العبقرية الجزائرية في إنتاج الفشل

العبقرية الجزائرية في إنتاج الفشل

بائع خبز في الجزائر (Getty)

لن أستعمل عبارة "قلة حياء"، بل عبارة "كثرة شجاعة"، وأنا أتحدث عن أعضاء الحكومة الجزائرية في سلوكهم وتصريحاتهم، على مسمع ومرأى الشعب الجزائري، ليس من باب الخوف، وربما كذلك، بل من باب الإعجاب بقدرتهم الصارخة على قول النقيض ونقيضه، في العام الواحد، وربما في اليوم الواحد، دون خوف أو حشمة أو تردد أو توقع لما قد يثير القلاقل.

عدد السواح القادمين من الخارج إلى الجزائر يساوي عدد العاملين في وزارة السياحة

قبل شهرين، قال السيد الوزير الأول، بلهجة تقطر ثقة، إن حكومته لن تتأثر بسقوط أسعار البترول، مهما كانت حدة هذا السقوط، لأنها محصنة ضد التأثر. بعد شهر من ذلك، عاد فطالب الشعب بأن يشد أحزمته، كناية عن وجوب التقشف، لأن الأوضاع لا تبشر بخير. قبل أسبوع، ضاعف جرعة "الشجاعة" ولمّح إلى إمكانية اللجوء إلى الاستدانة. قبل نصف أسبوع، قال إنهم أخذوا العبرة نهائيًا، وسوف لن يعتمدوا على البترول مستقبلًا، في ظل وجود طاقات وفرص في قطاعي الفلاحة والسياحة.

هنا علينا أن نذكّر بمعطى بسيط هو أن الجزائر باتت أكبر بلد عربي وأفريقي بعد تقسيم السودان المغبون، بمساحة تقدر بمليونين ونصف المليون كلم، يتوفر على الفصول الأربعة في الفصل الواحد، والمسافة التي تفصل أقصى نقطتين في شماله البحري وجنوبه الصحراوي تقدر بثلاثة آلاف كيلمتر، رغم هذا، فإن عدد سواحه القادمين من الخارج، يساوي عدد العاملين في وزارة السياحة، وعدد قناطير القمح المستوردة سنويًا من فرنسا/مستعمر الأمس، يفوق عدد سكان البلد، في ظل ضخ دعم فلاحي فاق ستين مليار دولار.

في ظل هذا المعطى المعلوم لدى الجزائريين جميعهم، كيف يمكن أن يُفهم كلام السيد الوزير الأول، ما عدا أنه شجاعة عظيمة منه، وإلا كيف لم يطرح هذا السؤال على نفسه، من باب احترام النفس على الأقل، إن لم يكن احترامًا للشعب: لماذا لم نلتفت إلى هذه الطاقات والفرص في السياحة والفلاحة قبل اليوم؟ كنا اليوم سنجني ثمار ذلك، لو التفتنا قبل عشر سنوات على الأقل، في ظل استمرارية نفس الوجوه. كنا وصلنا، على الأقل، مرحلة نكتفي فيها ذاتيًا في كل شيء، بحيث نستطيع أن نوقف إنتاج النفط، مكتفين بالتسويق المحلي، ما دامت تكلفة الإنتاج، هي نفسها سعر البرميل.

ثم لنفترض أن الحكومة صادقة في انتباهتها أخيرًا، وباشرت برامج مدروسة وناجعة في تفعيل قطاعي الفلاحة والسياحة، علمًا أن فرنسا، قبل الاستقلال الوطني مطلع ستينيات القرن العشرين، كانت تطعم نصف أوروبا من سهل المتيجة فقط، كم سنة سننتظر حتى تؤتي هذه البرامج ثمارها؟ ليس أقل من خمس سنوات، فماذا سنفعل خلال هذه السنوات ما عدا اللجوء إلى الاستدانة؟

من أكبر الإنجازات التي فاخرت بها الحكومة ومحيطها الموالي لها، في كل مناسبة أتيحت لها لأن تمارس التفاخر، دفع مديونية البلاد الموروثة عن سنوات العنف والإرهاب، مع سلفة كريمة إلى صندوق النقد الدولي، فماذا ستقول للشعب، وهي مضطرة اليوم للاستدانة من جديد؟ بكل ما ينجر عن ذلك من إكراهات مملاة عليها، منها تدخل هذه المؤسسة المالية في تحديد ملامح الاقتصاد الوطني، وتحديد عدد العمال، وتحديد هوامش الرعاية الاجتماعية؟ يا له من سؤال غبي مني، نسيت أنها تتوفر على خزان كبير من الشجاعة، يتفوق على خزانها من الفشل.

اقرأ/ي أيضًا:

ما معنى أن تكون جزائريًا؟

لو كنتُ فلسطينيًا لرفعتُ العلم الجزائري