23-أكتوبر-2015

الإدريسي حاملًا كاميرته في سراقب

"لقد اخترت الوقوف إلى جانب الثورة السورية والمدنيين على الإبداع في فيلمي"، هكذا يوجز مخرج فيلم "ياسين ذهب إلى سوريا" (52 دقيقة) ياسين الإدريسي رحلته السينمائية- الوثائقية إلى مدينة سراقب الواقعة في ريف إدلب.

حاول ياسين الإدريسي في فيلمه، من خلال إحساس إنساني أن يجعل الأوروبي يفهم بأن السوري إنسان، وأن الظروف دفعته لحمل السلاح

لعب التشويق محورًا رئيسيًا في الفيلم، بحيث أن المتلقي الأوروبي، الهولندي تحديدًا، ثم المغربي يتحفز ويتساءل حول النهاية التي سيؤول إليها الإدريسي بالذات، هل سيخرج حيًّا من سراقب التي تقصف يوميًا بطائرات النظام أم لا؟ 

المخرج يأخذ المشاهد إلى شوارع المدينة وناسها، ويصور بداية لقائه بإلياس، الشاب الذي يدرس القانون في جامعة حلب، ويسرد لنا بكاميرته مع صديقه رشيد يومياته مع عائلة إلياس وطريقة عيشها في ظل الأحداث المتغيرة بشكل سريع. المدينة التي يسيطر عليها الجيش الحر، وعلى الجبهات تحاصرها "داعش" من جهة والنظام من جهة أخرى تحولت إلى مدينة ظلال، بيوتها مغلقة بعد أن نزح أهلها، لا نسمع سوى هسيس الصمت ثم طائرة حربية تدّج بصواريخها فوق الرؤوس. 

صوّر الإدريسي فيلمه على ثلاث مراحل، وكانت المرحلة الثانية أصعبها، بحيث أصبحت الأوضاع أكثر تعقيداً وتشابكًا. فقد احتمل سيناريو الفيلم في البداية صيغًا مختلفة، أكثرها إبداعًا وفق ما وصفه الإدريسي لـ"ألترا صوت" بأنه طمح لأن يصور مع صديقه الراقص الياباني- البريطاني، بحيث يذهبان إلى مخيمات النزوح في تركيا، ليعلم طفلًا سوريًا قد دمّر بيته الرقص، بينما ياسين يوثق لحظات التعلم، ولكن السيناريو تبدد أمام رفض والدة الياباني المجيء إلى أرض الموت، فاختار ياسين الذهاب وحده، عبر تركيا إلى أنطاكيا وصولًا إلى سراقب عن طريق التهريب، خاصة في المرحلة الثانية. كان لزامًا أن يتتبع تعليمات مهمة كي لا تكتشف هويته ويتم اختطافه، وهكذا نجا لنشاهد فيلمه الوثائقي يعرض للمرة الأولى بالمغرب خلال فعاليات مهرجان "أوروبا- الشرق للفيلم الوثائقي.

درس ياسين الأفلام الوثائقية بالأكاديمية الهولندية للسينما في أمستردام، وكان فيلمه حول سوريا موجها لجمهور التلفزيون الهولندي، يقول عن ذلك: "أساسًا أنتج الفيلم للتلفزيون الهولندي، ورغم ذلك حاولت أن يتخلله الإحساس بأنه إنساني وشخصي وبسيط، حتى يفهم الأوروبي بأن السوري إنسان، وأن الظروف المحيطة به هي من دفعته لحمل السلاح والقتال".

هذا المبدأ هو ما لفت جمهور الفيلم إليه وتابعه في القاعة حتى النهاية، فالإدريسي عندما وجد نفسه مرتبطًا عاطفيًا بالثورة والإنسان السوري وبصراعها الذي تتنازع فيه قوى عالمية، لم يتردد في المخاطرة أو المجازفة التي ناقشها الجمهور بحدة وإعجاب صريح خارج القاعة وفي وقت الاستراحات. 

تحول فيلم ياسين الإردريسي إلى نوع من إبداء الرأي والمشاركة بالثورة السورية

يقول: "لقد بحثت مطولًا في تاريخ سوريا الطائفي والسياسي والاجتماعي قبل التصوير، لم أذهب إلى سوريا من باب السياحة، فالثورة هناك ما زالت مستمرة"، الأمر الذي جعله يفهم القضية على أرضها، وتحول فيلمه إلى نوع "روود موفي" يصور رحلته ويوثق لقاءاته مع أشخاص في أرض المعركة، وهنا تحول عمله السينمائي إلى نوع من "إبداء الرأي والمشاركة بالثورة"، فما ينقله الإعلام عن سوريا لم يعد مقنعا بالنسبة للإدريسي بأنه الحقيقة. يقول: "الحقيقة الشخصية تحتاج لتفاصيل وحقيقة خاصة، ولا تبني على المعلومات الرخيصة والسريعة التي يتلقاها المشاهد من شاشات التلفزة".

ورغم الصعوبات التقنية التي واجهها خلال تصويره، مثل فقدان الاتصال بالأشخاص الذين قابلهم بالمرة الأولى إلّا أنه عاد ليكمل الحكاية وينتزع الحقيقة التي يريد، وجزءًا كبيرًا منها ظل سوداويًا، يعبّأ وجدانه بالتشاؤم والشعور بالظلم وحمق الإنسان. 

عاد ياسين حيًّا، ولجأ إلياس السوري إلى بلجيكا، أما كثيرون ظلّوا على الجبهات في سراقب بعد أن استشهدت عائلاتهم، اختاروا أن لا يسقطوا أمام احتلال داعش أو الاستسلام للنظام. وبهذا يدخل فيلمه الأرشيف السينمائي كوثيقة بصرية على حالة دولة تعيش أوج اضطرابها. 

اقرأ/ي أيضًا:

سوريا.. وداع الدولة الوطنية

من صندوق البندورة إلى داعش