذاً لإرادة وأهداف الممول التي لا تتطابق في حدها الأعلى مع تطلعات الشباب الثائر.

وبعد انقضاء أكثر من أربع سنوات من عمر الثورة، ساد اعتقاد لدى الشباب بأن رموز المعارضة هم وحدهم المستفيدون من نشاط الشباب السياسي. والدليل على ذلك إعلان العديد من كتل وهيئات المعارضة بوجود الشباب في صفوفها كنوع من التباهي الفارغ من أي محتوى حقيقي، دون أن يولوا مشاكل الشباب وتطلعاتهم أي اهتمام حقيقي. لذلك تحولت السياسة في نظر الشباب الثائر من فن إدارة الحكم إلى "فن إدارة الآخرين لتحقيق ما تريد".

ولكن، هل يقف اختلاف السياسة في آلية عملها عن الثورة وراء إبعاد الشباب عن المشهد السياسي؟ وإلى أي مدى يتحمل الشباب المسؤولية اتجاه إخفاق المعارضة في لعب دورها السياسي بعيدا عن زخم الثورة العاطفي؟