الصهيونية إذ تحاور ابن سلمان.. تبشير بإسرائيل

الصهيونية إذ تحاور ابن سلمان.. تبشير بإسرائيل

حوار ذا أتلانتك مع ابن سلمان كان محاولة أخرى لتلميعه غربيًا (رويترز)

في سِيَر المماليك الذين نشأوا أو حكموا في القاهرة، الكثير مما يشبه سيرة الأمير محمد بن سلمان، فمعظمهم قتل أو حبس أخٌ له أو عم أو أب من أجل عرش الملك، وكثير منهم عانى جنون العظمة، ونفاه عن نفسه، أما أكثر ما يثير الريبة في السيرة السلمانية، ذلك السعي الحثيث في دفع الجزية على طريقة ملوك الطوائف من أجل ثبات العرش، وموالاة العدو من أجل تأمين الحكم.

أجرت صحية ذا أتلانتيك حوارًا مع ابن سلمان يعطي انطباعًا قويًا بأنه جزء من الحملة الدعائية مدفوعة الأجر لتلميع صورة ابن سلمان غربيًا

تعطيك المقابلة التي أجراها ابن سلمان مع مجلة ذا أتلانتيك انطباعًا وأنت تقرؤها أنك أمام محاولة أمريكية جديدة لتلميع ابن سلمان غربيًا، رغم أن ملياراته وتطبيعه اللاهث وأياديه البيضاء على إسرائيل تقوم بالواجب وزيادة.

اقرأ/ي أيضًا: لوبي ابن سلمان في الإعلام الغربي.. "تطبيل" للكوارث

أجرى الحوار جيفري جولدبيرغ رئيس تحرير الصحيفة المفتون بجيش إسرائيل "كتجسيد على التمكين الاسرائيلي على الأرض". هو رجل صهيوني حتى النخاع، ففي تجربته تقرأ أنه ترك وظيفة تقديم الطعام للطلاب في الجامعة ليلتحق بجيش الاحتلال كحارس سجن أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ويشرح رؤيته عن تلك العلاقة بين السجان والمسجون "المتفهم" لدوافع الصهيونية، حسب ادعاءاته في كتابه "سجناء: مسلم ويهودي عبر الشرق الأوسط المنقسم"، وهو كتاب يحمل رؤية تبشيرية بالصهيونية، ترى الشرق الأوسط غير المحب لفكرة إسرائيل سجنًا كبيرًا، وتعتنق فكرة هرتزل عن أن "السجناء لفترات طويلة لا يتركون زانزينهم".

يُقدم جيفري ابن سلمان على أنه "الأمير المصلح وسط أجواء متوترة، لم تكن لتساعده لو أنه ليس رجلًا جريئًا، يضع الأمور في السياقات التي يريد الترويج لها"، كما يقول، مُشيرًا إلى سجنه لأمراء العائلة المالكة بحجة "مكافحة الفساد"، وإلى "صناعته الأعداء المناسبين بينهم إيران وحماس والحوثيين في اليمن"، وتصريحه عن آية الله علي خامنئي بأنه "أسوأ من هتلر"، والأهم من ذلك كله "اعترافه بشكل غير مباشر بحق اليهود في دولة قومية، وهو ما لم يعترف به رسميًا اي حاكم عربي من قبل"، كما يقول جولدبيرغ.

ابن سلمان، الذي كان مشهورًا في الصحافة الغربية بـ"الأمير الطائش" قبل حملته الدعائية مدفوعة الأجر؛ يرى أن ما يسميه "مثلث الشر" يتكون من إيران والإخوان المسلمين و"الجماعات السنية الإرهابية". وهذا المثلث يستحيل أن يكون مربعًا عند ابن سلمان بإضافة دولة عنصرية غير طبيعية بتاريخ أسود بالانتهاكات والمذابح والمجازر، هي الدولة الصهيونية!

على أي حال يبدو أن "المثلث" هو الشكل المفضل لدى ابن سلمان، والتعبير الأحدث في قاموس المصطلحات البوشية الترامبية.

صرح ابن سلمان بما لم يصرح به أي زعيم عربي من قبل، وهو بأنه يعتقد أن "الشعب اليهودي له حق إقامة وطن على أرض أجداده"!

المقابلة الصحفية جرت مع الأمير في غرفة تحت صورة كبيرة لجد الأمير عبد العزيز آل سعود مع فرانلكين روزفلت الرئيس الـ33 للولايات المتحدة الأمريكية، الذي يتحدث عنه الأمريكيون بفخر على أنه واحد من بين أعظم ثلاثة رؤساء للولايات المتحدة الأمريكية، فلعل رياح اتفاقية كوينسي تُذكر بما بين الحبيبين من محبة لا مشروطة تقضي بحماية آل سعود إلى الابد مقابل ضمان السعودية لإمدادات الطاقة التي تستحقها الولايات المتحدة، والطاقة هنا قد يتغير مفهومها إلى المال أو الاستثمارات المليارية في البنية التحتية، كما هو الحال الآن.

اقرأ/ي أيضًا: التطبيع مع إسرائيل بأموال النفط وملوك الطوائف

يريح الأمير أعصاب جولدبيرج الذي كان يريد أن يسأله هذا السؤال من البداية، السؤال الأهم والذي ربما هو جوهر الحوار، السطر الأغلى في كل المقابلة: "هل تعتقد أن الشعب اليهودي له الحق في دولة قومية في جزء من موطن أجداده على الأقل؟".

يجيب ابن سلمان: "أعتقد أن كل شعب، في أي مكان، له الحق في العيش في أمته المسالمة. أعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة. لكن يجب أن يكون لدينا اتفاق سلام لضمان الاستقرار للجميع ولإقامة علاقات طبيعية"! 

الاستقرار وإقامة علاقات طبيعية؟! كلمتان خفيفتان على اللسان مذكورتان في المبادرة العربية للسلام بالنص، بلا زيادة أو نقصان، وكأن أنظمة الحكم في السعودية والإمارات، لم تتخذ خطوات تطبيعية "طبيعية" مع إسرائيل في السنوات الماضية حتى تنتظر السلام و يعم الاستقرار.

إسرائيل لا تعاني الوحدة ولا العزلة السياسية فهي تعيش أزهى عصور التطبيع العسكري والمخابراتي والرياضي مع ركب الرياض وأبو ظبي والمنامة بكل الحب. ربما مقابلة جولدبيرغ مع ابن سلمان ستزيل الحرج عن مسميات مرعبة غير مستساغة بعد في الشارع العربي الذي لم يبلع كله خدعة التطبيع ووداعتها، ولم يشرب سم النخبة السياسية والثقافية المتصهينة من المحيط إلى الخليج، والتي تروج لخليج عربي بعلاقات رسمية طبيعية مع إسرائيل.

ابن سلمان في النهاية يتحدث عن واقع ممسوخ في خياله، عن "حق" إقامة اليهود وطن قومي لهم، وعلى شيء غريب: "أراضي أجدادهم"! وماذا عن حق العربي الفلسطيني في أرضه وحقه في الدفاع عن حياته وممتلكاته؟ 

يتحدث ابن سلمان عن واقع ممسوخ في خياله، واقع يعطي الحق الفلسطيني للإسرائيلي باعتباره "أرض أجدادهم"!

على الأرجح أسقط ابن سلمان هذا الحق لمّا أسقط أيضًا حقوق السعوديين أنفسهم في التعبير عن أنفسهم دون خوف من اعتقال أو إخفاء، أو إعدام. إذ إن الحرية عند ابن سلمان، كما قال أيضًا، هي حرية تويتر وسناب شات وفيسبوك "أليست متاحة للجميع؟" أليست هذه حرية يا متعلمين يا بتوع المدارس؟!

 

اقرأ/ي أيضًا:

محفل بروباغندا ابن سلمان الغربي.. غراميات توماس فريدمان

سقوط توماس فريدمان.. الصهيونية في مديح ابن سلمان