المعتقل الذي لا يحبه أحد

المعتقل الذي لا يحبه أحد

4100 مشاهدة
الحديث عن حرية شخص بعينه هو استمرار في الخيانة

ماذا لو أن الفارس الذي سينقذ البطلة في آخر الفيلم السينمائي، سيكشف عن وجهه، فنكتشف أنه مصاب بمرض جلدي يجعله في غاية الدمامة؟ وماذا لو خلع الفارس القروسطي المنتصر درعه الحديدي في آخر العرض المسرحي، فنجده كهلًا نحيفًا أصلع الرأس؟

باتت فكرة التعاطف الانتقائي مع المعتقلين السياسيين في مصر تحظى بالاعتراف من الجميع

مثل تلك النهايات الواردة والحقيقية لا يحبها الجمهور بالطبع؛ البطل ينبغي أن يكون مرسومًا على مقياس أحلام الجمهور، لكن الجديد أن المظلوم والمضطهد أيضًا لا بد أن يكون هو الآخر على مستوى تصورات الجمهور. باتت فكرة التعاطف الانتقائي مع المعتقلين السياسيين في مصر تحظى بالاعتراف من الجميع، لكنه اعتراف يتوقف التفكير فيه عند حد الاعتراف وفقط، ويظهر أن المسألة بلا حل، فهذا الكم من المنظمات الحقوقية المصرية لم يستطع حتى الآن أن يوحد المطلب الأخير للثوار المهزومين، ويجعل من قضية الإفراج عن كل معتقل سياسي مهما كان فقيرًا أو مغمورًا أو مكروهًا، هو المطلب الأساسي، بل وربما الوحيد الذي يلتف حوله الجميع، ولأن تلك المنظمات لم تقم بدورها في تبني القضية كقضية للجميع ولكل المعتقلين دون تفرقة بينهم، يشغل هذا الفراغ بصخب محبي المعتقل لو كان مشهورًا محبوبًا، ويُترك هذا الفراغ شاغرًا، لو كان هذا المعتقل ممن لم يتركوا ورائهم "شلة" كبيرة ونافذة تحول قضيتهم لقضية رأي عام.

إذا كان السبب الذي يقال دائمًا وراء اختفاء الدعم للمعتقلين غير المشهورين، هو الجهل بهم؛ فالجديد في حالة الباحث والصحافي المصري إسماعيل الإسكندراني، أن النشطاء والفاعلين في ميادين مواقع التواصل الاجتماعي، يعرفونه جيدًا وكانوا يتابعون أعماله الصحافية باستمرار، لكنه للأسف لم يكن من "شلتهم"، ولأنه ليس مظلومًا محببًا إلى قلوبهم، ولم يكن شخصًا مقبولًا بالنسبة إليهم، فقد اكتفوا بالتنديد الأولي الذي يحفظ ماء الوجه، وبعد ذلك خيم الصمت والتجاهل المتعمد على الجميع، كان دعمهم باردًا ومصطنعًا. هكذا ورغم أنه كان سباقًا في التنديد بأي اعتداء على حرية أي من زملائه الباحثين أو الصحافيين، لكنه لم يجد سوى هذا الدعم البارد الجاف، لأنه ببساطة لم يكن محبوبًا بما يكفي كي تقوم له الدنيا ولا تقعد.

يفتح هذا الأمر الباب أمام السؤال الأهم وهو الشتات الذي يعيش فيه المنتمون لـ"ثورة يناير"، بعد أن مر كل هذا الوقت على أحداث "3 يوليو" في 2013، لقد تشكل واقع جديد، والكل في مخبئه أو في مدفنه بمعنى أدق، إلى أي حد سنعيش في هذا القبر إذًا؟ 

إننا لم نمت حتى الآن وهذا قدر إلهي، ولسنا قادرين على الانتحار، ننتظر الأصدقاء والأحبة وهم خلف جدران السجن، ونحن نجلس ونروي الحكايات كالعجائز في السجن الكبير خارج السجن، إذًا إلى متى نفكر بعقلية من مات، وكل الأدلة الفيسيولوجية تقول أننا في عداد الأحياء ولو رفضنا، إذا كنا أحياء فهناك معركة أكيدة لنا، وقد تكون الأخيرة، لا بد أن نحارب فيها بشرف، وليست الخسارة بأمر جديد علينا، معركة الإفراج عن كل المعتقلين السياسيين والمضطهدين، إذا كانوا محبوبين أو مكروهين، وإذا كانوا فقراء أو ميسورين، علينا أن نوحد كل الجهود كل الدعم كل التعاطف من أجل قضية الإفراج عن المظلومين وليس الإفراج عن مظلوم بعينه ما دمنا نحبه، خصوصًا وقد اكتشفنا أن الضغط من أجل الإفراج عمن نحبهم صاحبته نتائج طيبة، إذًا لماذا لا نستكمل الطريق؟، لماذا ندعي الموت ونحن أحياء؟

المطلوب دور فعال يوحّد مطلب الإفراج عن كل المعتقلين، ويتعامل مع الملف باعتباره ملفًا سياسيًا واحدًا وشاملًا

في الواقع يتعلق الأمر إلى حد كبير بمنظمات حقوق الإنسان المصرية المحسوبة على ثورة "25 يناير"، تلك المنظمات المُشهرة والتي تمتلك حصانة رمزية، تجعلها بعيدة إلى حد كبير عن أي محاولة للبطش المباشر بها لأسباب معروفة، عليها أن تقوم ولو لمرة وحيدة بدور حقيقي فعال متمثل في توحيد مطلب الإفراج عن كل المعتقلين المضطهدين، وأن تتعامل مع الملف باعتباره ملفًا سياسيًا واحدًا وشاملًا، أن تكرس لملف شامل يجمع كل هؤلاء المعتقلين؛ المجهول منهم قبل المشهور، ويكون الضغط بعد ذلك في اتجاه متابعة ودعم كل هؤلاء، دون تفرقة بين من يحبه النشطاء ومن لا يمتلك مثل هذا الحب والاهتمام.

إن الحديث أكثر من ذلك عن حرية شخص بعينه هو استمرار في الخيانة، وامتداد لمنطق القبلية والتشرذم الذي يعيش عليه خاسرو "يناير"، منذ أحداث "يوليو" 2013، ولا توجد جهة تستطيع الدفع في اتجاه تحقيق المساواة بين المظلومين أفضل من مراكز حقوق الإنسان التي تزخر بها المحروسة، من أجل جمع كل بيانات معتقلي الرأي في مصر، في ملف موحد ومن ثم يكون الضغط دائمًا في اتجاه الإفراج عمن فيه بالكلية، ولا مجال للتفاوض الجزئي، إلا في ضوء ما يحقق -على خطوات- صالح المُجمعة بياناتهم في ملف المطلب الأخير والموحد. 
 

اقرأ/ي أيضًا:

حسام بهجت.. التهمة: صحفي

الأمن المصري يحتجز الصحفي إسماعيل الإسكندراني