09-سبتمبر-2015

يلتقط السواح الصور معه كما لو أنه علي بابا (نذير حلواني)

لا يكتفي حاتم البعريني الآتي من بلدة فنيدق العكارية (شمال لبنان) بالمارة المسرعين. يكثف الرجل الأربعيني جولته في ساحة التل، ثم يعود ليقف قريبًا منها، وهو "يطقطق" بكاساته النحاسية مناديًا على عصير الليموناضة.

ليس جديدًا أن يتواجد هناك مع عدته ولباسه التقليدي، الذي يقف متباهيًا به أمام عدسات السائحين. يبتسم لهم لغفلة، وينطق بجملة واحدة: "تانكيو فيري ماتش". هي كل ما يعرفه من لغة الأجانب، لكنه لا يبخل عليهم بـ"شفة" سريعة، وبحركات تعلمها مع الزمن، فأمسى أشبه بعارض ممتع في ساحة لا ينتهي ضجيج زوارها.

يقضي حاتم رحلته الصباحية في قص حكايات "مرحة" ونكات بذيئة لإضحاك ركاب سيارته

يترك حاتم بيته الإسمنتي في بلدة وادي الريحان العكارية صباحًا. يستقل سيارته الـ"مرسيدس القطش". يحولها إلى سيارة أجرة. يأخذ ألف ليرة من الراكب الواحد المنتقل من دوار العبدة إلى طرابلس، "معترين متلنا"، يقول وهو يشعل سيجارة تبغ "عربي"، بدأ بالإدمان عليها منذ كان في الخامسة عشرة. يقول إنه تعلم التدخين في حقول الزيتون، "حين كنت أعمل مع والدي في مواسم القطاف في حلبا". ويضيف أنه لا يحب أن يتقاضى الكثير من المال من الركاب لأنه يعرف صعوبة أحوالهم المادية، "ازا الدولة ما شايفتنا، منشوف أحوال بعض".

يقضي حاتم رحلته الصباحية في قص حكايات "مرحة" ونكات بذيئة لإضحاك ركاب سيارته. "الناس لا تضجر من الحكايات، لا احب النق. اخبرهم حكايات حلوة كي يستمروا في يومياتهم". يبدل فور وصوله ثيابه العادية في أحد مطاعم التل. يقول: "أدخل شخصًا عاديًا، ثم أخرج كأني آت من متحف الشمع"، مؤكدًا أن الناس ليست دومًا ودودة معه، "البعض يسخر مني. في النهاية لا يهمني، إنه عملي وعليّ متابعته".

يتعامل حاتم مع حياته ببساطة. كأن يعود باكرًا إلى بيته، ليجالس أولاده، ويتابع شؤونهم، ويطلب منهم إنهاء فروضهم المنزلية، "العلم هو كل شيء. لأنه لم يتح لي التعليم أصبحت هنا. تحايلت على الحياة قدر المستطاع، لكن ما أعيشه ليس سهلًا".

يعيش صاحب الوجه الممتلىء، مع زوجته وأمه و8 من أولاده في بيت ضيق. يكاد يخنقهم. "لا بديل لنا. لكنني راضٍ. هذه حياتي وعليّ أن أعيشها". يحضّر لهم وجبة عشاء على طريقته، "أوس" (بطاطا باللهجة العكارية) مع البيض المقلي، يقول: "أحب الطبخ. زوجتي تهتم بالطبخات الأكبر. لكن هذه أكلتنا المفضلة أنا والأولاد".

يجهز أبو عابد، كما يناديه أولاد المدينة، عدّته منذ الخامسة فجرًا. يغسل إبريقه وكاسات النحاس، التي يسكب فيها العصير للزبائن. يقول إنه لا يأبه لشعور البعض بأن هذه العدّة مرّ عليها الزمن، ولم يعد أحد يشتهي الشراء من بائعيها، يقول:"لا تنتهي حاجتنا إلى هذا التراث. ولن يموت. ربما أعد آخر من يبيع الليموناضة متنقلًا في شوارع طرابلس، التي عرفت هذه المهنة وازدهرت فيها"، منذ الستينيات، "لكني سأكمل بها، إني أحافظ عليها أولًا، وأمارس ما اعتدت عليه وساعدني على تأسيس عائلتي".

يعيش صاحب الوجه الممتلىء مع زوجته وأمه و8 من أولاده في بيتٍ ضيق

يتحدث أبو عابد عن مشواره بحماس فائض. ويفتخر بانتمائه إلى هذه المهنة "المنقرضة"، كونها بالنسبة له "مهنة أصيلة لا يمكن لأي أحد ممارستها بهذه الدقة، فهي إضافة إلى صنع الليموناضة بالطريقة الطرابلسية، هناك طريقة اللباس والعرض المتماشي مع تقديم العصير"، مذكرًا بما يسميه "أيام العز"، التي عاشها، قبل أن تجتاح "الفريسكو" والمثلجات وعصير العبوات الجاهزة، المحلات وأماكن الملاعب العامة والحدائق والكورنيش. "كانت الناس تحب الليموناضة صيفًا وشتاءً، وكنت أبيع في اليوم أكثر من 300 كوب، وأتنقل بين الملعب البلدي أيام مباريات الفرق المحلية، وعلى الكورنيش البحري، عدا عن الحفلات الخاصة التي أطلب إليها".

قصة حاتم مع بيع العصير بدأت منذ عام 1987 في الملعب البلدي في محلة المئتين. هناك كانت تجري معظم الاحتفالات والمباريات الرياضية والأنشطة الأهلية والبيئية وغيرها. كما ويعتبر الملعب مساحة للأعياد والملاهي وألعابها والسيرك في تسعينيات القرن الماضي. "كنت أبيع الليموناضة وألبس هذه الثياب في ساحة الملعب. واشتهرت بالزي منذ ذلك الوقت". ويؤكد أنه حينها لم يكن هناك "بيبسي" أو "ميرندا" أو عصائر غازية كانت الليموناضة والسوس والجلاب الأكثر استهلاكًا في أجواء الفرح واللهو وأجواء الاحتفال".

 هناك صار أبو عابد على كل "شفة ولسان"، وانطلق سوقه. وبدأت عروض العمل تفتح أمامه الأبواب الواسعة حتى صار ذائع الصيت في كل لبنان. يقول: "بدأت أطلب للعمل في الحفلات الخاصة في بيت الدين وعاليه وبحمدون وفي "الفلل" وعند العائلات الميسورة وزاد الطلب علّي حتى عملت في شركة خاصة في الحفلات والأعراس".

 ما يهم حاتم هو أن يجذب زبائنه الأجانب، "طرابلس مدينة سياحية، وعلى الرغم من كل الظروف. يبقى رواد الأسواق القديمة وزوار القلعة التاريخية كثر. هؤلاء يستوقفوني كي يلتقطوا صورًا معي"، موضحًا بشيء من العبث: إنهم يفرحون بثيابي. كأنهم يلتقون بعلي بابا.

يقف حاتم وحيدًا وسط الضجيج حاملًا على كتفه إبريقًا لامعًا من النحاس و"النكل"، مزينًا بـ"قماشات" ملونة مصنوعة يدويًا. يجول ويحكي ويشرب قهوة "المصبات" من صديقه "أبوعلي"... وحين يريد أن ينهي نهاره، يوزع العصير مجانًا، على المارة الفقراء، الذين هم مثله.